تطوّر عدسات الكاميرا يغيّر نظرة الإنسان إلى العالم

التصوير الفوتوغرافي ظهر في بداياته كاختراع معقد لكنه بات اليوم ومع التطور الضخم في إمكانات الكاميرا اختراقا مثيرا لخصوصية الجميع.
الاثنين 2020/01/13
الصورة تخلد ذكرى الأوقات الممتعة

بدأ انتشار الكاميرا المثبتة على الطائرات المسيرة مؤخرا يثير فضول الملايين من الأشخاص، ويؤكد أن هناك تطورات جديدة ومتسارعة يمكن أن تبدل حياة البشر. وانعكست المسألة على حجم التغير الذي صنعته كاميرات التصوير الفوتوغرافي على مدار المئة العام الماضية لاسيما في ما يتعلق باندثار البعض من الوظائف والمجالات، وولادة أنماط اجتماعية وسياسية جديدة تصعب ملاحقتها ويبدو فهمها في أحيان كثيرة أمرا بالغ التعقيد.

لم يكن يتخيل العالم العربي ابن الهيثم أن نظريته الرائدة في اكتشاف التصوير بعد ما يقرب من ألف عام ستكون انقلابا مثيرا في حياة البشر وكل مناحي الحياة. ولم يتوقع المخترع الفرنسي جوزيف نسيفور نيبس أن آلة تصويره البدائية، ذات الزر الواحد التي اخترعها عام 1816، مهدت الطريق أمام تطور مرعب في مجال التصوير الفوتوغرافي.

وجعلت الكاميرا المتطورة ذات الجودة الفائقة حياة البشر أشبه بفيلم بطله شخص واحد يتم تسجيله وبثه على الإنترنت لإثارة إعجاب الأصدقاء أو الجمهور.

وظهر التصوير الفوتوغرافي في بداياته كاختراع معقد يستخدم بتأنّ ومن قبل محترفين لتخليد الذكريات الهامة واللحظات التاريخية ثم تطور ليحافظ على ملامح الأجيال القديمة ويبقي ذكراهم حية بين الأحفاد.

ولم تترك التكنولوجيا تلك الصناعة الواعدة بملامحها الأولى. وتطورت الكاميرات بسرعة ملفتة من كاميرات تعمل بأفلام بها 16 صورة إلى أخرى تعمل بعدسات تصور عن بعد 100 متر إلى كاميرات بمساحات شاسعة تسجل رقميا أي حدث، وتستطيع من خلالها التقاط المئات من الصور دون القلق من إمكانية محوها بسهولة.

وأحدث التطور تغييرات جذرية في الصناعات والأفكار وحتى التقاليد. فكان ظهور الكاميرا الطائرة منذ نحو عقد من الزمان إعلانا بمرحلة جديدة من عالم التصوير.

وبدت المسألة مرتبطة بأغراض عسكرية، كالتجسس والمراقبة وتأمين الحدود، لكن سرعان ما انتقلت “درون كاميرا” إلى التصوير السينمائي وتوفرت في متناول كل شخص يمكنه شراؤها من المتجر، ليصبح بإمكان الجميع التصوير بزوايا مثيرة غير مسبوقة وإنتاج صور ومقاطع أشبه بأفلام السينما.

وتقول سوزان أربرت، وهي واحدة من رائدي علم التصوير وأستاذة فنون الكاميرا بجامعة ميريلاند تك، إن “إعطاء كل إنسان كاميرا يشبه تكليف كل إنسان بحمل السلاح، يمكنه أن يكون مفيدا في بعض الأحيان، مثل أن نرى تطورا جميلا في التصوير السينمائي أو تسجيل اللقطات الهامة في حياتنا، لكنه يؤثر أيضا على قيمة التصوير كفن له حساباته وقواعده”.

وتسببت التكنولوجيا في العشرين عاما الماضية في ثلاثة تراجعات محورية متعلقة بفن الكاميرا، تسميها أربرت بـ”الثلاث متدهورات”. أولها أن التكنولوجيا أفقدت قيمة الصورة بعدما اشتركت الأجهزة الذكية مع منصات التواصل الاجتماعي في تنمية الرغبة السيكولوجية في الظهور، حيث ساهمت كاميرات الأجهزة المحمولة بكل سهولة في التقاط الصور عالية الجودة، وظهرت كاميرا “السيلفي” للمرة الأولى لتزيد من الرغبة في التصوير الذاتي، ثم سمحت مساحات الذاكرة الكبيرة في التقاط عدد كبير من الصور بشكل مفرط وغير منطقي.

