تعثر المفاوضات يحبط أمل الانتقال الديمقراطي في السودان

المجلس العسكري يثمن مبادرة الوساطة الإثيوبية ويؤكد انفتاحه على التفاوض للوصول إلى تفاهمات مرضية تقود إلى تحقيق التوافق الوطني.
الأحد 2019/06/09
المشهد التالي كان الاعتقال

أوقفت قوات الأمن في السودان اثنين من قادة الحركة الاحتجاجية بعد ساعات قليلة من لقائهما رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد الذي زار الخرطوم في إطار جهود وساطة يقوم بها بهدف حل الأزمة بين المحتجين والمجلس العسكري. وزاد هذا الاعتقال الشكوك بشأن تحقيق انتقال ديمقراطي وسلمي للسلطة، وهو الهدف الذي بات صعب التحقيق أيضا في ظل تواصل حملة القمع ضد المحتجين لاسيما بعد فض الاعتصام أمام مقر الجيش في العاصمة الخرطوم بطريقة وحشية.

 الخرطوم – في الشارع الرئيسي أمام مقرّ القيادة العامة للجيش في الخرطوم، حيث اعتصم الآلاف من المتظاهرين على مدى شهرين، خيام هابطة أرضا بعضها متفحّم وأغراض مبعثرة وأمل في تحقيق انتقال ديمقراطي للسلطة في السودان أحبطته، الاثنين، حملة قمع دامية.

وعشية عيد الفطر، قام عدد كبير من المسلحين يرتدون بزات عسكرية، عند الفجر بتفريق وحشي لاعتصام تقيمه حركة الاحتجاج منذ السادس من أبريل.

واعتقل اثنان من قادة حركة الاحتجاج، في وقت مبكر من يوم السبت، بعد وقت قصير من لقائهما رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال زيارته للخرطوم في محاولة للتوسط بين طرفي النزاع. والتقى آبي أحمد، الجمعة، قادة الجيش والمحتجين في محاولة لإحياء المباحثات بين الطرفين بعد مقتل العشرات من المتظاهرين في حملة قمع دموية في العاصمة الأسبوع الماضي.

والتقى آبي وفدا يمثل المعارضة ضم المعارضين محمد عصمت وإسماعيل جلاب القيادي في الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال. وقال مساعدوهما إنّ قوات الأمن السودانية أوقفتهما لاحقا من دون ذكر أي تفاصيل.

وصرّح مساعد لعصمت “عندما خرجنا من مبنى سفارة إثيوبيا (الجمعة بعد لقاء آبي) أوقفت سيارة فيها مسلحين محمد عصمت وأخذته إلى جهة لا نعلمها ودون أن يقدموا أي تفاصيل”.

واعتقل جلاب من منزله صباح السبت. وقال رشيد أنوار من الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال إنه عند “الساعة الثالثة من صباح السبت حضر إلى إقامتنا سيارة فيها مجموعة من المسلحين وأخذوا إسماعيل جلاب إلى جهة غير معلومة”.

وعصمت وجلاب من قيادات تحالف الحرية والتغيير الذي يضم أحزابا معارضة ومجموعات متمردة مع قادة الاحتجاجات التي تهزّ السودان منذ ديسمبر الماضي.

وأوضح المصدر نفسه أن مبارك أردول الناطق باسم الحركة، الفرع الشمالي من حركة تمرد جنوبية سابقة، أيضا اقتيد إلى “جهة غير معلومة”.

وكانت قوات الأمن “أوقفت”، الأربعاء، نائب رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان-شمال من منزله في الخرطوم ياسر عرمان الذي كان قد عاد إلى العاصمة السودانية من منفاه أواخر الشهر الماضي.

وكان المتظاهرون قد نجحوا في إنهاء الحكم الدكتاتوري في السودان مسرّعين بسقوط الرئيس عمر البشير الذي أقاله الجيش في 11 أبريل بعد ثلاثين عاما في الحكم. وواصلوا بعدها اعتصامهم مطالبين العسكريين بتسليم السلطة إلى المدنيين.

وبعد أن انتهجت قوات الأمن السودانية سياسة ضبط النفس إلى حد كبير، غيرت أسلوب تعاملها مع الاحتجاجات. وأظهرت مقاطع مصورة انتشرت على الإنترنت متظاهرين يحاولون الفرار، بعضهم يحمل مصابين بأذرعهم أو على أسرّة متنقلة.

