تعاطي واشنطن مع النووي الإيراني يعمق شكوك حلفائها

الاثنين 2015/03/09
الفرنسيون لا يبدون ارتياحا تجاه التفاوض الثنائي الجاري بين واشنطن وطهران

باريس - التسرّع الذي تتّسم به الخطوات الأميركية في ما يتعلق بالمفاوضات الجارية حول النووي الإيراني، والذي يكشف في بعد من أبعاده فرضية عقد واشنطن صفقة مع طهران تتنازل بموجبها الأخيرة عن جوانب فنية في مشروعها مقابل رفع العقوبات عنها، يثير قلقا لدى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، كما يثير شكوك شركائها الأوروبيين الذين يطالبون بضمانات أكثر، من أجل أن يطمئنوا إلى أنها لا تسعى لإرضاء إيران بإطلاق يدها لتنفيذ مشروعها التوسعي في الشرق الأوسط، مقابل مشاركتها في قتال داعش على الارض.

قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، على إثر لقائه بنظيره الأميركي جون كيري، السبت في باريس، لتبادل وجهات النظر بخصوص المفاوضات حول الملف النووي الإيراني المثير للجدل: نحن بحاجة إلى اتفاق راسخ، ليس بالنسبة لنا فقط، وإنّما بالنسبة للمنطقة بأكملها ولأمنها عموما.

وأضاف فابيوس للصحافيين، في ختام اللقاء الثنائي الذي استغرق حوالي عشرين دقيقة، “إنّها مفاوضات متعددة الأطراف، ونحن نسعى إلى أن تكون مواقفنا معروفة وأن يتمّ توضيحها مع تقدّم المفاوضات”، مشيرا إلى أنّ “التقدم الحاصل في المفاوضات لا يخفي وجود الكثير من النقاط الخلافية”.

وفي حين أشارت بعض المصادر المطلعة على سير المفاوضات إلى وجود مفاهيم مختلفة بين باريس وواشنطن، أعاد فابيوس التأكيد على أنّ فرنسا تأمل في التوصل إلى “اتفاق راسخ لكن مازال هنالك خلافات”، ولم يوضح إن كانت الخلافات مع الولايات المتحدة أم أنّه يقصد الجانب الإيراني.

ينظر حلفاء واشنطن في المنطقة إلى تقارب واشنطن مع طهران بقدر عال من الجدية وبريبة كبيرة خاصة أنّ الطرف الإيراني لا يخفي نواياه التوسعية


تسرع أميركي غير مبرر


يرى مراقبون أنّ التفاوض الثنائي الجاري بين واشنطن وطهران حول الملف النووي، يثير القلق لدى الجانب الفرنسي الذي يخشى أن تتنازل الولايات المتحدة الأميركية عن مطالب الدول الأوروبية من إيران في ما يتعلق بمشروعها النووي، كما أنّ عدد أجهزة الطّرد المركزي الّذي يوافق الجانب الأميركي على احتفاظ إيران به هو عدد غير مقبول، والبحث والتطوير في ما يخص النووي الإيراني لم يؤخذا أيضا بعين الاعتبار. وهناك اتّجاه، إذا لم تحل هذه المشاكل، إلى أن تمتنع باريس عن التوقيع على أيّ اتّفاق مع طهران بهذا الخصوص.

وفي حين قال كيرى “إنّه ينبغي على إيران أن تظهر للعالم أن برنامجها النووي سلمي”، مشيرا إلى أنّ الجميع في مجموعة الدول الست (الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن زائد ألمانيا) ملتزمون بألاّ تحصل إيران على السلاح النووي، وأنّ الاتفاق الشامل يجب أن يتضمّن إمكان التّحقق لمنع إيران من الحصول على المواد اللازمة لإنتاج القنبلة الذرية”. وعقّب متابعون على فحوى هذا الخطاب بالقول “إنه لا يعدو أن يكون سوى محاولة أميركية لطمأنة الحلفاء الفرنسيّين، ومن ورائهم الأوروبيين، بخصوص حسن نوايا واشنطن، في وقت تبدو فيه الإدارة الأميركية قلقة جدا من الموقف الفرنسي الذي تعتبره مُتشدّدا من الصفقة مع إيران”.

وأضاف كيري “لدينا التحليل ذاته الذي لدى فرنسا، أي أننا نحرز تقدما، لكن تبقى هناك خلافات، وهدف الأيام المقبلة والأسابيع الحرجة المقبلة، هو تبديد هذه الخلافات. ونحن لسنا مضطرين أن نصل إلى أي اتفاق، بل نحن نبحث عن اتفاق صحيح، والأمر عائد إلى إيران في هذه المسألة”.

وفي شأن “التقدم الذي ينبغي إحرازه”، تحدّثت باريس خصوصا عن عدد أجهزة الطرد المركزي التي يمكن لإيران أن تحتفظ بها، إضافة إلى الوقت الذي تحتاج إليه طهران لصنع قنبلة والرقابة التي ستمارسها الوكالة الدولية للطاقة الذرية مستقبلا على مخزون الوقود النووي الإيراني.

