تعثّر الحرب على داعش في العراق

الحماس الشديد الذي رافق الإعلان الرسمي عن إطلاق معركة استعادة محافظة الأنبار العراقية منتصف يوليو الماضي يخبو بشدّة بعد أن تبيّن أن الحرب تراوح مكانها في المحافظة، فيما تتراجع المكاسب التي تحقّقت بفعلها في مناطق أخرى.
الجمعة 2015/08/28
حلم الانتصار السريع في الأنبار تحول إلى كابوس للقوات المسلحة والحشد الشعبي

بغداد - نعى الجيش العراقي أمس، إثنين من كبار قادته قُتلا في هجوم بسيارة مفخخة شنه تنظيم داعش قرب مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، وجاء ليكشف حجم العثرات والمصاعب التي تواجهها الحرب على التنظيم بعد فورة الحماس التي رافقت إطلاق حملة الأنبار في الثالث عشر من شهر يوليو الماضي وبشّرت بنصر مضمون وسريع.

وفي محاولة للحدّ من تأثير الحادثة على معنويات القوات المقاتلة حرص رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أمس، على حضور الجنازة الرسمية التي أقامتها وزارة الدفاع للضابطين القتيلين؛ اللواء الركن عبدالرحمن أبورغيف قائد عمليات الأنبار، والعميد الركن سفين عبدالمجيد قائد الفرقة العاشرة.

ويصف متابعون لسير المعارك ضدّ تنظيم داعش في مختلف أنحاء العراق، معنويات القوات المقاتلة سواء من الجيش والشرطة، أو من ميليشيات الحشد الشعبي بـ”الضعيفة” لعدّة أسباب من بينها ضحالة النتائج المتحقّقة على الأرض وكثرة الخسائر البشرية في صفوف تلك القوات والتي طالت حتى أصحاب الرتب العالية، فضلا عن المشاكل في توصيل الإمدادات إلى الجبهات، والتأخر في دفع مستحقات المقاتلين بسبب الأزمة المالية الحادّة.

كما لا ينفصل التراجع في معنويات المقاتلين العراقيين عن الوضع السياسي في البلاد والذي طغت عليه قضية الفساد ومحاربته. وقالت مصادر عراقية إن مقاتلين شيعة ضمن الحشد الشعبي قد فتر حماسهم للقتال بشكل كبير برواج أنباء عن فساد قياداتهم وإمكانية خضوعهم للمحاسبة.

وبشأن تأثير الأزمة المالية على المجهود الحربي في العراق ذكرت وكالة العباسية نيوز عن مصادر مقربة من مستشار الأمن الوطني ورئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض أن عددا من قادة فصائل الحشد طلبوا منه نقل رسالة إلى رئيس مجلس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي تتضمن رغبتهم في الاجتماع به لتدارس أوضاع مقاتلي الحشد والسعي إلى تقليص فصائله بعد تضخمها وعدم قدرة قادته على تأمين احتياجات أكثر من 100 ألف منتسب ومقاتل ومستخدم ينتمون إلى تشكيلاته التي بلغت حتى نهاية يوليو الماضي 38 فصيلا.

تقدم بطيء في الأنبار وعودة المواجهات إلى ديالى وانتكاسة في بيجي وخفوت الحماس لمعركة الموصل

ونقل مراسل الوكالة ذاتها عن مراقبين سياسيين وعسكريين في بغداد أن قوات الحشد الشعبي التي تتشكل من عدد من الميليشيات الشيعية قد فقدت في الأشهر القليلة الماضية زخمها الطائفي الذي كان الدافع الأساسي لتوجهها إلى المناطق والمحافظات السنية، بعد أن فقدت أعدادا كبيرة من قادتها وعناصرها في القتال ضد مسلحي تنظيم داعش وعدم تلبية احتياجاتها من ذخيرة وأسلحة ورواتب وطعام وعلاج، إضافة إلى ظهور فوارق بين فصيل وآخر في الأجور والامتيازات.

