تعاون عربي صيني يعيد إحياء طريق الحرير

الخميس 2015/04/16
الصين تطمح إلى توسيع دائرة شراكتها مع مختلف البلدان العربية وفق مبدأ الندية وعدم الوصاية

يكتسي التعاون الصيني العربي أهمية قصوى لدى الطرفين في ظل التحولات الجيوسياسية التي يشهدها العالم، مما يدفع الطرفين إلى العمل على تطويره إلى مستوى شراكة استراتيجية تشمل البعدين الاقتصادي والسياسي، وتكفل لكل طرف مصالحه دون وصاية من أحدهما على الآخر.

تبرز أهمية العالم العربي الإستراتيجية بالنسبة للصين، في ظلّ التشابك الشديد الحاصل في عولمة الاقتصاد وظهور منطقة الخليج العربي كمنطقة جيواستراتيجية تحتل موقعا بارزا على أجندة الأمن الدولي بحكم دورها المؤثر في التحولات الإقليمية والدولية.

تفرض المصالح المشتركة الضخمة بين البلدان العربية والصين تعاونا وثيقا في التنسيق الاقتصادي والسياسي واستثمار أرصدة هذه العلاقة في تحديث نوعي لتوازنات علاقاتهم الإقليمية والدولية، ممّا يستدعي تطويرها والرفع من مستواها نظرا لخطورة التحديات وحجم المسؤوليات المشتركة في قضايا البيئة والطاقة ومكافحة الإرهاب وبلورة نهج تشاركي توافقي يضمن حدا أدنى في صنع القرارات الدولية لاستقرار العالم.

وتمتلك كلّ من الصين والعالم العربي مقدرات متعدّدة يمكن لتفاعلها أن يحقق نتائج إيجابية في مناطق استمرت فيها الصراعات طويلا، مثل أفغانستان والقوقاز والقرن الأفريقي.

وتكمن الأهمية الجيوسياسية لعلاقات الصين والعرب في كونهما محاطين بمجموعة من الدول، لا تربط بينهم بالضرورة علاقات صداقة، ومن ثمّ تكمن أهمية عدم فصل السياسة عن الجغرافيا في التعاون المشترك لدرء المخاطر وإحباط محاولات الاختراق المستمرّ لهما من طرف القوى الكبرى.

الدول العربية في حاجة ماسة إلى تعاون متعدد الأقطاب مع جميع القوى الدولية الصاعدة ومن بينها الصين

علاوة على أهمية العالم العربي الجغرافية المتمثلة في إطلاله على الممرات البحرية الاستراتيجية للتجارة الدولية والوصل بين القارات، فضلا عن تمتعه بموارد طبيعية وإمكانيات مالية كبيرة للاستثمار، لاسيما أن الصين تدرك أنها سوف تصبح المستورد الرئيسي للبترول العربي بعد خروج الولايات المتحدة الأميركية من دائرة المستوردين الرئيسيين لنفط الشرق الأوسط، ممّا يلقي على عاتق الصين والعالم العربي مسؤولية كبيرة تتعلّق بضمان أمن واستقرار المنطقة في ظلّ نمو متطلبات الطاقة في الصين، وتوفير إمداداتها، خاصّة ما يتعلق بخطوط النفط والغاز الاستراتيجية.

علاقة تاريخية ذات مصداقية

يكتسب التعاون الاستراتيجي بين الصين والدول العربية أهمية قصوى، بالنظر إلى ضرورة تكاتف الطرفين لإيجاد حلّ لعدد من المشكلات الإقليمية والدولية المزمنة، فضلا عن رفع تحديات اقتصادية تتمثل في كون قضايا الطاقة والموارد الأولية، تعد من القضايا المحورية في ضمان تنمية مستدامة للصين إذا اعتبرنا أن متطلبات إنفاقها الاستهلاكي سوف يصبح المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي العالمي، بالإضافة كذلك إلى رغبة الطرفين في إصلاح النظام المالي العالمي والتعاون في مجال الطاقة النووية.