ورفعت مواقع التواصل شراهة التصوير الشخصي، بعد أن وفرت أدوات كالمدونة والصفحة والقناة والميكروفون يستطيع كل فرد من خلالها عرض صوره ومشاركة حياته الشخصية مع الأصدقاء الافتراضيين.

فقدان قيمة الحدث

تكنولوجيا متطورة باستمرار تؤثر في سلوك البشر
تكنولوجيا متطورة باستمرار تؤثر في سلوك البشر

انتشار استخدام الكاميرا بسهولة أدخل خصائص لتحسين تفاصيل الصورة إضافة إلى التقاط صور عديدة لمشهد معين أو حدث بشكل تلقائي.

كل ذلك محى قيمة الحدث المصوّر، وحوّل الصورة العصرية، التي مثلت ثورة في القرن التاسع عشر، إلى مجرد لعبة أو ترفيه ساذج، الكل لديه الحق في التقاط  صور لأي شيء ومن ثم محوها، فلا إدراك للقيمة الحقيقية للصورة.

أما التدهور الثاني فقد اقترن بتراجع مجال التصوير نفسه، ففي قلب التطور وانخفاض قيمة الصورة، بدت مهنة التصوير غير مجدية، ولو كان العالم في حاجة إلى مصورين محترفين.

وتشير بعض الإحصاءات إلى أن عدد المقبلين على دراسة فن التصوير انخفض بنسبة 35 بالمئة بين عامي 2010 و2017 ما يعكس حدّة التدهور الذي صاحب دراسة فن الصورة، فلا حاجة لتعليم أكاديمي إذا أصبح الجميع يعتبر التصوير هواية سهلة الممارسة أو مهنة من لا مهنة له.

وبقي التدهور الثالث مصاحبا لصناعة الكاميرا نفسها، فبطبيعة الحال مع تراجع قيمة الصورة وأهمية دراسة التصوير وانتشار الهواتف المجهزة بعدسات تصوير تراجع عدد مصنعي آلات التصوير، ولم يعد الكثير من الأشخاص يبحثون عن شراء كاميرات محترفة ولا عدسات متعددة اللقطات.

وأعلنت شركات كبرى إغلاق أبوابها في العقد الأخير، بينما كشفت شركتا “نيكون” و”كانون” عن تراجع إنتاجهما بنسبة 84 بالمئة بين عامي 2010 و2018.

وترفض بعض الشركات اعتبار التكنولوجيا نقمة على صناعة التصوير، لأنه مثلما عصف التطور التقني بشركات قديمة عجزت عن مواكبة المستقبل ظهرت العشرات من الشركات الجديدة التي استغلت شراهة التنافس على التصوير على مواقع التواصل وقدمت خاصيات وميزات مثيرة جذبت الملايين من الناس.

نقلة نوعية

التطور التكنولوجي الرقمي

كان من بين هؤلاء شركة “غو برو” الأميركية التي ظهرت عام 2002، وأصبح ظهورها نقلة في صناعة التصوير. وبدأت الشركة وقتها بتقديم أدوات تساعد في تصوير مشاهد الحركة في الأفلام، لكنها سرعان ما واكبت التكنولوجيا وتوسعت في إنتاج كاميرات وبرامج حديثة للجمهور لتصوير اللقطات الطبيعية الخلابة بعدسة واسعة والاستخدام في رياضات عديدة كالجري والسباحة والغوص بجودة غير مسبوقة، لتصبح الكاميرا الأكثر مبيعا في العالم.

وفتحت التكنولوجيا أيضا الباب أمام الكاميرات الطائرة. وحققت تلك العدسات نقلة في عالم التخابر والتصوير السينمائي وكذلك الصحافة والإعلام من خلال توفيرها إمكانية النقل الحصري للأحداث والفاعليات الكبيرة.

ورغم الثناء الذي صاحب التطوّر الضخم في إمكانات الكاميرا، مثلت في نفس الوقت اختراقا مثيرا لخصوصية الجميع بداية من انتهاك الحلقة الضيقة للأشخاص بسهولة مرورا بالتجسس لصالح أفراد وشركات ودول وتهديد الأمن القومي لبلد آخر.

وهو ما دفع البعض لوضع الكاميرات الطائرة في مرتبة الأسلحة عالية الخطورة، ومنع آخرين من استيراد تلك الكاميرات ومعاقبة من يمتلك “درون كاميرا” بالسجن لمدة تصل إلى عشرين عاما في البعض من الدول.

