تعاون عسكري روسي مصري على مبدأ تسهيلات لا قواعد

لم يقلل نفي الحكومة المصرية للخبر الذي أوردته وسائل الإعلام الروسية بشأن تأجير الدولة المصرية منشآت عسكرية، من ضمنها قاعدة جوية غرب الإسكندرية في شمال غرب البلاد، من حالة الجدل والتشكيك التي صاحبت نشر هذا الخبر، وسط تلميحات تشير إلى أن علاقات الدولتين ستذهب إلى أبعد مدى في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات رئيسية في ملفات أزماتها وتحالفاتها.
الخميس 2016/10/13
على نفس خط الرؤية

القاهرة - على الرغم من النفي القاطع لرئاسة الجمهورية ووزارتي الدفاع والخارجية، لخبر اعتزام روسيا استئجار منشآت عسكرية شمال غرب مدينة الإسكندرية، وتحديدا في مدينة “سيدي براني”، إلا أن هذه الأنباء أثارت تكهنات وتخمينات كثيرة وجدلا كبيرا داخل الأوساط السياسية في مصر وخارجها، ودارت تساؤلات حول هذا الملف.

وجاء النفي المصري عن طريق التذكير بقاعدة ثابتة في عهود كل الرؤساء المصريين السابقين، جمال عبدالناصر وأنور السادات وحسني مبارك، أساسها “لا لأي قواعد عسكرية على الأرض المصرية”.

لكنّ التصريحات الروسية والتطورات الاستراتيجية تشي بأن هذه القاعدة لن تبقى ثابتة طويلا، فما هو المنطق الذي يمكن أن يجبر القاهرة على تغيير تلك الثوابت في الوقت الراهن؟ وهل موسكو تقف وراء ذلك في إطار لعبة توازنات جديدة تشهدها المنطقة، سواء في الأزمة السورية أو ما يجري على الأراضي الليبية، خاصة وأن الخبر نشرته كل من صحيفة “إزفيستيا” ووكالة أنباء نوفيستي، المقربتين من الإدارة الروسية.

قالت صحيفة إزفيستيا إن روسيا تجري محادثات مع مصر حول استئجار منشآت عسكرية من ضمنها قاعدة جوية في مدينة سيدي براني شمال غرب مصر.

وذكرت أنه تم التطرق أثناء المحادثات إلى أن القاعدة ستكون جاهزة للاستعمال بحلول العام 2019، في حال توصل الطرفان إلى اتفاق، مشيرة إلى أن القاعدة التي تقع في مدينة سيدي براني سيتم استخدامها كقاعدة عسكرية جوية.

وأكدت إزفيستيا أنها نقلت تلك الأنباء من مصادر، وصفتها بالمطلّعة، داخل وزارتي الدفاع والخارجية الروسيتين، وإن كانت شددت، بشكل بدا مقصودا، على أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد محادثات تجري بين مسؤولي البلدين، روسيا ومصر، إلا أن البعض من المراقبين تحدثوا عن أن القضية في جزئها الإعلامي المعلن عنه، هي طرح للنقاش وقياس الضغط ولم يستبعدوا أن تكون القاهرة نفسها تفكر في ذلك.

وسارعت وزارة الدفاع المصرية إلى نفي الخبر، مشددة على لسان متحدثها العسكري أن القاهرة ترفض هذا الأمر من حيث المبدأ، وأن فكرة تأجير منشآتها العسكرية ليست ضمن ثوابتها. وكانت الرئاسة المصرية، حاسمة تماما وهي تنفي، وشددت على أن مسألة إنشاء قواعد عسكرية أجنبية على الأراضي المصرية، أمر مرفوض.

.جاء بالتزامن مع هذا الخبر، خبر آخر مفاده أنه سيتم لأول مرة بين مصر وروسيا “إجراء تدريبات عسكرية مشتركة على الأراضي المصرية، في أواسط شهر أكتوبر الجاري ضمن تدريبات حماة الصداقة 2016 ضد الإرهاب”.

