تعاون العالم والسياسي طريق لإيجاد حل واقعي للتحديات

بدأت العديد من الدول تدرك أهمية العلم في العمل السياسي، وتم اعتبار التعاون في مجالي العلم والبحوث عنصرا رئيسيا من عناصر دعم الحوكمة وتجاوز التحديات المحلية والدولية. ويعتبر انخراط العلوم في السياسة خطوة حاسمة لبناء مجتمعات خبيرة وأكثر قوة وتنوعا، ويمكن أن يحدث التعاون بين أكثر المجالين صداما تغييرا عالميا.
السبت 2017/03/04
البحوث العلمية تجيب على أسئلة في صميم مشكلات المجتمع

لندن – في ظل الكثير من التحديات -القائمة على العلوم- التي يواجهها العالم، تنصح مجلة نيتشر بالتوجه إلى نخبة الباحثين لتزويد السياسات بالمعارف العلمية والتأثير فيها بقوة؛ حيث يمكن أن ينجح العلماء في تصحيح أخطاء السياسيين.

وترى الدراسة العلمية، استنادا إلى آراء محللين مختصين، أنه من الضروري كسر الحاجز بين السياسي والعالم وتغيير النظرة السلبية التي ينظر بها الواحد إلى لآخر والعلاقة التي غالبا ما يسودها التوتر (إذا لم يكن الصدام المباشر).

ويؤكد معد الدراسة كريس وولستون أن التعاون الوظيفي والعلمي والعلماء يمكن أن يساعد على إيجاد حل واقعي للتحديات التي تواجهها البلدان، خصوصا وأن العلماء أقل تسييسا من المسؤولين ونظرتهم أكثر موضوعية واقل تحيزا.

وتوجه وولستون لمجموعة من بين الباحثين الذين تحدثوا عن الكيفية التي ساعدوا بها في تشكيل سياسات حكومات بلادهم، وكيف يمكن للآخرين التعلُّم من تجاربهم.

تؤكد كوني لي مساعد العميد للعلوم الأساسية في جامعة شيكاغو بولاية إلينوي، أنه لدى العلماء العديد من المتطلبات لتلبيتها في أوقاتهم. ولكن الانخراط في السياسة والتعبئة أمر بالغ الأهمية. فرجال السياسة يستمعون للعديد من جماعات الضغط؛ وإذا لم يسمعوا من العلماء بالقدر ذاته، فربما سقطنا من دائرة حساباتهم.

وتحدثت عن تجربتها مشيرة إلى أنها وقعت في شَرك السياسة في عام 2008، عند زيارتها لمبنى الكونغرس الأميركي “كابيتول هيل”، ممثِّلة للجمعية الأميركية للأحياء الخلوية. وتضيف “حلمي أن يزور كل عالم أميركي هذا المبنى، فلن تعرف مطلقا ماهية الأسئلة التي سيطرحها عليك الساسة. التقينا موظفين وأعضاء منتخبين في الكونغرس، وكان لديهم سوء فهم كبير بشأن قضايا العلوم“.

نيكولاس أون: على المجتمع البحثي ترجمة العلوم في شكل خيارات متاحة أمام صانعي السياسات

يمكن لغياب الفهم العلمي في أوساط صانعي السياسات أن يكون مصدرا للإحباط. وتعتبر كوني لي أن هناك فجوة في التواصل بين العلماء والساسة. فعلى العلماء أن يتعلموا كيفية بيان أهمية عملهم، سواء كانوا يتحدثون إلى صانعي سياسات، أو عميد أو مانح محتمل. ولكن علينا أيضا أن نتشارك رسالة أكبر. نحن بحاجة إلى مناصرة مؤسسة العلم وأهمية تمويل العلوم الأساسية. لا يمكن للمرء أن يعرف إلى أين تؤدي البحوث الأساسية. فقد جرى اكتشاف المنهجية التي تقف وراء تقنية “كريسبر” من خلال النظر إلى كيفية حماية البكتيريا لنفسها. وهي تُستخدم الآن في التحرير الجيني.

حقائق مهمة

تعتبر الجهود العالمية لمكافحة المناخ مثالا يوضح مدى تأثير العلوم في السياسة، وذلك من خلال البحوث والتوصيات التي ترفعها اللجنة الدولية للتغيرات المناخية، التابعة للأمم المتحدة، للجهات السياسية المعنية.

