تعدد الزوجات

الأحد 2016/07/17

أن يرغب رجل بتعدد الزوجات حالة يمكن فهمها، رغم معارضتي ومعارضة الكثيرين لها، لكن أن ترغب زوجة بتعدد الزوجات وتطالب زوجها بأن يتزوج امرأة ثانية، وربما ثالثة، فهذه حالة مرضية وتمثل قمة الذل واحتقار المرأة لنفسها، وإيمانها أن الرجل متفوّق عليها ويتمتع بحقوق وامتيازات لا تتمتع هي بها. وقد حضرت عدة مرات برامج وثائقية ومن صميم الواقع، لنساء يتكلمن بعفوية وفرح بأنهن يرغبن بأن يتزوج أزواجهن زوجة ثانية، وسوف أختصر الأسباب التي دفعت كلا منهن لتمني الزوجة الثانية.

قالت إحداهن وهي تتكلم الفرنسية (لأنها ولدت وتعيش في فرنسا) بأنها تتمنى لو يتزوّج زوجها امرأة أخرى لتؤنسها في البيت، وكي تحمي زوجها من إقامة علاقات جنسية عابرة. كانت تتكلم وسط أولادها الأربعة، وأكبرهم لا يتجاوز التاسعة من عمره. وقالت أخرى بأنه من الضروري أن يتزوج زوجها امرأة ثانية (وكانت تتكلم الفرنسية أيضا) كي تساعدها في تربية أولادها والأهم في الحفاظ على الدين الحنيف! وقالت ثالثة بأن من واجبها حين يرغب زوجها بالزواج بامرأة ثانية أن تساعده في اختيار الشريكة المُناسبة لأن هذا حقّ شرعي له في الدين. وعرضت عدة برامج تلفزيونية لحالات تعدد الزوجات في بيت واحد. وكم أحسست بالخزي والقهر وأنا أتابع حديث ضرتين كل منهما حامل، وهما جالستان بجانب بعضهما ويتحدثان عن الانسجام بينهما.

لن أخوض في النص القرآني الذي يختلف عليه الكثيرون حول السماح أو عدم السماح بتعدد الزوجات، فما يعنيني هنا هو نظرة المرأة لنفسها، وعدم إحساسها بكرامتها كإنسانة مساوية تماما للرجل رغم الاختلاف الفيزيولوجي بينهما، لكنهما متساويان في القيمة الإنسانية وفي تقدير الإنسان لذاته، فأيّ حجج خاطئة ومُهينة قدمتها تلك النسوة؟ وهل الزواج بامرأة ثانية يُساعدها في الحفاظ على الدين الإسلامي الحنيف! كيف تُزرع أفكار كهذه في عقول الكثيرات؟ ألا يكفي الأمّ أن تكون فاضلة ومؤمنة وتؤمن بقدراتها على تنشئة أطفالها تنشئة سليمة وتعلمهم بمساعدة زوجها القيم النبيلة والأخلاقية في الدين؟

هل وجود زوجة ثانية يدعمها ويساندها في ترسيخ مبادئ الدين لدى أولادها؟ ألا يخطر ببالها شعور أطفالها وتشويه أفكارهم حين يجدون أمهم التي تربيهم هي عدوّة نفسها وهي من تقبل أن تُهان كرامتها وتكون في مرتبة أدنى من الرجل، وتُظهر سعادتها بهذا الوضع؟ وهل يُعقل أن تكون هناك شراكة في الحب والزواج في الوقت ذاته! أيّ إهانة للمرأة (الإنسانة) أن تشاركها امرأة ثانية زوجها مُغيبة منطقها وكرامتها بعبارة “هذا حق للرجل”، ومؤمنة سلفا بدونيتها والأهم أنها ستكون نموذجا للحط من الكرامة والنظرة الدونية للمرأة في تربية أولاده. وما الغاية من هذه البرامج التلفزيونية التي يتابعها الملايين وأكثر من يتأثر بها المراهقون، فكم من مراهق يحضر هكذا برامج يؤمن أن من حقه ومن الطبيعي أن يعدد الزوجات حين يكبر، وكم من مراهقة تتأثر بكلام تلك النسوة وينشأن على القبول بحق الرجل في تعدد الزوجات؟

