تعاطي حبوب منع الحمل يؤدي إلى ظهور سمات ذكورية

اختلال الهرمونات يجعل أدمغة النساء أكثر شبها بالرجال، وتعاطي حبوب المنع يرافقها ظهور أعراض ذكورية.
الاثنين 2018/09/10
حبوب منع الحمل تحتوي على نسخ مخلقة من الإيستروجين والبروجيستيرون

تندهش الكثير من النساء عند ملاحظة إصابتهن ببعض السمات الذكورية، التي يظهر بعضها على الجسم ويطال بعضها الآخر الشخصية وطريقة التفكير والانفعال. وتترافق هذه الأعراض بتعاطي حبوب منع الحمل التي يشاع أنها تحتوي على نسب مهمة من الهرمونات الأنثوية والحقيقة أن مكوناتها مستخلصة من الهرمونات الذكورية، بالأساس

لندن – في السنوات الأخيرة، اكتشف العلماء أن تعاطي حبوب منع الحمل أحدث تغييرات على أدمغة النساء وجعلها أكثر شبها بأدمغة الرجال، فانصب تركيز الباحثين على تحديد العناصر الأساسية المتسببة في ذلك ولسان حالهم يقول “كيف لهرمونات أنثوية أن تغلب الخصائص الذكورية لمن يتعاطاها؟”.

نشرت هيئة الإذاعة البريطانية بي بي سي دراسة تبحث في ملابسات تسبب حبوب الحمل في “ذكورية” النساء.

وجاء بالتقرير المنشور أنه على عكس ما يقال لا تحتوي حبوب منع الحمل على هرموني الإيستروجين والبروجيستيرون، لأن هذين الهرمونين سرعان ما يتحللان بمجرد تعاطيهما عن طريق الفم فلا يصبح لهما أثر، ومن ثم تحوي الحبوب نسخا مخلَّقة من هرمونات أكثر ثباتا جرى تعديلها لتشبه هذين الهرمونين.

ولا تخلو حبة مركبة من الحبوب المتوافرة في السوق من الإيستروجين المخلق، على هيئة إثينيل الإيستراديول، إلى جانب أحد ثمانية أنواع من البروجيستيرون المخلق المعروف بالبروجيستين.

ويحول إثينيل الإيستراديول دون التبويض الشهري، بينما يكثف البروجيستين المادة المخاطية المفرزة عند عنق الرحم ليتضافر في جعل بيئة الرحم رافضة للبويضة. وحتى إن نجت بويضة وخُصِّبت، فلن تستقر وتبدأ النمو.

ورغم ذلك، نفس الهرمونات القادرة على منع الحمل لا تضاهي هرموناتنا الطبيعية، كونها مخلقة بالأساس، والنتيجة أن تلك النسخ الصناعية لها آثار لا يحدثها أبدا البروجيستيرون الطبيعي.

ورصد التقرير عينات لعدد من النساء اللاتي لاحظن ظهور أعراض ذكورية بعد تعاطي حبوب الحمل. فتقول إحدى النساء إن الحبة أنبتت لها شعرا على وجنتيها، وتقول أخرى إن وجهها “فسد تماما” بعد أن غيرت نوع الحبة التي كانت تأخذها. والحقيقة أن دراسات عدة خلصت إلى وجود آثار “ذكورية” للحبوب، وبعضها أسوأ ضررا لدى بعض النساء.

فقد وجدت دراسة أجريت عام 2012 أن 83 في المئة من الأميركيات اللاتي يتناولن تلك الحبوب يأخذن نوعا يحوي البروجيستين المخلق من هرمونات ذكورية، وهو النوع الداخل في علامات تجارية معروفة منها أورثو ترايسايكلين، ولوإيسترين إف إي 1/20، وترايسبرينتك، على سبيل المثال لا الحصر. والهرمون الذكري الذي تستخدمه تلك الحبوب يقارب التستوستيرون، ويسمى الناندرولون، وهو من الهرمونات الذكرية القوية التي تلعب دورا رئيسيا في نمو الجهاز التناسلي لدى الرجل وقد يؤدي أيضا لظهور السمات الذكورية.

وتقول بليندا بليتسر عالمة الأعصاب بجامعة سالزبورغ بالنمسا، إن هذا الهرمون “يستخدم أحيانا في المنشطات التي يتناولها الرياضيون” إذ يساعد على بناء العضلات، ويشيع بين الرباعين والملاكمين.

تلك الآثار الجانبية معروفة منذ العشرات من السنين، فأول بروجيستين مخلق تحت اسم النوريثيندرون كان له أثر ذكوري بشكل واضح.

وفي فترة الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي، كانت النساء الحوامل يتناولن النوريثيندرون أحيانا بجرعات ضخمة لتثبيت الحمل، ولكنه إلى جانب ذلك أحدث تغيرات مقلقة لأجسادهن، كزيادة العرق ونمو الشعر بكثافة والبثور، وبعضهن لاحظن أن أصواتهن أصبحت غليظة.

وهناك واحدة تقريبا من كل خمس طفلات ولدن لأمهات تعاطين النوريثيندرون ظهرت على أعضائهن التناسلية علامات ذكورية، مما تطلب أحيانا تدخلا جراحيا.

حبوب الحمل تشكل خطرا متزايدا على صحة المرأة
حبوب الحمل تشكل خطرا متزايدا على صحة المرأة

واليوم تستخدم أنواع من البروجستين أخف كثيرا وبجرعات أقل في الحبوب، ويضاف إليها الإيستروجين المخلق لتحييد الكثير من الآثار الذكورية على أجساد النساء.

