تعددت الأسماء والشر واحد

الأربعاء 2014/03/26

إنّ المسلم العادي، غير المتفقّه في الدّين، والذي لا علم له بخفايا الأمور، رجل الشارع كما تسمّيه الصّحافة، وهي تسمية خاطئة، هذا المسلم العادي يحار في أمره أمام كثرة الأسماء والمسمّيات، وغزارة الكلام والخطابات، فلا يدري لمن يستمع، ومن يصدّق، فكلّهم يتكلّمون عن الدّين وباسمه، وينسب لنفسه الصّواب ودين الحق، بينما الإسلام لديه ولدى الناس أجمعين، دين واحد من ربّ واحد أحد، لا فرق فيه إلا بالتقوى والعمل الصّالح.

لكنّ المواطن المسلم وغير المسلم، يسمع أسماء تردّدها أبواق جديدة ودخيلة، فمن إخوان مسلمين يتشدّقون بالسلفيين يستعينون، وعلى الجهاديين يعوّلون، وبأنصار الشريعة ينتصرون، جميعهم في بلدان العرب يرتعون، كأنّهم بين أناس لا يفقهون، جهلة ملحدون، وهم في الحقيقة مسلمون، لأوامر الله طائعون، من كلّ هؤلاء المدّعين يسخرون، لأنّ منصّبي أنفسهم أئمّة ناسون أو متناسون، ما بهذه البلدان من حصون، بها حرّاس ساهرون على الدّين الحقّ يذودون، صمدوا ويصمدون، لكلّ معتد أثيم.ففي أقصى المغرب القرويون، بجوارهم العلماء المسلمون، من قبلهم الزيتونيّون، وأمثالهم من معهد أحمد باشا خريجون، وأبناء الأزهر يتوّجون، كلّهم يكوّنون جيشا جنوده مخلصون، في دفاعهم عن دينهم صادقون.

هل بعد هذا يبقى مكان للمدّعين، الذين حرّفوا المفاهيم باسم الدّين، حتى أتوا بالانتحاريين، والإرهابيين، والقتلة المجرمين، دون الحصول على ما تشتمّ منه رائحة الإسلام العبقة، أو تلمس فيه مبادئه السّمحاء، فلا صدق، ولا وفاء، ولا سلم، ولا سلام، ولا علم، ولا عدل، بل ترهيب وتخويف وتهديد وتحريف.

المضحك المبكي، هو أن نرى غيرنا قد عمل بما أشار به ديننا مثل “يا معشر الجنّ والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السّماوات والأرض، فانفذوا، لا تنفذون إلاّ بسلطان”. فسارعوا إلى سلطان الإرادة فارتدوا عباءته، وإلى سلطان العلم فأتقنوه، وإلى سلطان المال فجمعوه، فها هم يجوبون الفضاء، ويمشون على سطح القمر، وقريبا سينزلون المرّيخ، بينما نحن نناقش، جنس الملائكة إناثا كانوا أم ذكورا، حتى طلع علينا فقهاء تلك الجماعات بتقليعة الإفتاء، فخوّلوه لمن أراد منهم، فأتوا بالمضحكات المبكيات.

نسي هؤلاء المفترون، أنّ الإفتاء له شروطه، أساسها العلم بكتاب الله وسنّة رسوله، والعلوم المتعلقة بهما، ومعرفة بأصول الفقه وقواعده، وأصول اللغة وقواعدها، وبالأحكام الشرعية، وغير هذا من علوم مساعدة كالنحو والصرف والبلاغة والمنطق. لكنّ ابتعادهم عن الدين الحق جعلهم يأتون بالمنكرات كقولهم إنّ البحر مذكر، فالمرأة زانية إن هي سبحت فيه. فما قولهم يا ترى إذا علموا أنّ بعض الشعوب بحرها مؤنث، مثل الفرنسيين والإسبان مثلا، فهل يزنى الرّجال إن سبحوا بتلك البحار؟ وما قولهم في النساء في هذه الحالة؟ أهنّ زانيات مع أختهنّ البحر؟ سيظنّ المطّلع على ما هو قارئه أنّ الأمر لَهْوٌ ومزاح بينما هو، ويا للأسف، حقيقة مرّة وواقع أليم.