والغريب أن معظم هذه البرامج لم تُشر إلى الآثار السلبية والمُدمّرة نفسيا والمضللة لجيل الأطفال والمراهقين والشباب، فثمة حالات كارثية من تعدّد الزوجات، العداء بين الزوجتين والكره والتنافس بين الإخوة الذين لهم أب واحد لكن كل منهم من زوجة.. ولا أنسى تلك الحادثة المأساوية حين كنت مناوبة في المشفى وطُلبت لحالة إسعافية لشابين أحدهما انفقأت عينه بضربة سكين، والآخر أصيبت رئته اليمنى بالإنخماص بضربة سكين أيضا وتبين أنهما أخوان من ضرّتين، وكل أمّ زرعت الحقد والكره للإخوة من ضرّتها، وتبين أن الشابين تقاتلا وأصاب كل منهما الآخر بسبب طمع كل منهما بدكان يملكها والدهما.

الخطورة الأكبر في تلك البرامج أنها غالبا ما تستضيف مثقفات وحاصلات على شهادات عالية في علم الاجتماع ويبرّرن تعدد الزوجات كحق للرجل، ولا يذكرن أن النص القرآني الكريم حدّد شروطا معينة لهذا التعدد، وبأنه ذكر صراحة بأن الرجال لن يعدلوا بين الزوجات، أي أنه عمليا يمنعه، وللأسف هذه الظاهرة -تعدد الزوجات- كأنها انتعشت في السنوات الأخيرة في عالمنا العربي، والكثير من الفنانين والمثقفين يبرّرونها ويشجعونها كحلّ للعنوسة، وبأن عدد النساء أصبح يفوق بكثير عدد الشبان، وأحد هؤلاء الفنانين الراحل نور الشريف (ففي أحد مسلسلاته كان تاجرا ثريا يجمع أربع زوجات في بيت واحد وكلهن يتنافس عليه)، رحمه الله ذكر صراحة بأن لا حل لمشكلة العنوسة عند المرأة سوى تعدد الزوجات خاصة في مجتمعاتنا العربية المحافظة ولكي تكتمل فرحة كل شابة بإنجاب طفل والإحساس بالإشباع العاطفي والجنسي.

بل إن إحدى الباحثات والحاصلة على شهادة الدكتوراه أيضا في علم الفقه وعلم الاجتماع بررت ودافعت عن حق الرجل في تعدد الزوجات لأن غريزته الجنسية أقوى من غريزة المرأة ولأن المرأة تمر بحالات فيزيولوجية تكون فيها مُقصّرة في علاقتها الجنسية مع زوجها، كما لو أن أساس الزواج مجرد علاقة جنسية! أما المودة والاحترام والمشاركة فهي في مرتبة أدنى. كما أن اعتبار الرجل مجرد كائن جنسي هو إهانة لإنسانيته أيضا، لأن الرجل المتمتع بإنسانيته يحترم المرأة ويقدّس علاقتهما معا ولا يرضى أن يتزوج عليها.

وقد أثبت العلم أن الغريزة الجنسية متساوية بين الرجل والمرأة. وأذكر هنا الكتاب الرائع الذي ألفته الطبيبة نفسانية هي إيدا لوشان عن أزمة منتصف العمر وبينت أن الرجال يمرون بها أكثر من النساء.

وأكثر ما يُقلقني ويعنيني تلك القيم والمبادئ المهينة لإنسانية الرجل والمرأة، إضافة إلى التلاعب بعقول الشبان والشابات الذين أصبحوا ضحايا لتلك العقلية المُتخلفة التي لا تقوم على المساواة الإنسانية بين المرأة والرجل لأن الرجل الذي يعدد الزوجات هو ضحية عقلية متخلفة أيضا وهو فاقد لكرامته وإنسانيته دون أن يدرك ذلك، لأن أساس الحب الحقيقي لا يقبل الشراكة والتعددية. حبذا لو تتعدد البرامج التي تظهر أخطار ومساوئ تعدد الزوجات من أجل تنشئة جيل جديد يبني حياته على أسس سليمة وإنسانية. وتكون مؤسسة الزواج نموذجا رائعا لاحترام ومحبة ومساواة كلّ من الرجل والمرأة.

كاتبة من سوريا

21