لكن الأمر لا يخلو من آثار جانبية. وتقول ريجين سيترك-وير خبيرة الغدد التناسلية الصماء بالمعهد السكاني بنيويورك، إن “تلك البروجيستينات، رغم تقليل جرعتها عبر السنين، مازالت قريبة من التركيب الكيميائي للتستوستيرون”.

وعلى مدار السنين طور العلماء أجيالا متلاحقة من البروجيستينات، وبينما الأنواع الأقدم كلها تقريبا ذكورية، ابتكر العلماء أنواعا حديثة تعتمد بدلا من ذلك على البروجيستيرون المصطنع.

وتعد هذه المادة مضادة الأثر للذكورة، ويصفها الأطباء لعلاج حب الشباب ونمو الشعر المفرط نظرا لآثارها “الأنثوية”، (ومع ذلك لها هي أيضا آثار جانبية لاختلال الهرمونات)؛ ومن أنواعها عقار اليازمين والأوسيلا.

وعموما فإن الأنواع الأقدم والأرخص من حبوب منع الحمل تحتوي على هرمونات ذكورية، بينما الأنواع الأحدث تحتوي على الهرمونات المضادة للذكورة، ولكنها أغلى ثمنا، ولذا وربما

لهذا السبب، فإن نسبة النساء اللاتي يتناولن حبوب الهرمونات المضادة للذكورة لا تتعدى 17 في المئة، ممن يتناولن الحبوب المركبة في الولايات المتحدة.

وينتشر بجميع أنحاء الجسد ما يعرف بمستقبِلات الأندروجين الذكوري، خاصة بالغدد العرقية وبصيلات الشعر، ولذا قد تجعل البروجيستينات الذكورية بعض النساء تعرق أكثر وينمو لديهن شعر أكثر ويصبن ببثور، ناهيك عن أن تلك المنشطات القوية ذات الآثار الذكورية تترك بصمتها على الدماغ أيضا.

وبما نعرفه من آثار تلك الهرمونات، من الغريب أنه حتى وقت قريب لم يعر أحد التفاتا لتأثيرات البروجيستينات المخلقة من هرمونات ذكرية.

وتقول بليتسر “جرت أبحاث كثيرة على التأثيرات البدنية لتلك الهرمونات، كذلك جرت أبحاث على آثارها الانفعالية والتي تتأثر بها المرأة كثيرا، ولكن من النادر وجود دراسات حول آثارها المحتملة على المخ والإدراك”.

وأضافت “نحن ندرك أن المنشطات التي تفرزها أجسامنا طبيعيا، كالبروجيستيرون والتستوستيرون، تؤثر في الدماغ، ومن ثم من الطبيعي أن تؤثر الهرمونات المصطنعة أيضا على المخ”.

واختبرت الباحثة آثار حبوب منع الحمل على دماغ المرأة، مستعينة بمجموعة من الرجال والنساء عبر تصوير الدماغ.

وكانت النتيجة مفاجئة، فقد أظهرت تلك الأشعة تضخم أجزاء عدة بأدمغة متعاطيات الحبوب، مقارنة بغيرهن، وهي نفس الأجزاء الأضخم في الرجال عن النساء.

وشملت الدراسة عددا محدودا نسبيا، ولم تميز بين الحبوب المصنعة من هرمونات ذكورية وبين الحبوب المضادة للذكورة.

وأشارت بحوث أخرى إلى تغيرات سلوكية محتملة جراء تناول الهرمونات على اختلافها.

كما اتضح أن النساء اللائي يتعاطين حبوب البروجيستينات الذكورية أقل طلاقة لفظية (بمعنى القدرة على استحضار كلمات جديدة)، وأكثر قدرة على لف الأشياء، بينما الرجال عموما أقل طلاقة وأكثر قدرة على التعامل اليدوي.

كما توصلت دراسات أخرى إلى أن النساء اللاتي يتعاطين حبوب منع الحمل يسترجعن المواقف العاطفية أشبه بالرجال بالتركيز على الفحوى أكثر من التفاصيل، وأنهن، مثل الرجال، أقل قدرة على التقاط مشاعر الآخرين، وأقل إدراكا لمشاعر الغضب والحزن والاشمئزاز، وكأن حبوبا جعلت أدمغتهن “أشبه بالرجال”.

وربما جاء الدليل الأوضح في دراسة نشرت نتائجها عام 2015 وفيها قارنت بليتسر أدمغة النساء المتعاطيات لنوعين من الحبوب بغير المتعاطيات، ووجدت أن عدة أجزاء من الدماغ كانت أكبر في النساء اللاتي تعاطين الحبوب الأحدث المحتوية على البروجيستينات المضادة للذكورة.

وما يزيد الأمور تعقيدا أن كافة الحبوب المركبة تحتوي على الإيستروجين المخلق، ذي الأثر الأنثوي، أي أن نفس المرأة قد تختبر آثارا “أنثوية” و”ذكورية” على المخ في ذات الوقت.

وبذلك، صار تعاطي حبوب الحمل يشكل خطرا متزايدا على صحة المرأة. فقد قام باحثون من جامعة ميشيغان بتحليل مدى تأثير وسائل منع الحمل الفموية على مستويات الهرمونات لدى النساء واكتشفوا أن حبوب الحمل قد ترفع خطر الإصابة بسرطان الثدي.

كما أن حبة واحدة من حبوب منع الحمل تؤدي إلى التعرض إلى (إيثنيل أستراديول)، وهو هرمون إستروجين اصطناعي يرتبط ارتباطا وثيقا بسرطان الثدي بنسبة 40 بالمئة.

17