يتحدث عن هذه الجهود نيكولاس أون، وهو عالِم في مجال تغيُّر المناخ بجامعة فاخينينجن في هولندا، موضحا أن العلوم تنطوي على أسئلة في صميم مشكلات المجتمع. وعندما يتعلق الأمر بالتغيُّرات المناخية، فإنه من الضروري وبشكل أساسي أن يساعد المجتمع البحثي في ترجمة العلوم في شكل خيارات متاحة أمام صانعي السياسات.

ويدرس أون المفاوضات الدولية الخاصة بالتغيُّر المناخي، مثل اتفاقية باريس لعام 2015. وكان الهدف المُعلَن للاتفاقية هو جعل سقف الاحترار العالمي 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. ويتطلب الأمر المزيد من التحليل للنظر في مقترحات الانبعاثات من كل دولة على حدة، ثم تجميعها لمعرفة ما إذا كانت تسير على الطريق الصحيح.

ويضيف أون أن معظم الحكومات عامة مطَّلعة بشكل جيد على قضية التغيُّرات المناخية. ويُعَد الهدف المتمثل في جعل سقف الاحترار العالمي 1.5 درجة مئوية أقوى من سابقه الذي كان يبلغ درجتين مئويتين، ذلك لأن الساسة فهموا الأدلة. فقد كان العلماء قادرين على إثبات أن الارتفاع إلى درجتين لن يكون أمرا آمِنا على الكوكب.وقد رفض بعض الساسة -ومن بينهم الرئيس الأميركي دونالد ترامب- الاعتراف بوجود التغيُّر المناخي. لو كان الساسة كأفراد لا يريدون الاقتناع، فليس ثمة ما يمكن فعله من جانب العلماء. ولكن، من المهم الاستمرار في جمع البيانات وإيصالها إلى صانعي السياسات، والجمهور. وتقع على عاتق المجتمع العلمي مسؤولية مواصلة تقديم الأدلة وشرح ما يعرفه بالفعل عن الانبعاثات التي يسببها البشر ودرجات الحرارة العالمية.

على سبيل المثال، يعمل كل 6 سنوات حوالي 2000 باحث معا لإعداد تقرير للجنة الحكومية الدولية للتغيُّر المناخي حول الوضع الراهن. وهو تقرير فنِّي قد يجد معظم الساسة صعوبة في فهمه. ولكن، يمكن للعلماء شرح النقاط الأساسية وتبسيطها لهم.

في بعض أجزاء المجتمع، يبدو العلماء، وفق أون، وكأنهم يتحركون صوب عصر يفوق الحُجة الواقعية. فتبدو العواطف أهم من الحقائق. لدى العلماء حق الوصول الكامل للمعلومات، ولكن في الوقت ذاته لديهم وصول كامل أيضا للمعلومات المضلِّلة. وعلى العلماء أن يعيدوا إلى المعلومات أهميتها مرة أخرى. ويمكنهم عمل ذلك من خلال توصيل النتائج على نحو يسهّل الاطلاع عليها.

طفرة علمية تفتح الباب واسعا أمام عصر تصنيع الأجنة
لندن - ابتكر علماء في بريطانيا لأول مرة هيكلا يشبه جنين الفأر باستخدام ركائز ثلاثية الأبعاد ونوعين من الخلايا الجذعية.

وقالت ماجدالينا زيرنيكا غويتز، وهي أستاذ بقسم علم وظائف الأعضاء والنمو وعلم الأعصاب في جامعة كمبردج، والتي قادت البحث، إن النجاح الذي تحقق مع خلايا الفئران يجب أن يمهد الطريق لعمل مشابه مع الخلايا البشرية مما يساعد العلماء في التغلب على أحد العوائق الرئيسية في أبحاث الأجنة البشرية وهو قلة الأجنة.

ويتم حاليا تطوير أجنة بشرية لاستخدامها في البحث من بويضات فائضة يتم التبرع بها من خلال عيادات الخصوبة لكن زيرنيكا-غويتز قالت إنه يجب أن تكون هناك إمكانية لاستخدام تقنية الخلايا الجذعية والركائز للحصول على أجنة بشرية صناعية. وقالت "سيسمح لنا هذا بدراسة الأحداث المهمة في هذه المرحلة الحرجة من نمو الإنسان دون الحاجة لدراسة أجنة".