ولا تبدو القوات المسلّحة أحسن حالا من ميليشيات الحشد الشعبي التي تعمها الفوضى، حيث هزّ فيديو بثه موقع السومرية الإخباري الرأي العام العراقي بشدّة، حين أظهر جنديا عراقيا يتوجّه للمسؤولين بنداء استغاثة بعد أن عجز عن إيصال كاسحة ألغام إلى جبهة الأنبار بفعل نفاد الوقود ورفض القادة تزويده به، مؤكّدا أنه قاد العربة لمسافات طويلة بوقود اشتراه من ماله الخاص، وأنه قطع المسافة صحبة مرافقه وهما أعزلين تماما من أي سلاح.

وبعد مضي شهر ونصف على إطلاق حملة استعادة الأنبار لم تنجح القوات المشاركة في الحرب من جيش وشرطة وميليشيات شيعية، في تحقيق إنجاز يذكر عدا بعض الاختراقات الجزئية المحدودة في بعض مناطق المحافظة والتي لا تناسب بحسب الخبراء العسكريين، حجم القوات المسخّرة للمعركة.

وتعمل القيادات العسكرية العراقية على إبراز الحصار المضروب على تنظيم داعش في الأنبار باعتباره إنجازا، لكن الوقائع تؤكّد أن التنظيم لم يفقد قوّته هناك ومازال قادرا على المبادرة ما يعني نجاحه في اختراق الحصار وتلقي إمدادات من خارج المحافظة.

تعمل القيادات العسكرية العراقية على إبراز الحصار المضروب على تنظيم داعش في الأنبار باعتباره إنجازا

ومثّل مقتل الضابطين أمس، دليلا عمليا على احتفاظ التنظيم بالقدرة على توجيه ضربات موجعة للقوات العراقية، وامتلاكه الوسائل البشرية والمادية اللازمة لذلك من أسلحة ومتفجرات و”خبراء” تفخيخ العربات التي استخدمت أمس إحداها في الهجوم الذي شنّه بمنطقة ناظم التقسيم شمال مدينة الرمادي على المجموعة التي كانت تضم القائدين القتيلين صحبة عدد من الجنود الذين سقط بعضهم جرحى جرّاء الهجوم.

ولا يتعلّق تعثّر الجهد الحربي فقط بعدم تحقيق تقدم في استرجاع المناطق من يد تنظيم داعش، بل إنّ تراجعا يسجّل في مناطق سبق أن أعلنت “محرّرة” من التنظيم مثل محافظة ديالى التي عادت مناطقها بشكل واضح ساحة مواجهات خصوصا بين داعش والميليشيات الشيعية، فيما المحافظة الواقعة بشرق البلاد كانت من أوائل المناطق التي أعلن فيها “النصر” على التنظيم منذ يناير الماضي.

وفي محافظة صلاح الدين التي تمكنت القوات العراقية المدعومة بميليشيات الحشد الشعبي من استعادة مركزها مدينة تكريت منذ أواخر مارس الماضي، بدت تلك القوات عاجزة منذ ذلك الحين على استكمال استعادة مناطق شمال المحافظة يتخذ تنظيم داعش منها ملاذات حصينة.

بل تحوّلت منطقة بيجي التي تضم أكبر مصافي النفط في البلاد “محرقة” لمقاتلي الحشد الشعبي الذين باتوا ينصحون المتطوّعين الجدد بعدم التوجّه إليها.

وفي ظل كل ذلك فتر الحماس وتراجعت الدعوات التي “توهّجت” مع إطلاق معركة الأنبار والمنادية بالإسراع باستعادة مدينة الموصل مركز محافظة نينوى، وبدا سكان المدينة والكثير من مناطق المحافظة متروكين لمصيرهم في مواجهة جرائم التنظيم وفظائعه التي يرتكبها في حقّهم بشكل يومي.

3