تطوير الإعلام في تونس.. حان الوقت

الجمعة 2016/03/11

شاهدت مؤخرا مقابلة مع الإعلامي ورائد الصحافة الاستقصائية في العالم العربي الصحافي المصري المعروف يسري فودة على القناة الوطنية التونسية، تطرقت لمواضيع شتى من بينها: مهنة الصحافة، مسؤولية الصحافي، مهمته والأخلاق التي يجب أن يتحلى بها، حياديته، تسييس الإعلام، وظيفة الإعلام الرقابية، وغيرها من أساسيات العمل الصحافي وقواعده.

ورغم أهمية المواضيع التي تكلم فيها يسري فودة بحرفية عالية، ورغم القيمة المعرفية للمقابلة، حيث بدت كدرس مهم في الإعلام، خصوصا في الجانب الذي يمس حياديته، إلا أنه يجب أن أعترف بأن أداء الإعلامية التي حاورته، كان دون المستوى، ولم يشعرني، كمشاهدة، أنها تعي أهمية المقابلة، أو قيمة الحوار الذي كانت تجريه.

الإعلامية قاطعت محدثها باستمرار، ومن دون مبرر، ولم تتركه يكمل جملة واحدة، وكانت تنتقل من سؤال إلى آخر، دون أن تتلقى إجابة كاملة على السؤال الذي قبله، وتقفز لتملأ الجمل التي يبدؤها المحاور بتعابير وآراء خاصة، إلى غير ذلك من النقائص في طريقة إجراء الحوار الصحافي.

وبغض النظر عن أسئلتها ومقاطعتها، فإن جلسة المذيعة وهيئتها وتعابير وجهها لم تكن توحي بالراحة أو التلقائية، فضلا عن افتقارها للحماس والتفاعل وبناء حوار يرتكز على ردود الأفعال والأجوبة التي تتلقاها من محدثها، وليست على قائمة أسئلة معدة مسبقا.

الخطأ الذي وقعت فيه مقدمة البرنامج، هو أنها لم تحاول أن تجد ما يسمّى بالإنكليزي “كونتكت” أو تواصل حقيقي مع محاورها، وهو من ضروريات الحوار الصحافي الناجح، فبدت كما لو أنها تقف في كوكب وهو في كوكب آخر.

ويقصد بالتواصل: فتح قناة حسية بينها وبينه مبيّنة على التركيز الوظيفي لأعضاء التواصل الطبيعية مثل العينين والأذنين والجسد (طريقة الجلوس)، وإبداء اهتمام حقيقي وتفاعل وتحفيز.

أما الخطأ الثاني، فهو في محاولة المذيعة الظهور بمظهر العارف، الأمر الذي لا يعتبر شرطا في الحوار الصحافي، فالمشاهد أو المستمع يرغب في سماع المحاوَر وليس المذيعة، وبالتالي فإن دورها يقتصر على تحفيزه واستدراجه إلى أكبر قدر ممكن من التصريح بالحقائق والمعارف التي يمتلكها، كما أنه من شروط نجاح المقدم التلفزيوني اليوم، عدم اعتماد الجدية الصارمة أو التكبر أو الغرور أو الإحساس بالأهمية أمام من يحاوره. اعتدنا القول إن الشخصية القوية ضرورية من أجل التقديم الإعلامي، واليوم نستطيع أن نقول إن الشخصية الهشة أفضل من يقدم البرامج الحوارية، والهشاشة هنا بمعنى الشفافية، أي القدرة على التواصل والتبسيط.

بالطبع أسعدني أن يستضيف التلفزيون التونسي إعلاميا في حجم يسري فودة، ليحاوره في موضوع يعتبر في ظرفنا الحالي واحدا من أهم المواضيع المطروحة على الساحة، في ظل التحديات والمخاطر التي يتعرض لها الصحافيون والتضييق والرقابة على عملهم، وانحياز الإعلام وانقسامه حول مختلف القضايا التي تهم المنطقة. لكن للأمانة، أقلقني مستوى أداء الإعلاميين في التلفزيون التونسي، الذي بدا أقل من المستوى، للأسف.

والشيء نفسه ينطبق على قنوات عربية كثيرة، ويكاد يبدو ظاهرة عامة، غير أن ما يهمني في هذا الموضوع ودعاني للكتابة فيه، هو أن تونس التي تخوض اليوم معركة الديمقراطية وبناء دولة الحقوق والحريات، وتبذل من أجل ذلك جهودا جبارة، لا يجب أن تفوتها أهمية تطوير منظومة الإعلام داخلها كخطوة ضرورية تستوجبها المرحلة الراهنة وعامل أساسي وجوهري من عوامل التغيير.

18