كما ذكرت المصادر الروسية في خبر ثالث أن حاملة الطائرات الروسية الأميرال كوزنيتسوف ستبحر في الشهر الجاري باتجاه سواحل سورية، مع كامل حمولتها من الطائرات والأسلحة، لتتوجه بعد إنجاز مهمتها هناك.

تسهيلات عسكرية

قال اللواء نصر سالم، رئيس جهاز الاستطلاع الأسبق والمستشار بأكاديمية ناصر العسكرية، لـ”العرب”، إن منطقة سيدي براني لا تصلح لأن تكون قاعدة عسكرية، نظرا لطبيعة المكان من الناحية الجغرافية، وهو نفس التقدير الذي أكد عليه لـ”العرب” اللواء حسام سويلم، مساعد وزير الدفاع الأسبق.

ولم يستبعد الخبيران العسكريان إمكانية أن تعطي القاهرة تسهيلات لروسيا، ضمن حالة التوافق بين الدولتين في العديد من الملفات، ولفتا إلى توفير تجهيزات “مصرية-روسية” لإجراء المناورة العسكرية المشتركة في منتصف أكتوبر، حيث ستنفذ قوات محمولة جوا من البلدين، عمليات لتدمير مسلحين في مواقع صحراوية، وهو ما يعكس توافق الرؤى بين الدولتين في ما يخص مكافحة الإرهاب.

لكن البعض من التقارير الإعلامية ذهبت بعيدا، وحاولت تفسير الخبر الذي لم يكن ليمر دون توظيف في سياق الوضع الإقليمي الراهن، وفي إطار الحربين السورية والليبية، وصراع الدول الكبرى في هاتين الدولتين المهمتين في ميزان الحسابات الإقليمية. وركّزت التقارير على قرب منطقة سيدي براني من ليبيا، ومن ثمة إمكانية الاستفادة منها عسكريا، أو كنوع من أنواع الردع لعدم التمادي في التدخلات الغربية في ليبيا.

عبدالرؤوف الريدي: هناك من يريد تعميق التوتر المصري السعودي من وراء خبر القاعدة الروسية

واستبعدت نورهان الشيخ، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، والمتخصصة في الشؤون الروسية، أن تكون فكرة إنشاء قاعدة عسكرية روسية على السواحل المصرية الهدف منها الملف الليبي، وتساءلت عن مدى أهمية ليبيا بالنسبة إلى روسيا؟ وأشارت لـ”العرب” إلى أنه ربما يكون هناك انسجام بين موسكو و”عملية الكرامة” التي يقودها المشير خليفة حفتر، لكن أن يصل الأمر حد طلب موسكو قاعدة عسكرية، فهذا أمر صعب للغاية.

وقالت إنه حتى في فترة انسجام العلاقات بين مصر والولايات المتحدة الأميركية في وقت الرئيس الأسبق حسني مبارك، أو حتى خلال فترة الانسجام مع الاتحاد السوفيتي في عهد الرئيس الأسبق جمال عبدالناصر، لم تقبل مصر فكرة القواعد العسكرية، والمسألة لم تتجاوز منح “تسهيلات” تقدمها مصر لحلفائها، تظهر في شكل تدريبات عسكرية ومناورات من حين لآخر، أو السماح باستخدام ممراتها المائية أو ما شابه ذلك.

ويتساءل مراقبون عمّا إذا كان توظيف هذا الخبر يأتي في سياق الأزمة السورية، حيث تزامن الإعلان عن القاعدة العسكرية الروسية في مصر مع إعلان نائب وزير الدفاع الروسي نيقولاي بانكوف عن إنشاء قاعدة عسكرية روسية في ميناء طرطوس السوري، بالإضافة إلى القاعدة العسكرية في حميميم باللاذقية، ما يجعل فكرة احتياج روسيا لقاعدة روسية في مصر عملية غير مستبعدة تماما.

وربط مراقبون مصريون بين طرح موضوع القاعدة الروسية في مصر الآن وعودة السياحة الروسية، التي تلح مصر على ضرورة عودتها، بعد أن أوقفتها موسكو في أعقاب سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء العام الماضي.