واقع قوم ضلّوا ويضلّلون، فتراهم في كلّ واد يهيمون، بأقوالهم وأفعالهم يعبثون، وهم على الدين وعلى كلّ مفهوم معتدون. أليس من المبكي، ونحن نعيش ما نعيشه، وتقاسي سوريا ما تقاسيه من ضحايا وجروح ودماء، أن يخرج لنا منها حكم يدّعي أصحابه صدوره عن الهيئة الشرعيّة بحلب، مختوم وموقع من رئيس الهيئة، رقمه 12، وجاء فيه بعد البسملة والحمدلة أنّ “الهيئة حرّمت قتل القمل الذي يظهر في لحية المسلم…” شارحا الأسباب، واصفا اللحى والقمل، وهو ما لا أجرأ على نقله، فأكتفي بهذا القدر من نصّ البلاغ، لأنّ ما جاء فيه بعد هذا أخجل حتى من إعادة ذكره.

ألا يعلم هؤلاء الذين نصّبوا أنفسهم أئمة على المسلمين أنّ النظافة من الإيمان؟ ألم يقرأوا في كتاب الله، إن هم قرأوه أو فقهوه، أنّ الله يحبّ المتطهرين؟ لا إنّ لهم غير ما للناس جميعا، لذا هم وراء ما يصبون إليه من سلطة وتسلط بكلّ زور يتسلحون، وعن الصّواب عمدا يحيدون.

إن لم يكونوا كذلك، كيف تفسّر الفتوى التي تكرّمت بها دار الإفتاء بليبيا، الضحية المسكينة، فتوى أقلّ ما توصف به هو تعمّد عدم التأكد وضعف التحقيق، وهو ما جعل بعض الخُلَّص من المسلمين المؤمنين، يعارضون ويحتجون.

سأنقل مقتطفات من ردّ أحدهم وهو الشيخ محمد المختار التركي، صاحب كتاب «في رحاب العقيدة» على هذه الفتوى الغريبة ونقدها، يقول: «الخلط واضح والسطحية في الفهم قاتلة والغفلة في الإدراك والتأويل سيطرت على كل الذين وقّعوا الفتوى. كون الذي عرض التساؤل أخطأ في التعبير أثناء العرض هذا حدث.. لكن المبرر لغفلة دار الإفتاء ومفتي عام ليبيا غير مقبول.. فمن الذي حرّف الكلم عن مواضعه؟ لست أدري لمصلحة من قامت دار الإفتاء بهذا العمل وهذا الجهد المضني في البحث لبلوغ المعرفة. مع العلم بأن الموضوع غاية في الوضوح والبساطة فلماذا أحيط به هذا التلبيس..».

يا علماء دار الإفتاء، يا سادة يا ورثة الأنبياء، لم يعد الإسلام قضايا زواج واحدة أو أربع وطلاق وصلاة وصيام وحج وعمرات متوالية، والمحتاجون يتضورون جوعا، والمرضى يموتون وأمراض اليوم تحتاج إلى مال كثير والمرضى لا يملكون. إن الذي لا يزال يعتقد بأن هذا هو الإسلام فقط، واهم جاهل. الإسلام دعوة عالمية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. أمام هذا أين دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا- بلغوا عني ولو آية- فما هو مفهوم علماء دار الإفتاء لهذا الحديث؟ فلابد أن نخرج من دائرة التكفير والانغلاق. إن نبينا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، ولا توجد رحمة أعظم من نعمة العلم والمعرفة التي ما عرفناها إلا في دائرة التحريم والحرام.

بورك فيك يا أخي في الله، لكن اعلم أنهم عن كلّ ما هو للدين بعيدون، لأنهم لا شيء غير السلطة والحكم يريدون. ليتهم أصابوا عندما حكموا، لكنهم فشلوا فمالوا لغير ما أوصى به الله من عدل وسماحة وإعطاء كلّ ذي حق حقه. ليس أدلّ على فشلهم وطغيانهم وخروجهم عن الصراط المستقيم، أكثر ممّا أتوه في مصر ويأتون، وما هم في ليبيا الجريحة فاعلون. لكن، ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل “يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متمّ نوره ولو كره الكافرون”. صدق الله العظيم.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9