لوران فابيوس: التقدم الحاصل في المفاوضات لا يخفي وجود الكثير من النقاط الخلافية

ورسميا، تؤكد باريس “ألاّ خلافات بينها وبين الولايات المتحدة، لا في المجموعة الدولية المكلفة بالتفاوض مع طهران ولا في وتيرة المباحثات أو مضمونها”، غير أنّ مصدرا قريبا من المفاوضات، طلب عدم كشف هويته، اعتبر أنّ هناك “خلافا بين فرنسا والولايات المتحدة، التي تدفع أحيانا باتجاه الإسراع في إبرام اتفاق مع طهران، يبدو غامض الدوافع والأسباب ليس لدى الفرنسيين فحسب، ولكن كذلك لدى حلفاء واشنطن الخليجيين والعرب، خاصة المملكة العربية السعودية، التي تخشى، وفق ما صرّح به ديبلوماسي خليجي، “أن يمنح أوباما الإيرانيين اتفاقا مهما كان الثمن، لأنه مهم لإرثه السياســـي وأن تحصل إيران على وضع إقليمي معين مقابل الاتفاق”.

وأضاف المصدر أنه في نهاية المطاف ربما سيكون هناك “قرار سياسي” من الجانب الأميركي، لكنه “لن يكون اتفاقا مقبولا إذا كان أقل ممّا تريده فرنسا”.

وعلى الرغم من محاولات إدراة أوباما المتكررة طمأنة السعوديين ومن ورائهم بقية دول الخليج حول الانفتاح على إيران، لا يخفي المسؤولون السـعوديون قلقهم من سعي الأميركيين إلى إمضاء اتفاق مع إيران، دون مراعاة مصالح حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. وقد عبروا مرارا عن قلقهم إزاء هذه السياسات الأميركية تجاه إيران التي أثارت لديهم شكوكا مفادها أنّ واشنطن أضحت تفكر في مصالحها قبل أن تولي اهتماما بمصالح أصدقائها.


صفقة خفية


لا شكّ أن الاتفاق النووي بين إيران والولايات المتحدة من شأنه أن يغير موازين القوى في الشرق الأوسط، وأنّه سيرفق بتداعيات سلبية على أمن المنطقة، في ظلّ حديث عدد من المتابعين عن وجود “صفقة خفية” بين واشنطن وطهران يتمّ بمقتضاها رفع العقوبات عن الأخيرة مقابل التزامها بمحاربة تنظيم “الدولة الإسلامية” الذي يسيطر على قطاع واسع من العراق وسوريا، على الأرض، من منطلق أنّ واشنطن لا تحبّذ إرسال قوات برية للقضاء على التنظيم المتشدد، لكنها ترى في إيران، التي انخرطت مع القوات العراقية والكردية في الحرب، قادرة على القيام بالمهمة.

التطمينات التي يحاول أن يطلقها الأميركيون لم تعد تقنع الخليجيين، كما أصبحت تثير الشكوك لدى الأوروبيين

وينظر حلفاء واشنطن في المنطقة إلى هذه الفرضية بقدر عال من الجدية، وبريبة كبيرة، جراء المخاوف المتعلّقة بها، خاصة أنّ الطرف الإيراني الذي لا يخفي نواياه التوسعية، بدأ يستغل هذا الموقف لصالحه، فظهور الجنرال الإيراني قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، وعدد من القادة العسكريين الإيرانيين، وبشكل علني في العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش العراقي ضدّ “داعش”، يعكس رغبة إيران في إيصال رسالة مفادها أنها تتقدم وتتوسع على الأرض بغض النظر عن الاتفاق النووي مع القوى الغربيّة، ويشير إلى سعي إيران للتأكيد على أنها ستظل قوة صاعدة عازمة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط كله وفقا لرؤيتها.

وكان سليماني قد قال لوسائل إعلام إيرانية، قبل أيام، “اليوم نحن نرى دلائل تصدير الثورة الإسلامية عبر المنطقة، من البحرين إلى العراق ومن سوريا إلى اليمن وشمال أفريقيا”.

وأشارت صحيفة “تليغراف” البريطانية، في هذا الصدد، إلى أنّ ما يقلق دول المنطقة، خاصة البلدان الخليجية وعلى رأسها السعودية، أن يفضي إبرام اتفاق نووي بين إيران والولايات المتحدة إلى تغيير جذريّ في ميزان القوى بالشرق الأوسط، إذا ما صدقت فرضية قبول واشنطن بالهيمنة والتمدد الإيراني في المنطقة على حساب حلفائها.

وتحدثت الصحيفة عن أن زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الكونغرس الأميركي وتحذيره من التوصل إلى تسوية نووية مع إيران يعكس الخوف من هذا السيناريو في ظلّ توسع إيران في المنطقة، مشيرة إلى أنّ المدّ الشيعي الإيراني وصل إلى لبنان عبر “حزب الله” وفي سوريا على يد الآلاف من الحرس الثوري الإيراني ومقاتلي “حزب الله”، وفي العراق عبر إشراف “سليماني” على العمليات العسكرية وقوات الحشد الشعبي، وفي اليمن عبر سيطرة الحوثيّين على العاصمة اليمنية صنعاء بدعم وتسليح إيراني.

ويرى مراقبون أنّ إيران ربّما ستقدم تنازلات فنية في ما يتعلق ببرنامجها النووي، مقابل إطلاق الولايات المتحدة ليدها في المنطقة كي تستمر في إحداث الاضطرابات في الشرق الأوسط.

7