وألمح هؤلاء أيضا، إلى أنه ربما تكون هناك علاقة لموضوع القواعد ببناء روسيا محطة نووية لمصر في منطقة الضبعة القريبة من قاعدة سيدي براني على البحر المتوسط.

توافق في الرؤى

ردت البعض من الأوساط السياسية في مصر على ذلك بأن العلاقات المصرية الروسية باتت أشمل وتكاد الرؤية الاستراتيجية تكون متطابقة، وليس ببعيد عن ذلك، الموقف المصري المؤيد لروسيا في تصويت مجلس الأمن مؤخرا، حول الأزمة السورية، حيث أيدت القاهرة مشروع القرار الروسي، والذي تسبب في شرخ بين القاهرة والرياض. والواقع، أنه لا تمكن قراءة خبر تأجير المنشآت المصرية بمعزل عن الرسائل التي اعتادت الدول أن تتبادلها بشكل مبطن، خاصة في ظل حالة الاستقطاب الدولي والإقليمي الحادة، والتي تظهر بوضوح في منطقة الشرق الأوسط، وظهور بوادر لتغيّر خرائط التحالفات فيها، لا سيما في ضوء التنافس الروسي الأميركي داخل المنطقة العربية، ومحاولة كل دولة استيعاب أكبر عدد ممكن من بلدان تلك المنطقة لصالحها.

والملفان السوري والليبي، نموذجان واضحان يبرزان مدى التنافس بين واشنطن وموسكو، ويمثلان صورة لفكرة التحالفات المتغيرة في المنطقة العربية، بحيث يمكن قياس أي تحرك دولي في ميزان التحالفات وفقا لهذين النموذجين، مع دخول دول وكيانات عربية وإسلامية تحت راية هذا التنافس.

وقرأ السفير المصري الأسبق في واشنطن، عبدالرؤوف الريدي، أنباء القاعدة الروسية العسكرية في مصر من زاوية التوتر الأخير بين مصر والسعودية، في أعقاب الموقف المصري من القرارين الروسي والفرنسي في مجلس الأمن، حول الملف السوري، لافتا إلى أن هناك من يريد تعميق الخلاف المصري-السعودي من وراء هذا الخبر.

وقال لـ “العرب”، إن الخبر يعطي انطباعا بأن مصر أصبحت محسوبة بشكل واضح على المعسكر الروسي في مواجهة المعسكر السعودي.

وأوضح أن واشنطن كانت قد طلبت من مصر إنشاء قاعدة جوية أميركية دائمة لها في رأس بناس على البحر الأحمر، إلا أن القاهرة رفضت، وإن كانت لم تمانع في استخدام قوات الانتشار السريع للمنشآت العسكرية في حالات الطوارئ.

وبرأي حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، من الصعب أن تقدم مصر على تأجير منشآتها العسكرية لأحد، لأن هذا التصرف قد يضر بها أكثر مما يفيدها.

وقال لـ”العرب” إن القاهرة مستعدة لتقديم التسهيلات المطلوبة لروسيا دون الحاجة إلى قاعدة عسكرية.

وبين النفي المصري لفكرة إقامة قاعدة عسكرية لروسيا، أو لغير روسيا على أراضيها، وتلميحات البعض إلى أن الأمر يمكن أن يكون غير مستبعد تماما في سياق التعاون المتزايد بين البلدين وتوافق رؤاهما حول الكثير مما يدور في الشرق الأوسط الآن، يبقى الأمر مفتوحا على كل الاحتمالات، وقد يكون المآل الذي سيصل إليه الوضع في سوريا تحديدا، الحاكم في ما ستتخذه الأطراف المختلفة من قرارات.

ولا يستبعد البعض من المتابعين أن نجد أن ثوابت عديدة، أعلنت كل الأطراف مرارا عن تمسكها بها، قد تغيّرت، فالتطورات والأحداث المتسارعة ولعبة التحالفات الخطيرة في المنطقة يمكن أن تفرض أشياء لم تكن مقبولة من قبل.

7