ويضيف أون “أعمل على هذا الأمر منذ 20 عامًا، وقد شهد الكثير من الانتكاسات. ولكن، لا يزال الأمل يحدوني. لقد دخلت إلى مجال التغيُّر المناخي لأنني رغبت في أن يكون لي تأثيرٌ في هذا العالم، ومازلت أعتقد أن علماء المناخ بوسعهم تحقيق ذلك. فعلى الرغم من التحديات، تُعَد السيطرة على تغير المناخ أمرا ممكنا. فلدينا ما يلزم من التقنيات لبلوغ الأهداف. وحافزي الأساسي يتمثل في منح الساسة ما يحتاجونه من أدوات لتحقيق هذا الأمر على نحو صحيح“.

لنوصل رسالتنا

تعج الحكومة البريطانية بمَن دأبوا على العمل كمصرفيين ومحامين. ولكن ثمة نقصا كبيرا في الفهم العلمي. فمعظم العلماء، وفق تمارا جالواي، الباحثة في مجال السموم البيئية بجامعة إكسِتر، لا يرغبون في الانخراط في السياسة، لكن لا يزال من الممكن لهم الانخراط فيها وتزويد صانعي السياسات بالمعلومات.

وباعتبارها باحثة علمية، لطالما تساءلت لماذا استغرقت الحكومة كل هذا الوقت للتفاعُل مع بعض القضايا، وخصوصا حينما تكون الأدلة واضحةً أمامها. وتتحدث تمارا عن تجربتها قائلة "شاركت في مشروع “أسبوع في البرلمان” الذي وضعته الجمعية الملكية، وقضيت أسبوعا في لندن ملازِمةً لنائب في البرلمان. كانت تجربة مذهلة، وساعدتني في فهم أن الحكومة عبارة عن هيئة ضخمة. لذا يأتي التغيير بطيئا، في معظم الحالات."

وفي شهر مايو، خاطبت تمارا واثنان من علماء البيئة لجنة مختارة من البرلمان بشأن التلوُّث البحري الناتج عن الميكروبلاستيك. كانت أمام اللجنة ثلاث ساعات لتسأل العلماء عما ترغب من الأسئلة.

وتقول الباحثة “لم نكن نتوقع أي نوع من الأسئلة ستطرحه علينا. شعرت وكأني استُدعِيت إلى مكتب ناظر المدرسة. طرح علينا أعضاء اللجنة أسئلة ذكية ومستنيرة، إذ حاولوا وضع كل شيء في سياق. يشهد هذا الموضوع حالة من الهلع وتسود بشأنه الكثير من المعلومات المغلوطة على المواقع الإلكترونية، لذا كان عليَّ تقديم أدلة علمية محايدة. شرحت لهم أن جزيئات الميكروبلاستيك تلك، التي غالبًا ما توجد في مستحضرات التجميل والشامبو، ليست سامة في الواقع، ولكنها يمكن أن تعرقل تغذية العديد من الكائنات البحرية وتكاثرها“.

وبعد فترة وجيزة من الجلسة، أعلنت اللجنة أنه سيُحظَر استخدام “الميكروبلاستيك” في منتجات العناية الشخصية في المملكة المتحدة بنهاية عام 2017. وكان لما ألقاه العلماء على مسامع اللجنة من معلومات علمية أثر حقيقي.

الدرس المستفاد بالنسبة إلى تمارا هو أن على العلماء أن يتحدثوا بصوت قوي.

يميل العلماء للإغراق في التخصص لدرجة أنه قد يصبح من الصعب عليهم الحديث مع باحثين آخرين، ناهيك عن الحديث إلى عامة الناس.

ويشدد مختلف الباحثين على ضرورة أن يعيد رؤساء القرن الحادي والعشرين هيكلة سياسة التعامل مع العلماء لمواكبة التغييرات التي يصدرها العلماء. السياسة الخاصة بالعلم والتكنولوجيا مهمة جدا للحوكمة، ويجب أن تكون السياسة الجيدة الخاصة بالعلوم جزءا لا يتجزأ من الجهود الحكومية.

تتجاوز تخصصات العلوم والتكنولوجيا السياسة والحدود والثقافات، وبالتالي فهي جسر مهم بين الدول يتجاوز العلاقات المتوترة الجيوسياسية ليوطد العلاقات في مجالات الصحة والتصدي للأمراض والأمن الغذائي والمائي وغيرها وبالتالي تعزيز الاستقرار الداخلي والأمن الدوليين.

7