تطوير الصناعات العسكرية سلاح النفوذ في الخليج

الجمعة 2014/05/16
صعب: ما يحدث في أبوظبي والرياض بمثابة تحول كبير في السياسات الدفاعية للعاصمتين

لندن – دعا الباحث بلال صعب*، في مقال تحليلي نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، الرياض وأبوظبي إلى التركيز على تطوير الصناعات العسكرية من خلال الاستثمار بشكل أكبر في مجال التعليم والبحوث لإعداد كفاءات قادرة على قيادة منظومة الإنتاج الحربي، وهو ما ستظهر نتائجه خلال مدة تتراوح ما بين 5 و 15 سنة.

منذ ظهور نظام الدولة العربية المعاصرة في منتصف القرن العشرين لم تتمكن أية دولة عربية من بناء صناعة حربية وطنية قطرية والمحافظة عليها. لقد حاولت مصر كل ما في وسعها فعل ذلك لكنها فشلت في النهاية لأنها كانت تفتقر إلى رأس المال المالي والبشري اللازم.

وتحت قيادة صدام حسين اقترب العراق كثيرا من تحقيق الهدف بفضل مهارة شعبه وثروته النفطية، لكن أعاقه الفساد وسوء الإدارة والحروب. وفي الوقت نفسه أنفقت الدول الخليجية أموالا طائلة على أحدث الأسلحة الأميركية والأوروبية لكنها كثيرا ما تفتقر إلى الخبرة في استعمالها وإصلاحها. ومن ثم ظهر مثل يقول: “العرب لا يقومون بأعمال الصيانة".

المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتّحدة يمكن أخيرا أن تضعا حدا لهذه السلسلة من الإخفاقات العربية. فخلال العشرية الماضية طوّر البلدان بصمت قدراتهما الصناعية في المجال العسكري، واليوم يمكنهما تصنيع وتحديث المركبات العسكرية والأنظمة الاتصالية والطائرات دون طيار وغيرها. وزيادة على ذلك، حسّن هذان البلدان بدرجة ملحوظة قدرتهما على صيانة الطائرات وإصلاحها وإعادة تهيئتها. وبمساعدة أميركية درّبتا جيشهما على تشغيل بعض أنظمة الأسلحة الأكثر تطورا في العالم، بما في ذلك صواريخ الهوك أرض- جو.

ومن المؤكد أن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة ليستا بالمرة قريبتين من الاكتفاء الذاتي (فحتى حلفاء أميركا من الدول الأكثر تقدّما تبقى معتمدة على الولايات المتحدة في ميدان التكنولوجيا والمعرفة العسكرية). وبالفعل لم تكتمل مجهوداتهما الصناعية في المجال العسكري بعد وما زالت تتضمن نقاط ضعف واضحة.
بلال صعب: من شأن تحركات أحادية جريئة من السعودية أن تتحدى القوة الأميركية

بيد أن كلا البلدين استفاد من الشراكات الاستراتيجية مع أكبر شركات الصناعة العسكرية على ضفتي الأطلسي من أجل التعلم من الأفضل.

لقد قامت الرياض وأبوظبي بذلك أساسا من خلال ما يسمى بعقود “أوفسيت” التي تجبر المزوّدين الأجانب على الاستثمار في المشاريع الصناعية المحلية حتى يتسنى للبلد المتزود تجنب التكاليف الباهظة للتزود العسكري. ومكّنت هذه البرامج البلدين من ربط قطاعات الدفاع الوطنية بالمنتجين العاملين في المجال واكتساب معرفة وتكنولوجيا متطورتين. وفي الوقت نفسه جعلت ثورة تكنولوجيا المعرفة سوق السلع العسكرية العالمي متاحا أكثر من قبل للاعبين الصغار مما سمح للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتّحدة بإدارة العراقيل التكنولوجية الكبرى وحتى تجاوزها في بعض الحالات.

يعكس سعي كل من الرياض وأبوظبي إلى التصنيع العسكري رغبتهما في التقليص من التبعية السياسية للولايات المتحدة. وذلك أمر مفهوم تماما إذ لا تريد أيّة دولة أن تكون معتمدة بالكامل على أخرى لحماية نفسها ومصالحها، بيد أن الأحادية في اتخاذ القرار من جهة شركاء واشنطن وحلفائها يمكن في بعض الأحيان أن يضر بالمصالح الأمنية الأميركية. وكمثال على ذلك يمكن أن نذكر الأعمال العسكرية الأحادية التي قامت بها إسرائيل في لبنان وسوريا والأراضي الفلسطينية.

فكثيرا ما فضّلت الولايات المتحدة ودعت إلى الحلول الإقليمية لعدّة مشاكل أمنية في المنطقة، وستشعر بالارتياح إذا تمكّنت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة من استخدام مواردهما الجديدة للإسهام في تجنب الأزمات في المستقبل.لكن إذا قرر السعوديون أو الاماراتيون التحرك باستقلالية في حال حدوث أزمة إقليمية جديدة، من نوع حرب الخليج في 1990 – 1991، فسيتقلص النفوذ الأميركي في المنطقة.

ونظرا إلى حجم المملكة العربية السعودية ودورها القيادي في الخليج، تستحق خيبة أملها في السياسة الأميركية في الشرق الأوسط المزيد من التعمق.

وفي حال فشل العلاقات بين الرياض وواشنطن في التحسن فإن من شأن تحركات أحادية جريئة من قبل المملكة – تشجعها تطور القدرات الأمنية والعسكرية الوطنية – أن تتحدى بناء القوة الإقليمية الأميركية وتهدّد علاقات واشنطن الأخرى في الخليج.

أما الإمارات فهي فلها جانب آخر، فالقوات العسكرية الإماراتية أكثر براعة من الناحية التقنية وأكثر جاهزية للمعارك. لكن المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة استثمرتا في التصنيع العسكري من أجل تحديث مجتمعيهما وتنويع اقتصاديهما.

وفي آخر المطاف سيتواصل ارتباط نسق ومدى نجاعة المجهودات الإماراتية والسعودية في المجال العسكري بالتغيرات المجتمعية الأشمل. ولمزيد التعمق في الموضوع نقول إن الرياض وأبوظبي تحتاجان إلى المزيد من مأسسة مساريهما الصناعيين في المجال العسكري، وصياغة سياسات إنتاج أوضح، وتنصيب مديرين حكوميين أكثر كفاءة، والقيام باستثمارات أكبر في التعليم والبحوث. وربما يلزم ما بين 5 و 15 سنة قبل أن يصبح أحد البلدين قادرا على تصدير المنتجات العسكرية بشكل مستدام والتعويل على قوته البشرية وقدراته في تصنيع السلاح للاستجابة للحاجات الأمنية الوطنية. وليس إلا مسألة وقت حتى يكتسب السعوديون والإماراتيون صناعات عسكرية أكثر تقدما، ومن ثم الاستقلالية المنشودة.

* محلّل مختص بالشؤون الأمنية لمنطقة الشرق الأوسط في مركز "برينت سكوكروفت" للأمن الدولي التابع للمجلس الأطلسي

7