تعب الحداثة وما بعد الحداثة

قليلون هم الكتاب والشعراء القادرون راهنا على تقديم الإضافة النوعية للابتكارات الأسلوبية والفنية التي ابتكرها الحداثيون الكبار في القرن الماضي.
السبت 2018/08/25
الكاتبة هرتا موللر تكتب بلغة غوته

في آخر زيارة لي إلى مدينة ميونيخ الألمانية التي أقمت فيها حوالي عشرين عاما، جمعتني بأصدقاء مثقفين ألمان جلسة لطيفة في مقهى تظلّله الأشجار الشامخة حمتنا ظلالها من لهب الصيف. ودار الحديث عن الأزمة التي تتخبط فيها الأكاديمية السويدية منذ أشهر طويلة. وقد أشار صديق يتميز بالانفتاح على الثقافات الأخرى، وبمعرفته الواسعة بالأدب العالمي إلى أن أزمة الأكاديمية السويدية قد تكون عائدة أساسا إلى الاختيارات الجديدة في منح جائزة نوبل للآداب. وهو يعتقد أن هناك كتابا نالوا هذه الجائزة خلال العقد الأخير من دون أن يكونوا يتمتعون قبل ذلك بالشهرة العالمية التي تؤهلهم لذلك. وبحسب رأيه هذا هو حال الكاتبة هرتا موللر الرومانية التي تكتب بلغة غوته.

وفي جل أعمالها، اهتمت هذه الكاتبة بالأقليات الثقافية المهددة بالانقراض في أوروبا الموحدة.

كما فضَحت هرتا موللر الاستبداد السياسي الذي كانت تعاني منه رومانيا في زمن تشاوسيسكو. وبسبب مواقفها الجريئة، تعرّضت هذه الكاتبة للقهر والإذلال، ولم تتخلص من كل ذلك إلاّ بعد أن لجأت إلى برلين قبل انهيار الجدار.

ويرى صديقي أن حالة هرتا موللر تنطبق أيضا على حالة الكاتبة الروسية الكسيفيتش سفيتلانا التي حازت على جائزة نوبل للآدب عام 2015. فهي أيضا لم تعرف الشهرة قبل نيلها للجائزة المذكورة. وهي نفسها تقرّ بأنها لم تكتب سوى كتاب واحد فيه روت قصة “الروح الروسية” وما تعرضت له خلال العقود التي أعقبت الثورة البلشفية. وجلّ أعمالها هي عبارة عن تحقيقات مطولة عن دور النساء الروسيات في الحرب الكونية الثانية، وعمّا تسميه بـ”الرجل الأحمر”، وهو الإنسان الروسي الذي عاش في ظل النظام الشيوعي، وعن كارثة تشرنوبيل، وعن ظواهر أخرى اجتماعية وثقافية وسياسية.

الأكاديمية السويدية أصبحت تولي اهتماما كبيرا لكتاب وشعراء لم تعد تعنيهم لا الحداثة ولا ما بعد الحداثة، ولا هدف لهم سوى ابتكار أدوات فنية وأسلوبية تنسجم مع تطورات العصر

والحقيقة أن الأكاديمية السويدية شرعت منذ مطلع الألفية الجديدة في التخلي عن البعض من مقاييس اختياراتها منذ أن غيّب الموت أغلب أعضائها القدامى المتأثرين بالمدارس والتيّارت الأدبية التي كانت رائجة في القرن العشرين. ولعل الأعضاء الجدد يعتقدون أن أعمال “الكبار” أصبحت من الماضي، وأن القراء الذين يقبلون على قراءة أعمال أدبية صعبة مثل أعمال جيمس جويس ومارسيل بروست وفيرجينيا وولف، وويليام فوكنر، وجون دوس باسوس، وصامويل بيكت، وأندريه بروتون، وإزرا باوند وغيرهم من الكتاب الذين أحدثوا “ثورة” في مجال الكتابة الروائية أو الشعرية باتوا نادرين.

ومع التطور الهائل الذي شهدته وتشهده التقنيات ووسائل الاتصال الحديثة، تغيرت نواميس القراءة، وأصبح القراء يميلون إلى الروايات السهلة التي تمتعهم بقصص جميلة، وتعرفهم بظواهر اجتماعية وسياسية وثقافية من دون تعقيد. لذلك، بدأ الاهتمام بالحداثة وما بعد الحداثة وبكل المدارس والتيارات التي تفرعت عنهما يشهد تقلصا كبيرا خلال العقدين الأولين من الألفية الجديدة.

قد يكون الكتاب والشعراء القادرون راهنا على تقديم الإضافة النوعية للابتكارات الأسلوبية والفنية التي ابتكرها الحداثيون الكبار في القرن الماضي قليلين. وربما لهذا السبب أصبحت الأكاديمية السويدية تولي اهتماما كبيرا لكتاب وشعراء لم تعد تعنيهم لا الحداثة ولا ما بعد الحداثة، ولا هدف لهم سوى ابتكار أدوات فنية وأسلوبية تنسجم مع تطورات العصر، ومع قراء مفتونين بوسائل الاتصال الحديثة.

15