تطوير التعاون العربي.. مدخل ضروري لنجاح مقاومة التطرف

بات الكثير من الخبراء والمحللين يؤمنون بأنه لا بديل عن تعظيم النفوذ العربي في الإقليم والانخراط في ملفاته، إذا أراد العرب مكافحة الإرهاب وتنظيمات الإسلام السياسي، وأن ذلك يجب أن يتم بشكل نوعي وتدريجي مدروس، سواء في ما يتعلق بالحضور السياسي الخليجي في الملف العراقي وغيره، أو بجهود مصر في الملفين السوري والليبي.
الاثنين 2017/08/07
صون الدولة العربية

نقطة الضعف في أزمات المنطقة العربية تمثلت دائما في ازدياد وتيرة الانقسامات، خاصة في الدول ذات التركيبة الطائفية والإثنية، ما هدد هوية الدول، لذلك تم اللعب على هذا الوتر بتوظيف ودعم جماعات شمولية ترفض التنوع وتعادي الدولة الوطنية ولا ترضى بغير “الفرد العقائدي” الموالي للتنظيم والمبايع لقائده.

تلك الجماعات بمختلف مسمياتها يتم استخدامها كرأس حربة لضرب القلب العربي ومؤسسات وجيوش الدول، وفقا لمشاريع أممية متعلقة بإقامة الخلافة، وبعد تجربة العراق صارت تلك الكيانات هي الأداة الأكثر فعالية في السيطرة على الدول.

في هذا السياق تتلاقى مصالح القوى الإقليمية التوسعية مع مصالح جماعات الإسلام السياسي التي ترى أن إزالة الأنظمة العربية لن تتحقق إلا بإضعاف اللحمة الداخلية الاجتماعية والمؤسسية للدول.

ولأن صعود تلك التنظيمات وقوتها مرتبطان باستمرار اشتعال النيران المذهبية والطائفية بالمنطقة واحتدام صراع الهويات لشق المجتمعات العربية، فإن تماسك الدول العربية ورسوخ مؤسساتها هو الذي سيمثل العقبة أمام تغول واستئساد القوى ذات الطموحات الإمبراطورية وجماعات الإسلام السياسي التابعة لها.

ليس خافيا أنه بعد فشل جماعة الإخوان في دفع البلاد إلى محرقة النزاع المذهبي السني الشيعي، خاصة في الملف السوري أثناء توليها السلطة، راهن ذلك التيار على الانقسام الإسلامي المسيحي باستهداف الأقباط سعيا إلى إشعال التصارع الطائفي والأيديولوجي.

وهنا يصف الباحث في شؤون الحركات الإسلامية محمد جاد الزغبي العلاقة بين تنظيمات الإسلام السياسي وداعميها الإقليميين بـ”الإستراتيجية”، وشدد على أن دولا مثل إيران وتركيا عثرت على بغيتها عندما تلاقت مصالحها مع تطلعات كيانات محلية تسعى لشق وحدة مجتمعات المشرق العربي على أسس مذهبية وأيديولوجية.

صعود التنظيمات الإرهابية مرتبط باستمرار اشتعال النيران الطائفية واحتدام صراع الهويات لشق المجتمعات العربية

وأوضح لـ”العرب” أن مؤامرات الخارج هي مجرد فرع لجذر متمثل في العجز عن بناء الدولة الوطنية وتقويتها، وهذا ما تلعب عليه الميليشيات الطائفية، أي ضرب الهوية الوطنية لتحل محلها الهويات الطائفية.

وهكذا أصبح واضحا أن مشروع إسقاط الدول هو في حقيقته سعي إلى تحويلها إلى مراكز عالمية لاحتضان المنظمات الإرهابية وتصديرها إلى الخارج لاستكمال مشروع الخلافة الأممي، وغزو المزيد من الدول وضم المزيد من الولايات سواء من الغرب أو الشرق.

الملاحظ أن التوترات والحروب الأهلية المدمرة والفتن المذهبية الدموية واستباحة العرب في عقر دارهم من قبل قوى إقليمية غير عربية بالتحالف مع تنظيمات متطرفة محلية، صنعت كلها “شعورا عروبيا” يدفع باتجاه إقامة علاقات عربية لم تكن لتنشأ في الظروف العادية والعهود السابقة.

ولفت البعض من المحللين إلى أن التجاوب الإيجابي الأخير من قبل المجتمع الدولي مع الحضور العربي يعود إلى قراءة جديدة أدركت مدى المخاطر المترتبة على الفراغ الإستراتيجي في الأراضي التي تحتلها تنظيمات متطرفة وتكفيرية، إذ أن التهديد الإرهابي لم يعد يقتصر في السنوات الأخيرة على الدول العربية وحدها.

وأكد خبراء سياسيون لـ”العرب” أن ما يسمى بـ”تضامن الأزمة” بات حتمية بين الدول العربية الآن، إذ لم يعد مقبولا استمرار الانقطاع العربي عن ملفات المنطقة من العراق إلى السودان إلى ليبيا، لأن القوى الإقليمية التوسعية (مثل تركيا وإيران) تعرف جيدا أن امتداد نفوذها لن يتحقق إلا بالخصم من المصالح العربية.