أما على المستوى السياسي، فإنّ تعثر المفاوضات في الشرق الأوسط واستمرار النزاع العربي الإسرائيلي دون حل، علاوة على مكافحة الإرهاب والتوترات العربية الإيرانية وقابلية أن تلعب الدول الصاعدة دورا متزايدا في إيجاد الحلول السلمية المناسبة، يفرض التخفيف من هيمنة القطب الواحد (الأميركي)، الأمر الذي من شأنه الإسهام في رسم ملامح الخارطة الدولية الجديدة بما يتناسب مع ثقل العرب والصين الاقتصادي المتنامي.

طريق حرير بري وطريق حرير بحري
تنبني الرؤية الإستراتيجية الصينية على فكّ أي طوق محتمل على جغرافيتها السياسية أو مصالحها الإستراتيجية من خلال إحياء مشروع “حزام طريق الحرير”، وهي مبادرة طرحها الرئيس الصيني شي جينبينغ في وقت سابق، تأمل من خلالها الصين إلى تعميق علاقتها الاقتصادية والسياسية عبر دعم محور طريق “الحرير البري القديم”، بالإضافة إلى طريق “الحرير البحري” الذي يمتد من موانئها الجنوبية إلى البحر العربي ومنطقة الخليج الحيوية، وهي تقوم مقام التحالف السياسي الأيديولوجي الذي كان ساري المفعول إبان حكم الماوية.

ويقوم هذا الطريق البحري والبري في رؤاه على تناسق السياسات وترابط الطرقات، من خلال تفاهم العقليات، حيث يقع الربط بين المصالح السياسية والجغرافية بما يجعل المناطق البرية والبحرية لطريق “الحزام الاقتصادي للطريق البري والبحري للحرير” القديمين، عبارة عن مناطق تشترك في كثير من المصالح والمكاسب المشتركة.

ولم تعد رغبة الصين خافية في إعادة إحياء “طريق الحرير البري والبحري القديم”، الذي تم إحياؤه في القرن 21 عبر مقومات أخلاقية ومادية حول العديد من القضايا الإقليمية والدولية على نحو تتوطد فيه العلاقات أفقيا وعموديا بين الدول.

ويمكن للعرب أن يستفيدوا من هذا المشروع في تعزيز التعاون الصيني العربي في مجال تشييد المزيد من الطرق العامة البرية والبحرية كالموانئ والطيران والسكك الحديدية والمشاريع الأخرى ذات الطابع الاستراتيجي، مما يساعد على فاعلية أكبر في المشاركة في صنع القواعد العامة لنظام الدولي الجديد تكون في الصين شريكا إستراتيجيا للعرب.

ولأنّ عصر الصين الذي تحدث عنه الكثيرون، قد بدأت ملامحه تظهر مع مطلع القرن الحالي وتندرج ضمن التغيرات الدولية التي بدت تلوح في الأفق، يتعين على البلدان العربية أن تضع نصب أعينها جملة من المحفزات لتطوير علاقاتها مع الصين حتى تكون مواكبة للتاريخ وفاعلة فيه، وتتلخص هذه المحفزات في:

*أوّلا: إيمان الصين بالتعاون الأفريقي الآسيوي يجعل الدول العربية تتبوأ مكانة خاصة فيه، ويجعل تطوير العلاقة الدبلوماسية والشعبية مع الصين، أمرا ملحا مما يفرض فتح قنوات مباشرة للاتصال. وقد كان الإعلان عن قيام منتدى التعاون العربي الصيني أثناء زيارة الرئيس الصيني، لمقر جامعة الدول العربية في عام 2014 أبلغ تعبير سياسي عنه.

*ثانيا: الصين ما زالت تقف موقف الداعم والنصير للقضايا العربية المصيرية، وترغب في توطيد شراكتها الاقتصادية والثقافية مع العرب.

*ثالثا: الحفاظ على الأمن العالمي وتعزيز التنمية المشتركة يفرض أن ينحاز العرب إلى عالم متعدد الأقطاب عسكريا واقتصاديا بعيدا عن أي وصاية؛ أي اعتماد دبلوماسية تقوم على المبادرة بالفعل ولا تقف عند ردود أفعال، مما يفرض رؤية استراتيجية متوسطة وطويلة المدى تقوم على تنويع علاقاتهم الاقتصادية والعسكرية والسياسية.

