تعالوا لأقول لكم كيف يصبح الشاعر وحيدا في العالم

السبت 2014/09/06
عمامي: ما أقسى أن تكون شجرة في غابة كاملة من الأشجار، لكنك رغم ذلك وحيد

جميل عمامي هو شاعر تونسي من الأعضاء المؤسسين لنقابة كتاب تونس، وهو رئيس تحرير مجلة قصيدة نثر، التي فرض لها ملتقى سنويا يحتفي بقصيدة النثر التونسية ويسلط الضوء عليها، فكان رافدا هاما من روافد الكتابة الشعرية اليوم بتونس.

ولئن كان جميل عمامي قد نشر نصوصا له بالاشتراك في كتاب عن المشرب الجامعي سنة 2009 فإنه أصدر مؤخرا كتابه الشعري الأول “وحيدا في العالم كشجرة” عن منشورات دار زينب للنشر والتوزيع.

للقصيدة الحديثة شخصية لا يمكن للشاعر نفسه أن يجاريها، وإنما يكتفي بإجرائها على نحو مخصوص وفق موقعه من ذاته ومن العالم والأشياء، وحسب تصوّره للغة.

هذا الموقع لا يمكن تحديده إلا من خلال “القراءة/الكاتبة”، وهي إعادة كتابة النص بشكل يكون فيه القارئ مستدرجا طوعا وبوعي حتى ينزلق إلى الأعماق. قد يلمس القاع ويعود، وقد يرتدّ قبل بلوغه، أو قد يثبّت قدميه هناك ويحفر أكثر.


عتبة زلقة


بالنسبة لقارئ متهور، متهور لأنه عاشق لما يقرأ، فقد ينزلق منذ أن تطأ قدمه العتبة، وعتبة كل كتاب عنوانه، خاصة إذا كان العنوان حاملا لرسالة، يمكن بعد فك شيفراتها أن نقف حيث يقف الشاعر، ونرى من حيث يرى.

الطفولة شجرة تنبت داخل الذات، يتسلقها الشاعر ليطل من فوق أغصانها على غده، ويتمدد في ظلها ليحلم

غير أن الشاعر جميل عمامي يحرمنا من هذه المكابدة ويوفّر علينا عناء الافتراض وتحريك الكلمات/الأرقام، فهو يصرّح بموقعه من العالم ومن ذاته منذ أول العتبات، أي عنوان الكتاب، حيث يعلن أنه “في العالم” وليس خارجه، الوحدة حاله والشجرة شبيهه، أو مرآته أو كنهه.

إلا أنه لا يمكن الاطمئنان إلى هذا التصريح المفخخ، بتشبيه يبدو في ظاهره فاسدا، بمعنى أنه لا منطق يحكمه، سواء كان شعريا أو من خارج الشعر.

فالوحدة ليست سمة مميزة للشجرة، بل ربما العكس، حيث أنّ الشجرة قد تحيلنا أولا على الحقل أو الغابة أو الواحة أو الحديقة.

ثمّ إنّ كلمة “الشجرة” هكذا في المطلق، تفتح المجال لتعدد التمثلات الذهنية لهذه اللفظة، فقد تكون شجرة سرو أو شجرة برتقال أو صنوبرة أو بطومة أو نخلة، أو شجرة لا نعرفها أو شجرة لا نسميها.

نحن إذن إزاء شجرة متعددة، هي جمع في صيغة المفرد. فأيّ وحدة هذه التي يحياها الشاعر وسط الجمع؟ إنها الوحدة الأكثر قسوة، ابنة الاغتراب.

ما أقسى أن تكون شجرة في غابة كاملة من الأشجار، لكنك رغم ذلك وحيد. يبدو أن هذه الوحدة لا تخص ذاتا معينة دون غيرها، فالشاعر لم ينسب إلى نفسه ولا إلى غيره الوحدة في عنوان مجموعته.
ديوان يكشف سطوة زمن الطفولة الذي يبتلع كل الأزمنة

إنها وحدة حالمة لذلك لا نجد الشاعر هنا في موقع شكوى أو هروب، بل على العكس تماما هو يحتمي بوحدته من الموت كقوله “أو ربما يزورني صائد الأرواح متسللا كعادته”.

في حصن وحدته هذا لا بدّ له من سلاح يحارب به هذا العدو، “قد أكون حينها منشغلا عنه بالسباحة في صحن طفولتي”، والسلاح هو استحضار الطفولة، مما يجعل هذه الحرب مجرد لعبة قانونها أن تجد ما يشغلك، لكي لا تموت وأن تبدع سببا للحياة لتحيا: “أو ربما أكون حينها في جدال ساخن مع الكلمات أعرك طينها/ أشكّل حجّتي في الحياة”.