وأضحى تطور الكاميرا مسألة لها تبعات عنيفة على الحالة النفسية والاجتماعية للأفراد مع الاضطرابات في الشخصية التي تسبب فيها.

ويرى بعض علماء النفس أن هناك ضررين مباشرين نتيجة تحول التصوير إلى أداة اعتيادية للناس؛ الأول يقترن بتمجيد الذات أو ما يسمى بالشخصية النرجسية، فقد أضفت الصور شعورا مضللا بالمتعة والرغبة المستمرة دون أسباب في التصوير الشخصي ونشره على شبكة الإنترنت.

وتسببت الكاميرات في الهواتف الذكية في تحوّل التصوير إلى سلوك أشبه بالإدمان. وقدم هذا الشعور رغبة ملحة في تصوير أي شيء وكل شيء إلى درجة تسببت في غياب المعايير الأخلاقية وغياب التجاوب الإنساني الاجتماعي مع الأحداث المحيطة.

ولعل أبرز الأمثلة أن البشر باتوا يفضلون تصوير حادث حريق أو عنف أو غرق وبثه حيّا بدلا من تقديم العون أو التدخل لنجدة الضحايا أو تقديم المساعدة التي يحتاجها رجال الإنقاذ.

وأجرت جامعة بنسلفانيا بالولايات المتحدة بحثا حول التأثيرات النفسية للتصوير، وتبين أن 70 بالمئة من المشاركين يفكرون في تصوير الأحداث غير المعتادة كأول رد فعل تجاه الحدث.

ويرى علماء النفس أن إقبال الناس على تصوير الأحداث المهمة أدى إلى اعتقاد زائف بأنهم يقومون بعمل إيجابي. فقد يعتقد المصور أنه صحافي يغطي الحدث أو مؤرخ، وهو ما تسبب في إفراغ الشيء من مضمونه وألغى بعض المعايير الأخلاقية المعتادة كالحفاظ على الخصوصية وعدم إفشاء السرية أو هوية الشخص أو مراعاة المعايير الإنسانية للحوادث المروعة كحادثة دهس أو قتل أو شجار عنيف.

عدد مصنعي آلات التصوير تراجع مع انتشار الهواتف المجهزة بكاميرات حيث أغلقت شركات كبرى أبوابها بينما تراجع إنتاج شركتي «نيكون» و«كانون» بنسبة 84 بالمئة بين عامي 2010 و2018

ويعد انتشار التصوير أحد الأسباب الأساسية لتفشي الشائعات والأخبار المغلوطة أيضا، وهي مسألة تؤرق العالم في غياب التوصل إلى حلّ فعلي. فالبرامج المتطورة لتعديل الصور وتحسينها أعطت قدرات خارقة لخلق أحداث ووقائع كاملة لم تحدث من الأساس.

وأعطى سهولة تصوير أي شيء وتوفر الكاميرات بمختلف أنواعها في يد الجميع المزيد من المصداقية والقدرة على تزييف الحقائق بسهولة، لأن المتابع على مواقع التواصل يعلم أن بإمكان أي شخص مرّ بالصدفة بجانب حادث معين أن يصوره ويبثه.

وتسبب التصوير وتطوراته في عواقب اجتماعية ونفسية أبرزها تفشي الرغبة في جذب الانتباه بشكل مرضي في أحيان كثيرة. إذ قدمت الكاميرات زخما مبهرا نحو الرغبة في نيل مشاهدات وإعجاب رواد الإنترنت.

وكانت البداية مع رغبة الأفراد في تصوير أنفسهم في وضعيات وأماكن غير اعتيادية لجذب الانتباه، ومع زيادة حدة التنافس على الإبهار بات البعض يحاول اجتذاب أعين الناس بتصوير مشاهد يمرون بها.

ويقول علماء الاجتماع إن أكبر أزمات الرغبة في لفت الانتباه هو التخلي على الخاصيات الإنسانية فقط ليشبع الشخص غروره بنيل إعجاب الآخرين إلى درجة تصل إلى الهيستيريا، فيقوم في البعض من الحالات بجرائم فقط لانتزاع انتباه الآخرين.

وقد يصبح المستقبل غامضا مع الوتيرة المرتفعة لتطور العدسات، فقد بات التنافس الأساسي بين شركات صناعة الهواتف الذكية قائما على تطوير الكاميرا المصاحبة.

12