تعبيرات الإسلام السياسي: صراع السيطرة على تعريف الإسلام

الأربعاء 2013/08/28
تنظيم طالبان نموذج من "الإسلام التكفيري العنيف"

يعرّفُ صادق جلال العظم الإسلام السياسي بأنه «إيديولوجية تعبوية شديدة التأثير مستمدة ومشكلة، بصورة انتقائية وجزئية، من بعض نصوص الإسلام المقدسة ومن عدد من مرجعياته التراثية ومن عدد من سوابقه التاريخية ومن حكاياته المتداولة أبا عن جد، ومن حاضر العجز الإسلامي المزمن ومن هامشية العالم الإسلامي والعالم العربي في مجريات التاريخ الحديث والمعاصر»، ومع أن التعريف السالف كان واضحا إلا أن العظم، شدد أيضا على ضرورة تجنب الخلط بين الإسلام السياسي وبين التدين الشعبي التلقائي للمسلمين، فكلاهما ينهل من معين حضاري وتاريخي وسياسي محدد.

صراع على ضبط مفهوم الإسلام

وفي رصده لتمظهرات الإسلام السياسي وتعبيراته، توصّل العظم إلى أن الإسلام السياسي ليس واحدا أو موحدا، وهو يعني بذلك تنوّع قراءات الإسلام السياسي وتصوراتها لراهن القضايا في الفضاء العربي والإسلامي.

وأدّى هذا «التعدّد» تبعا لذلك إلى نشاة صراع مرير بين الأطروحات الإسلاموية على ضبط مفهوم الإسلام وتحديده، بما يلائم الحاجات السياسية والفكرية لكل مدرسة أو تيار أو تنظيم، وبما يخدمُ مصالحه ومشاريعه.

هنا قسّم صادق جلال العظم تلك الأطراف المتصارعة إلى أطراف ثلاثة تسعى جاهدة وبكل ما أوتيت من وجاهة فكرية إلى السيطرة على تعريف الإسلام، وهي أنظمة سياسية ومؤسسات دينية رسمية تديرها نُخب من رجال الدين تعمل كلها على الدفاع عن ما يمكن تسميته هنا بـ»إسلام الدولة الرسمي» وعلى صياغة توجهاته صياغات مناسبة وفقاً للظروف والأحوال المتبدلة وعلى نشره وبثه عبر الوسائل المتوفرة للدولة وأجهزتها.

وقدم صادق جلال العظم مثالا معبّرا عن ذلك وهو النموذج الإيراني المنطلق من عقيدة أساسية هي «ولاية الفقيه»، المدعومة بجبروت الدولة وبطش أجهزتها الأمنية المتنوعة وقوة أموالها، والملاحظ هنا أن هذه الوسائل (جميعها) تفيد في نشر هذا التصوّر للإسلام داخليا وخارجيا، كما يمكن أيضا تحديد طريقة النشر والإشاعة عبر تحديد الوسيلة، فهي وسائل ترغيب أحيانا (عبر المال ووسائل الإعلام) وهي كذلك وسائل ترهيب عبر قوة الدولة الباطشة وأجهزتها الأمنية.

أما الطرف الثاني في هذا الصراع على ضبط معنى الإسلام فهو ما أسماه صادق جلال العظم «الإسلام الأصولي الطالباني التكفيري العنيف»، الذي يتوفّرُ بدوره على عقيدة خاصة به وهي «الحاكميّة». ونلاحظ هنا أن هذا «الإسلام الطالباني التكفيري» يشتركُ جزئيا مع الإخوان في استناده إلى مبدأ الحاكمية، انطلاقا من التماهي بين مبادئ «الإسلام هو الحلّ» و»أستاذية العالم العالم» و»إسلام التنظيم وجاهلية من عاداه» (وجميعها أرضيات فكرية تقف عليها جماعة الإخوان) مع مبدأ الحاكمية.

وأشار صادق جلال العظم إلى «منجز» هذه الرؤية للإسلام، فقال «هذا هو الإسلام الذي احتلّ الكعبة سنة 1979 بقيادة جهيمان العتيبي، واغتال الرئيس أنور السادات سنة 1981، وخاض معارك إرهابية دموية خاسرة في سوريا ومصر والجزائر، وهو الإسلام الذي نفّذ ضربات 11 ايلول/سبتمبر سنة 2001 داخل الولايات المتحدة الأميركية، إنه إسلام يئس إلى حدود العدمية من بلوغ أية أهداف أو تحقيق أية برامج بأي أسلوب أو منهج غير أسلوب ومنهج التكفير والتفجير..».

