تعايش الثقافات

الأحد 2016/05/22

لم تكن التداعيات التي خلّفتها الحرب العالمية الثانية وحدها سببا مباشرا لإعادة تأسيس مفهوم المواطنة على المستويين القانوني والعملي فمهما بدت الحكومات ليبرالية ومدفوعة إلى نوع من المثالية المدّعاة لكنها تبقى جهازا بيروقراطيا محكوما باشتراطات الواقع التي يتعذّر تجاوزها تحت دافع الأخلاقيات المجردة.

تنادت الحكومات الأوروبية لمناقشة الموضوع برؤية عملية تحت تأثير متطلبات إعادة الإعمار بعد الدمار الهائل الذي خلّفته الحرب، فقامت بتيسير متطلبات الإقامة والهجرة لصنفي العمالة والكفاءات النادرة، بسبب حاجة هذه الدول لاستدراج رؤوس الأموال والاستثمارات الضخمة المطلوبة لإعادة البنى الأساسية في أوروبا وصار للجماعات القومية المهاجرة ثقل سكاني ضاغط لا يمكن تجاهله في معادلة الحقوق والواجبات التي تكفلها الدساتير.

وهكذا، فقد أقدمت هذه الدول على إعادة النظر في الفكر القانوني والدستوري لتعيد تشكيلهما على نحو يتلاءم مع شروط احتكاك الثقافات المتعايشة.

قد يتبادر إلى أذهاننا أن تلك الدول تسعى لمحو السّمات القومية من تراث المهاجرين بدعوى تشجيع عمليات الاندماج وتعزيز نموذج التعددية الثقافية التي تحقق لها غايات براغماتية لخدمة مصلحة الدول ذاتها، يمكننا القول هنا إن ذلك محض إجراء مدروس لتخفيف عوامل الاحتكاك والتنافر بين الثقافات السائدة في البلد الواحد والتقريب بين ثقافات البلد والثقافات الوافدة ممّا يسهّل عملية التلاقح المنتج بينها وتعزيز عوامل الاستقرار لتحقيق مزيد من التطور الاقتصادي.

ولم تكن محاولات تلك الحكومات ناجحة غالبا في مسعى الاندماج فها هي المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تعلن بوضوح مشوب باليأس “إن جهود عقود من عمليات الدمج قد باءت بفشل واضح، وإن الحاجة تفرض علينا إعادة نظر شاملة في برنامج دعم التعددية الثقافية وهو البرنامج المساند للاندماج والتواصل بين الثقافات. وأضيف هنا تجربتي الشخصية في دورة الاندماج التي طلب فيها المحاضر الفرنسي إلينا أن ندع في البيت ذاكرتنا وثقافاتنا وعاداتنا لنكون مواطنين قابلين للاندماج في الشارع والعمل”.

بمعنى ان نتخلى عن جانب أساسي من تركيبة شخصياتنا ومكوناتها ونتقبل إقصاء مخزون ذاكرتنا ونرتضي ثلم وجودنا ووعينا. وكان هذا الشرط أحد أسباب الفشل الذي أشارت إليه ميركل.

نعلم أن أيّ دولة بمواصفات قومية مرشحة لتستحيل دولة شوفينية قامعة للأقليات أو حتى فاشية في حالات محددة فيصبح لزاما كبح جماح النزعة الشوفينية بأطياف وتلوينات ثقافية من خارج فضاء اللون الثقافي الواحد المهيمن للقومية السائدة.

ويبرز هناك جانب نفعي في نموذج التعددية الثقافية يقوم على استغلال الإمكانات البشرية للمكونات الثقافية المحلية أو المهاجرة لكبح انكفائها تحت سطوة الحس القومي الأحادي، كما أن المشكلات الجدية المهددة للإنسانية لم تعد محلية الطابع، بل كونية عابرة للحدود وليس بإمكان أيّ دولة مواجهة هذه المشكلات منفردة، لذا كان لزاما تخفيف القيود القومية الدافعة للانكفاء وخلق الفرص الملائمة أمام عولمة ثقافية تخدم الجنس البشري وتناقض تأثير عولمة رأس المال المتوحش والأسواق المالية المتغوّلة.

وهناك يعتقد أن الارهاب العالمي يبقى المشكلة الأخطر التي تواجه المجتمعات. فقد أظهرت الدراسات المعمقة أن المشكلة في أساسها ثقافية متعددة الوجوه في الأساس، ومن أبرزها الثقافة المتحجرة في البيئات المنغلقة التي يلعب بها مبرمجو العقول الطرية من الدعاة ومروّجي الكراهية على أوتار الحرمان والظلم، ويجري معها تضخيم نزعة دموية ترفض كل مختلف، وتفتي بهدر دمه لعدم اتساقه مع معايير متحجرة حول نمط الكائن المبرمج مسلوب العقل والإرادة.

كاتبة من العراق مقيمة في عمان

11