وهكذا تبدت أهمية تطوير أداء الدول العربية الإقليمي في التعامل استباقيا ضد مصادر تهديد يمتد تأثيرها ليمس أمن واستقرار الدول العربية، وهو ضروري لإعادة ترتيب الأوضاع الأمنية بالمنطقة العربية بمراعاة المصلحة العربية، لا وفق مطامع قوى إقليمية سعت لإقامة إمبراطوريات تأسيسا على أحلام تاريخية. ويرمي التطوير الإقليمي العربي إلى وقف التدهور الجاري ومنع وصوله إلى عمق الدول التي لا تزال متماسكة، وهو ما يتطلب بالضرورة حتمية التفاعل مع الملفات المتوترة والتأثير فيها، وعدم الاكتفاء بالتركيز على مكافحة الإرهاب وتجفيف منابعه الفكرية ومصادر تمويله وتسليحه.

وتؤمن الدول العربية بأن عدم المساس بها وبمؤسساتها مرهون باستعادة الحد الأدنى من الاستقرار للمنطقة، وهو ما يدفعها لإصلاحات خارج حدودها تعالج ما تمت استباحته في العمق العربي منذ العام 2003، مرورا بوقائع عام 2011، وصولا لأحداث العامين الأخيرين.

مشروع إسقاط الدول هو في حقيقته سعي إلى تحويلها إلى مراكز عالمية لاحتضان المنظمات الإرهابية وتصديرها إلى الخارج لاستكمال مشروع الخلافة الأممي

العودة العربية مبنية على إستراتيجية تسعى إلى امتلاك مواقع القوى الفاعلة في الإقليم والقدرة على فرض العرب ذاتهم كقوة رئيسية لا يمكن الاستغناء عن شراكتها في قضايا المنطقة، بعد أن قادت الغيبة العربية إلى انكشاف غير مسبوق للمجتمعات وتدخلات في شؤون الدول والتحكم في مصائر أنظمتها.

الآن يرسخ اليقين بأن التحرك الاستباقي يؤدي إلى إخماد الحرائق قبل انتشارها في الجسد العربي، وأن مساعدة الدول العربية المأزومة للخروج من الفوضى هي خطوة حمائية متناسبة مع حجم التدخلات وخطورة المخططات وشمولها لمجمل الساحة العربية.

سياسيون بالمنطقة يرون أن الخروج من المأزق العربي الراهن يتطلب حلولا ومعالجات من خارج الصندوق وغير تقليدية تتجاوز الكثير من هواجس الماضي، عبر استجابات واعية تدرك مكامن الخطر وتعرف مواقع تصدير الأزمات والفتن إلى الداخل العربي.

وشدد خبراء في السياسة الدولية لـ”العرب” على أن الحضور العربي اللافت أخيرا في الملفات الشائكة بالمنطقة العربية ليس وليد الساعة وإنما اتخذ أشكالا عدة منذ انفجار الأزمات، وتعددت مظاهر تأثيره بحسب ظروف وطبيعة كل مرحلة، ففي الوقت الذي انسحبت أو تواطأت فيه الأطراف الدولية وأجرت حسابات ضارة بالمصالح العربية، باشرت الدول العربية مبكرا الدفاع عن أمنها القومي وعن مصالحها بنفسها وفق تحركات خارج سياق التحالفات المعهودة.

وعلى سبيل المثال فقد منع تمدد إيران وتركيا وقطر- عبر وكلائها من ميليشيات وتنظيمات- إلى داخل الدول التي لا تزال متماسكة من مجرى الأحداث في الشرق الأوسط بأكمله في اتجاه معاكس لما تم التخطيط له مسبقا. كما نجحت التحركات العربية في التقليل من الآثار السلبية لسياسات الإدارة الأميركية في عهد باراك أوباما، سواء في ما يتعلق بتفاهماتها الكارثية مع إيران التي أطلقت يدها في الداخل العربي، أو بعلاقة التحالف الغربي مع الإسلام السياسي بغرض تمكين جماعة الإخوان من السلطة.

التحرك العربي أسهم في تقليص النفوذ الإيراني وتحجيم الأحلام التركية التوسعية وتفكيك الترابط بين فروع الإسلام السياسي وإجبار العالم على تغيير نمط تفكيره وأساليب تعاطيه مع الحالتين الإيرانية والإخوانية.

وقدرة الدول العربية والنظام العربي على درء التدخلات الخارجية في شؤون العراق وليبيا وسوريا من شأنها خلق إطار علاقات متكافئة إقليميا ودوليا، ما سيعيد صياغة أسس جديدة للعمل العربي المشترك، كذلك فإن عدم التخلي عن المجال العربي وتركه مستباحا للأطراف التي لا يهمها سوى توسيع نفوذها وتكريس مصالحها، من شأنه الدفاع عن الهوية الوطنية وإنقاذ البلاد العربية من سيطرة الهويات الطائفية المدمرة للأوطان.

وأثنى الخبير السياسي أيمن شبانة على التعاطي العربي مع أزمات التدخل في الشأن العربي والإرهاب، وشبه الجهود المصرية والسعودية والخليجية بالقاطرة التي ستأخذ الكيانات العربية نحو الاستقرار، بعكس مسار من خططوا لجر العالم العربي نحو الفوضى.

13