الطرف الثالث في الصراع على ضبط تعريف «مناسب» للإسلام هو الممثل في الطبقات الوسطى والتجارية، التي أنتجت ما أسماه العظم بـ»إسلام البازار والأسواق المحلية والإقليمية والمعولمة». وهو إسلام معتدل ومحافظ وله مصلحة في الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي وهو غير معنيّ بالمشركين أو بالكفار، ولذلك دعا العظم على تمييزه وعدم دمجه مع «إسلام الحكم المطلق» (ولاية الفقيه) أو «إسلام التكفير والتفجير».


الأمثلة الراهنة لتعريفات الإسلام


الملفتُ للانتباه أن صادق جلال العظم وضع مثالا لكل صنف من أصناف أو أطراف ضبط تعريف الإسلام الذي اعتمده، حيث قدّمَ إسلام الدولة في إيران كمثال أقصى على النمط الأول (أي إسلام الأنظمة السياسية)، ومثال تنظيم طالبان كمثال على الرؤية الأصولية للإسلام وأدمج معها تنظيمات حزب الله وحماس، اللذين يمثلان معا البقية الباقية من حركات التحرر الوطني التي عرفها القرن العشرين، لكن الجديد لدى هذه التنظيمات هو ما شابها من انحدار مذهبي ضيق إلى مستوى أدنى من المستوى الوطني الرحب، ومن نزول طائفي متزمت تحت خط كل معنى من معاني التحرر، وقال أنه يبدو أن «العمليات الانتحارية/الاستشهادية هي المنهج الوحيد الذي بقي لحماس تماماً كما حدث للإسلام الطالباني- القاعدي الذي لم يعد عنده من أسلوب عمل غير أسلوب التكفير والتفجير»

واعتبر أخيرا أن حزب العدالة والتنمية في تركيا يمثل المثال الجليّ على نمط إسلام «البازار» المتسامح الباحث عن رؤية تخدمُ مصالحه وتكرّس الاستقرار الاقتصادي والسياسي، وعلّل ذلك بأن «علامات النجاح البارزة التي تسجّل لإسلام حزب العدالة والتنمية تتمثل في أن نزعته المحافظة لم تبدد نفسها (أو جهدها) في سطحيات «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» بل اهتمت بالمحافظة المتأنية على مؤسسات الدولة الكمالية العلمانية».

ضرورة إستيعاب إسلام «التوتر العالي»

عند محاولته تأصيل تعريفاته الآنفة على راهن التنظيمات والفرق الإسلاموية، أشار صادق جلال العظم إلى أن الإسلام السياسي الإخواني الذي هيمن على الساحة العربية بعد أحداث الربيع العربي، يترنّح في تعامله سواء مع إسلام الأنظمة السياسية (بنموذجه الإيراني) أو مع إسلام التكفير والتفجير، تبعا لعمق الروابط والصلات التي تجمع الجماعات الإخوانية بالنمطين؛ فدعاة إسلام التكفير والتفجير «إخوة ضلّوا الطريق» حسب التوصيفات الإخوانية.

وهنا نضيف لقرائن صادق جلال العظم، ما يشوب علاقة غخوان تونس ومصر من تردد في حسم المواقف مع التيارات السلفية الجهادية. أما أصحاب إسلام الأنظمة مثل جماعة «ولاية الفقيه» فتجبر جماعات الإخوان على تحمل تدخلهم الزائد وأحيانا إملاءاتهم باعتبار وزنهم الاستراتيجي وثرائهم الفاحش «البترودولاري». لكن الثابت أن الإسلام السياسي الحاكم عربيا مضطر لتحمل هؤلاء وأولئك، تبعا لضغوط ومقتضيات الراهن السياسي، وما حدث في الفترة السابقة لإقالة مرسي كان يتلخّصُ في محاولة عارمة لإعادة تأهيل إسلام الدولة الرسمي وتعديله بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة، ومع انتظارات الأنماط والتعريفات والرؤى الاخرى للإسلام.

اختتم صادق جلال العظم بالقول بان المستقبل يمكنُ في قدرة الإسلام الشعبي التلقائي والإسلام السياسي «البيزنسي» على استيعاب تيارات الإسلام السياسي الأكثر تعنتا وغلوا وأصولية، والتي اعتبرها العظم منحدرة من إسلام «التوتر العالي» الذي يطبع كل مرحلة تاريخية يمر بها بملامحه، كما يطبع مرحلة الثورة بتوتره وتعبيراته القصوى.

وقدّم مثالا راهنا على ذلك يقوم على أن سوريا الثائرة لن تسقط في في «قبضة إسلام ولاية الفقيه أو أسلام الحاكمية ولا في قبضة إسلام المرشد». وهي كلها ملامح متعددة للإسلام السياسي الذي أخضعه العظم للبحث والتمحيص، وتوصّل إلى ضرورة إعلاء القراءات المعتدلة المتسامحة للإسلام، لتحلّ محل التعبيرات المتشنجة المغالية.

13