وأحصت لجنة أطباء السودان المركزية المشاركة في حركة الاحتجاج، مقتل 113 وإصابة أكثر من 500 آخرين، فيما تحدّثت السلطات عن 61 قتيلا.

وبحسب اللجنة، انتُشلت 40 جثة من مياه نهر النيل. وندد “تجمع المهنيين السودانيين”، أبرز مكونات تحالف الحرية والتغيير الذي يقود الحركة الاحتجاجية، بـ“المجزرة الدموية”.

وبالنسبة للمحتجين، ليس هناك أدنى شكّ في أن المسؤول عن هذا القمع الدموي هم عناصر “قوات الدعم السريع” التي يعتبرون أنها منبثقة عن ميليشيا الجنجويد المتهمة بارتكاب فظائع خلال الحرب الأهلية في إقليم دارفور (غرب).

ويقود هذه القوات المسلحة، أحد رجلين أصبحا الأقوى في البلاد مؤخرا: الفريق أول محمد حمدان دقلو المعروف بـ“حميدتي”، وهو قائد سابق لميليشيات بثت الرعب في إقليم دارفور وأصبح نائب رئيس المجلس العسكري الحاكم منذ الإطاحة بالبشير. ويترأس المجلس العسكري الانتقالي، الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان. وحاليا، يواجه الجنرالات ضغطا يمارسه المجتمع الدولي للتخلي بسرعة عن الحكم.

اعتقال اثنين من قادة الاحتجاج بعد لقائهما رئيس الوزراء الإثيوبي في الخرطوم
اعتقال اثنين من قادة الاحتجاج بعد لقائهما رئيس الوزراء الإثيوبي في الخرطوم

وكان الاتحاد الأفريقي قد علق، الخميس، عضوية السودان “إلى حين إقامة سلطة مدنية انتقالية بشكل فعلي”. ورحب الاتحاد الأوروبي بهذه المبادرة. وكانت الأمم المتحدة وواشنطن ولندن وفرنسا نددت بحملة القمع ودعت إلى استئناف الحوار.

وبعد أعمال العنف، رفض قادة الاحتجاجات أي حوار مع المجلس العسكري. وكانت المفاوضات بين العسكريين وقادة الاحتجاجات عُلّقت في العشرين من مايو إذ أن الطرفين لم يتمكنا من التوصل إلى اتفاق بشأن رئاسة وتشكيلة المجلس السيادي الذي يُفترض أن يدير المرحلة الانتقالية.

وبعد الوساطة الإثيوبية، أعلن تحالف “قوى إعلان الحرية والتغيير” أن محادثات جديدة مع قادة الجيش لن تتم إلا في حال استوفيت شروط معينة هي “الاعتراف بوزر الجريمة” التي ارتكبت في ساحة الاعتصام وتحرير المعتقلين و”سحب المظاهر العسكرية من الطرقات”.

وأصدر المجلس العسكري الانتقالي بيانا، السبت، وجه فيه الشكر لإثيوبيا على جهود الوساطة. وجاء في البيان، الذي نشرته وكالة السودان للأنباء، أن “المجلس العسكري إذ يثمن هذه المبادرة يؤكد انفتاحه وحرصه على التفاوض للوصول إلى تفاهمات مرضية تقود إلى تحقيق التوافق الوطني والعبور بالفترة الانتقالية إلى بر الأمان”.

ومنذ فض الاعتصام، بقيت شوارع الخرطوم شبه خالية وقال عدد من السكان إنهم يعيشون “حالة رعب”. وفي الأيام الأخيرة، انتشر عناصر من “قوات الدعم السريع” في شوارع العاصمة.

ولا يمكن الوصول إلى موقع الاعتصام وهو يخضع لمراقبة الجيش و”قوات الدعم السريع”. وقد أزيلت المتاريس المؤقتة التي أقامها المتظاهرون لمنع قوات النظام من العبور.

إلا أن حركة الاحتجاج التي انطلقت عقب قرار الحكومة رفع سعر الخبز ثلاثة أضعاف، تأمل في استنهاض حركتها. ويرى مراقبون أن هناك خطرا حقيقيا من أن ينزلق الوضع إلى حرب أهلية.

وبعد ثلاثة أيام على فضّ الاعتصام، أعادت محال تجارية فتح أبوابها في الخرطوم. ووقف السودانيون من جديد في طوابير أمام المراكز التجارية في بلد يعاني من نقص في كل المواد ومن اقتصاد ضعيف ومعدل تضخم متزايد.

3