وأضحى من الثابت أنّ الصين سوف تلعب دورا متناميا في تحديد ملامح النظام العالمي الجديد، وهي في ذلك تعتمد على فلسفة تنطلق من كونها تعتمد منظورا متعددا للقوة، لا يشمل الاعتماد على التفوق العسكري والتمدد خارج أسوارها التقليدية، بل يعتمد على إرساء معالم التفوق الاقتصادي والتجاري وتطوير إمكاناتها لتحقيق المصالح الاستراتيجية والأهداف الجيوسياسية. لذلك كانت الصين على الدوام تولي أهمية لتعزيز العلاقات مع جوارها لكي تحدّ من التهديدات المتربصة بوحدتها السياسية، من خلال تعزيز السّلام والاستقرار في محيطها الحيوي القريب.

ومنذ بداية الألفية الثالثة، ثمّة ارتفاع ملحوظ في حجم التّبادل التجاري بين الصين والبلدان العربية، حيث ارتفع بشكل كبير جدا من 5 مليارات عام 1995 إلى 239 مليار دولار عام 2013، ومن المتوقع أن يصل إلى 300 مليار دولار، خلال السنوات القليلة القادمة، وفق تصريح سابق لوزير الخارجية الصيني أمام منتدى التعاون الصيني العربي.

وفي حين قدّر حجم التبادل التجاري بين الصين وروسيا بـ 60 مليار دولار، وبينها وبين الولايات المتحدة الأميركية بـ 438 مليار دولار في عام 2012، وصل حجم التبادل التجاري بين دول الخليج العربي والصين إلى 155 مليار دولار في نفس السنة، ومن المتوقع أن يصل إلى 279 مليار دولار مع حلول سنة 2020، حيث بلغت قيمة الصادرات الصينية إلى دول الخليج العربي أكثر من 54 مليار دولار، في حين وصلت قيمة الواردات الصينية من دول الخليج إلى أكثر من 100 مليار دولار.

وعلى ضوء هذه الأرقام، من المتوقع أن يحطم التبادل التجاري الصيني العربي عموما رقما قياسيا ليصل في أفق 2030 إلى 600 مليار دولار سنويا.

النخبة الصينية الحاكمة ترفض منطق الهيمنة والاحتواء الذي تمارسه الدول الغربية، وتحترم الخصوصيات الثقافية

فتح مجالات تعاون أشمل

يعدّ حجم التبادل البيني في التجارة مؤشرا قويا على توسّع مجالات التعاون الاقتصادية وعمق الروابط التاريخية التي تجمع العرب بالصين، ممّا يدفع نحو التطلع إلى إقامة تحالفات إستراتيجية صينية عربية في ميادين عديدة تشمل التعاون في أبحاث الفضاء الخارجي والشبكة العنكبوتية وصناعة الأقمار الاصطناعية والطاقة النووية والشمسية لتنمية سوق الطاقة على المدى الطويل، انطلاقا من إدراك الطرفين أنّ هذه العلاقة مثمرة على أكثر من صعيد، وأنّ التقارب أكثر يمهد للحصول على منافع ومكاسب أكبر.

ووفقا لهذا السيناريو يمكن للصين أن تضمن إيجاد مجالات جديدة للتعاون والنمو الاقتصادي وتعزيز قوة الدفع الذاتية عبر تأمين حاجياتها من الطاقة والموارد الأولية التي توفرها البلدان العربية باستمرار وبترتيبات ملائمة، فضلا عن الاستفادة من السوق العربية الواسعة، وكذلك التنسيق في مجال إقامة مناطق تجارية حرة تسهل سيولة نقل البضائع الصينية عبر الممرات البرية والبحرية العربية، بما يخدم خاصّة إقامة مناطق تجارة حرة.