الموت إذن يطالنا حين لا نجد حجة للحياة، وحجة الشاعر قصيدته، وحجة الإنسان طفولته، فما بالك حين تجتمع الحجتان مثلما هو الحال عند جميل عمامي.


موت الطفولة


ذات الشاعر تنظر بعيني طفل فترى العالم غريبا عنها، بل هي ذات غريبة عن ذاتها، تسأل بسذاجة الطفل أيضا “ما الذي بدّل المعنى…؟” وتبحث مثل طفل تاه عن أمّه “أصبحت هائما على وجعي، أبحث عن معناي في الكلمات فلا أجد سوى ذاكرتي تغيم”.

لا شيء سوى الذاكرة، لكنها ذاكرة تنبئ بالخصب، وتومض بغد منشود في مكان ما. الطفولة عنده ليست ملجأ يحتمي به ولا مأوى يفرّ إليه، وإنما هي شجرة تنبت داخل الذات، يتسلّقها ليطلّ من فوق أغصانها على غده، ويتمدّد في ظلها ليحلم، ويسقط منها مثل ورقة ليعاوده الحنين إليها.
فالوحيد في هذا العالم كشجرة هو الطفل الكامن في الشاعر، هو الشاعر حين يفقد ذلك الطفل الذي كانه “ويرحل صوب غابة أخرى ليرمّم ما أفسدته الفؤوس”.

إن سطوة زمن الطفولة الذي يبتلع كل الأزمنة، لا بما هو زمن ماض تحنّ إليه الذات وتستدعي شخوصه وتستحضر عوالمه، بل بما هو رؤية يتموقع على أساسها الشاعر، كاشفا عورات حاضره، كما فعل في جملة من القصائد مثل قصيدة “كعادته الحزن أحمر”، ورفضه لواقعه من خلال قصيدة “كان يمكن”، منتقدا ذاته في عدة مواضع مثل قوله “أسميه سيرة لم أكنها كما ينبغي”، “لكنني اليوم أصبحت ضدّي”.

الطفولة هي زمن البدايات، الأصل، الينابيع الأولى، الطفولة هي الشجرة التي تشعر بالوحدة حين تكفّ عن كونها شجرة، لتصبح كرسيا أو طاولة أو بابا أو قطعة خشب مهملة:

“حانة خشبية تطل على ليل البحر المتوسط/ يقبع الشاعر وحيدا في عزلته/ مكتفيا بمداعبة رؤوس أصابعه لخشب الطاولة اللزج المشبع بزبد البيرة/ على طفولة الشجرة”.

فليست الجريمة في أن نولد، بل الجريمة في أن نكبر، أن نكفّ عن كوننا أطفالا. ذلك ما يجعل الشاعر وحيدا، أن يلتفت إلى داخله، فلا يجد الطفل الذي كانه، لا يجد الشجرة:

“الشجرة التي مددنا جذورها/ تحت التراب بأظفارنا/ ننام اللحظة تحت ظلّها”.


زمن دائري


إنّ عوالم “وحيدا في العالم كشجرة” تكسر خطّية الزمن حيث يأخذ شكلا دائريا، لا بمعنى الانغلاق والاكتفاء، وإنما هو زمن متعاود بإيقاعات متغايرة.

الزمن ضربة فأس في الأديم، تبدو أنها تتكرر في المكان نفسه وبالإيقاع ذاته، لكن كل ضربة هي حفر أعمق

مثله كمثل ضربة الفأس في الأديم، تبدو أنها تتكرر في المكان نفسه وبالإيقاع ذاته، لكن كل ضربة هي حفر أعمق. حفر في الروح حيث تجتمع الأزمنة بما فيها من أصوات، ولكل صوت صداه، وحكايات، ولكل حكاية شخوصها في زمن واحد.

لا شيء يضيء عتمة عالم عمامي سوى الذكريات، وحين يوصد النسيان باب التذكّر تنفتح نوافذ الحلم. هكذا يتبادل الغد والأمس الأدوار في رحلة البحث عن المعنى.

فكلاهما واحد، زمنان في زمن، عالم الطفولة الذي يستعيده الشاعر من خلال قاموس الشجرة، هو نفسه عالم الغد الذي يتجلى حلما: الماضي ضوء والآتي ضوء.

والشاعر لا يعذبه الحاضر بقدر ما يعذبه البريق، بريق الحلم والذكرى. والبريق هو الضوء البعيد، الضوء منقوص، الضوء لا هو غائب تماما، ولا هو حاضر تماما: “النجمة… تلك النجمة/ كم يعذبني بريقها”.

17