تعددية

الأربعاء 2017/10/25

“هل تأكدتِ أخيرا بأنه متعدد؟”.. أحدث نفسي وأنا متيقنة من أنه الآن مع أخرى.. هو يحلف بأنه مشغول وبأنه يمرّ بأزمات حقيقية ويحتاج بعض الوقت لإعادة النظر في حياته ومستقبله.. وأنا أتصرف بكل ما أوتيت من حكمة وأمومة وأنا أضحك في سري!.. لأنني أعرف حتى متى ينام ومتى يصحو ومتى يكون بخير ومتى لا يكون.. أحس بنبضه وأشمّ رائحة الشوق فيه ورائحة اللهفة أو الملل.. وأيضا رائحة الأخرى حينما تمر به..!

إذن فهو يريد الانسحاب مرة أخرى تماما مثل أول مرة حينما ادّعى النبل وانسحب متبجحا ومتذرعا بألف حجة!.. في تلك المرة كنت أحاول أن أصدق ادّعاءاته.. على الرغم من أحاسيسي التي كانت تسير بعكس اتجاه أساليبه العجيبة في إقناعي.. بلى لم أكن مقتنعة.. لكنني كنت أرضخ بلا نقاش.. فحبي له وثقتي به وبنفسي وبحبنا كانت أكبر حتى من صدق أحاسيسي..

كنت قد نسيت ربما تلك الحكمة العظيمة التي تؤكد أن من يتبعْ صوت قلبه ينجُ.. وتحديدا حينما نكون صادقين.. وقد كنت ومازلت صادقة مع نفسي ومعه.. أتصرف بما تمليه علي روحي من محبة وتقبّل.. فهل كان هذا وحده كافيا لقتلي؟.. كم جلدت نفسي وكم اتهمتها بالسذاجة والغفلة!.. وكم دفعت من ثمن باهض ألما ومرضا لكي أتعلم المغفرة لنفسي ولسواي.. وكي أتعلم النهوض من جديد.. وألا أغفل صوت قلبي..

ولذا فقد صرت اليوم أقوى.. فلا يمكن لأحد أن يتعلم بلا ثمن.. والقوة والنجاح والتجاوز والوصول إلى الحكمة إنما تتطلب الكثير من التعب والخيبات والفقد لكي نكون أهلا لها.. ولذلك أيضا فإنني في هذه المرة كسبت نفسي وقوتي مرتين بينما خسرني هو مرتين!.. لأنني لم أعد أتألم.. ولم أعد أصدق ما يقال قدر تصديقي لمشاعري..

حينما عدت إليه.. بعد توسلاته وبكائه الطويل.. كنت قد استعدت حبي وثقتي بنفسي لكنني لم أستطع أن أستعيد ثقتي به.. كنت أحب.. أنا التي لم تعرف أن تحب سواه طالما هو غائب.. وكان إحساسي به وبحبه لا يقبل الجدل والنقاش.. بيد أن إحساس التقبّـل هذه المرة كان قد جعل الأشياء أمامي أكثر وضوحا.. وكان الرجل/ التمثال قد أصبح جزءا من الماضي.. كنت أتعامل مع الرجل/ الإنسان الذي يرتكب الأخطاء ويضعف ويكذب ويندم ويتغير.. ولم أكن أتوجس أو أخاف ذلك اليوم الذي سيهجرني فيه من جديد.. لأنني بحكم كل ما مرّ بي كنت قد ألغيت القلق بقرار..!

واليوم وبعد الذي حدث بيننا وإذ أجد الماضي يعيد نفسه وأجد لغة انسحابه وتبجحاته هي ذاتها.. فإنني لن أكذب أحاسيسي هذه المرة.. لأنني أدركت أخيرا بأن قدري جعلني أحب رجلا لا تكفيه امرأة واحدة.. وأنه لن يتغير مهما فعلت..

والمفاجأة هنا ستكون في داخلي.. وإذ عاد هو إلى عهده الأول فإنني لن أعود إلى صدمتي به.. بل سأنسحب بصمت دون أن أبكيه.. فقد بنيت في داخلي أهراما وزقورات وسدودا من القوة والمحبة تكفيني لتغني عالمي وتجعلني واحدة مكتملة ليست بحاجة لوجود الآخر المؤلم.. ولا يمكن لها أن تتبع أحدا أو أن تنتمي لسوى ذاتها.. ومهما فعل الآخر فهو ليس أنا.. ولن يجعلني أكون سواي..

شاعرة عراقية

21