أما على المستوى العربي، فيُمكن استفادة العرب من الاستراتيجيات والتّجربة الصينية الخاصة بالتنمية وارتفاع الإنتاجية، وكذلك ضمان تحقيق تعاون سياسي مشترك في القضايا العربية المصيرية الخاصة بالصراع العربي الإسرائيلي وجزر الإمارات العربية المتحدة الثلاث التي تحتلها إيران، واسترجاع المغرب لسبتة ومليلية، فضلا عن شرح المواقف العربية، حيث يسجل للصين، التي تبدو حريصة على دعم التعاون الإستراتيجي مع العرب، أنها اكتفت بالدعوة، في ما يتعلق بعملية عاصفة الحزم ، إلى “حل الأزمة في اليمن عن طريق الحوار السياسي واحترام قرارات مجلس الأمن”، مقابل الموقف الروسي الـرافض والموقف الأميركي المراوغ والمتذبذب.

وقد يساعد التقارب في المواقف إلى إيجاد مؤشرات كامنة في التصور الاستراتيجي الصيني يقوم على عدم الفصل بين السياسة والجغرافيا، ما دام مفهوم المنطقة العربية في الدراسات الاستراتيجية الصينية يمتد من موريتانيا غربا إلى العراق شرقا.

الدول العربية في حاجة ماسة لمثل هذه الشراكات الاستراتيجية

كما أن النخبة الصينية الحاكمة ترفض منطق الهيمنة والاحتواء الذي تمارسه الدول الغربية، فيما تقوم الفلسفة الصينية السياسية على حفظ الخصوصية الثقافية والحضارية، حيث يلاحظ أن الصين لا تقبل استثمار التوترات العرقية والدينية والثقافية والطائفية في العلاقــات الدولية، خوفا من أن تنتقل هذه التوترات إلى داخل الصين ذاتها.

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الصين في حاجة ماسة إلى تبادل الخبرات والمعلومات مع العالم العربي لمنع تشويه الإسلام ومكافحة الفكر الإرهابي والتطرف الديني اللّذين تسربا عبر تنظيم “القاعدة” و”طالبان” و”داعش” إلى منطقة شينجيانغ الصينية.

وتبقى الدول العربية، بدورها، في حاجة ماسة إلى تعاون متعدد الأقطاب مع جميع القوى الدولية الصاعدة، لا سيما مع الصين التي أقامت علاقات متطورة مع جامعة الدول العربية عبر منتدى التعاون العربي الصيني، وعبر القبول بافتتاح بعثة للجامعة العربية في الصين منذ عام 1993.

ويشكل هذا التعامل الاستراتيجي اعترافا بمحورية الجامعة العربية كبيت تاريخي للعرب ومؤسسة تعبّر تنظّمهم المشترك، ممّا يوفر عمقا استراتيجيا لدى قوّة دولية صاعدة تعترف بدورهم الإقليمي في مواجهة العواصف والمشروعات الإقليمية والدولية المضادة لمصالحهم، في الوقت الذي تفضل فيه الولايات المتحدة الأميركية التعامل مع ما تسميه “الشرق الأوسط الكبير”، أو عبر الإطار الذي تسميه أوروبا “الفضاء الأورو متوسطي” أو “الاتحاد من أجل المتوسط”.

من جهة أخرى، فإنّ مشروع “الاستدارة نحو آسيا”، الذي أطلقه الرئيس الأميركي، باراك أوباما، وما تبعه من تبني استراتيجية “الانعطاف نحو الشرق”، ليس له من مبرر سوى التقاعس تجاه منطقة الشرق الأوسط وتقليل الانخراط فيها، فضلا عن محاولة احتواء التنين الصيني الصّاعد ومنعه من تهديد الهيمنة الأميركية في العالم وتثبيط عزيمة من يحاول النيل من الغلبة الأميركية، وذلك عبر تكثيف واشنطن لحضورها العسكري والرفع من جاهزية الحلفاء المحيطين بالصين، وهو ما يتّضح انطلاقا من اعتزامها عقد صفقة نووية محتملة مع إيران وتوطيد علاقتها مع كل من باكستان والفلبين وأندونيسيا وأستراليا والهند. وقد أضحت هذه الخطوات الأميركية تشكّل قلقا بالغا لدى القيادة الصينية يبرره الخوف من أن يحدث هذا التطويق صداما محتملا، يسفر عن خسائر فادحة للاقتصاد الصيني وتهديد وحدة الصين السياسية، وهو ما يدفعها على ما يبدو إلى التشبث بطوق النجاة العربي.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون

7