تعدد الزوجات موضوع يعود من جديد

الأحد 2016/10/02
هل قامت الثورات من أجل تعدد الزوجات

من وجهة نظر دينية وإنسانية يعتبر الزواج رابطة بشرية فيها نوع من القداسة، وفي المجتمعات التقليدية كان يعتبر من أهم المشاريع في الحياة. لكن اليوم، وفي مجتمع يعيش على إيقاع العصر وتراجع قيم القرابة والقيم التقليدية الجامعة بين الناس وطغيان قيم الفردية والفردانية أصبح الزواج مجرد محطة في الحياة. وتحوّلنا من مفهوم الزواج كرابطة إلى مفهوم الزواج كمؤسسة وكعقد اجتماعي وقانوني يُبحث فيه عن أكبر عدد من الضمانات وأصبح التركيز على العقد أكثر من التركيز على الشخص الذي سوف نقترن به كما أصبح الزواج نوعا من الوجاهة والصورة.

ورغم ما وصلت إليه المرأة من مكانة علمية واقتصادية وثقافية إلا أن مسألة الزواج في الشعوب الشرقية تبقى المسألة الرئيسية في إقرار مستوى المكانة الاجتماعية والاعتراف الاجتماعي بالمرأة.

هذه الحالة تجعل بعضهن يرضين (طواعية أو مكرهات) على شروط زواج فيها نوع من الحيف في حقّهن. فحين يعجزن عن الظفر بزوج لهنّ وحدهن يرضين بنصف أو ثلث أو ربع رجل تتقاسمنه مع أخريات. فهذه الوضعية بالنسبة إليهن أفضل من لا شيء وأفضل من تلك الصفة العنصرية التي تلصق بهن وهي صفة "العنوسة"، تلك الصفة التي تطلقها المجتمعات الشرقية على كل من لم تتزوج في سن معينة.

فللتخلص من هذه الصفة أو تجنبها ترضى بعض النساء باقتسام زوج مع الأخريات. فالمجتمع الشرقي (بنسائه ورجاله) شديد العنصرية مع غير المتزوجات حيث ينظر إلى الواحدة منهن على أنها نوع من العبء والعار على عائلتها وأقاربها ومعارفها وبالتالي تتراوح ردود فعل المحيط الاجتماعي تجاهها بين التجاهل والازدراء والاحتقار، حيث ينظر إلى عدم الزواج على أنه نوع من النقص أو الإعاقة وكأنّ المرأة لا يقع الاعتراف بها لذاتها وصفاتها وكفاءاتها بل بمجرّد الاقتران برجل يعطيها اسمه.

وبالتالي تعتبر الوظيفة الجنسية والإنجابية والمنزلية وكأنها أهم الوظائف التي خلقت للمرأة مهما ارتقت في سلّم المعارف ومهما تدرجت في المصعد الاجتماعي حيث يصبح كل ذلك لا معنى له بدون زواج. إذن وعلى الرغم من مظهرنا ونمط حياتنا الذي يبدو مدنيا ومتحضرا ومتحررا، فإنه في الحقيقة تحكمنا قيم وموروث ثقافي يحددان خياراتنا وسلوكنا في الحياة بما في ذلك الزواج. فحياتنا اليوم توصف بأنها حياة عصرية تتّسم بإيقاعها السريع وبالحراك الاجتماعي والجغرافي للنساء والرجال نتيجة ارتفاع نسبة التمدرس وتضاعف إمكانيات النفاذ إلى سوق الشغل وتراجع لمكانة الزواج التقليدية في مسار الحياة إلا أن الواقع يشي بعكس ذلك حيث تخلفنا كثيرا في نظرتنا للمرأة مقارنة بالخمسينات والستينات والسبعينات من القرن العشرين.

ومع تأخر سن الزواج وانتشار ظاهرة العنوسة بشكل لافت وصعود حركات الإسلام السياسي للمشهد العام أصبح موضوع تعدد الزوجات جزءا من النقاش العام وهو أمر محيّر بعض الشيء خصوصا أن من يدافع عنه ليس الرجال فقط بل طيف من النساء اللاتي "فاتهن قطار الزواج" ويعتقدن أنّهن بهذه الصيغة يمكن أن يتداركن ما فاتهنّ ويظفرن بأقلّ من رجل.

والغريب أن هناك من استغل هذا الوضع ليؤكد مشروعية طرحه من جديد في العديد من الدول العربية ومنها تونس كفكر وكممارسة وهذا أمر محيّر إذا ما وضعناه في سياقه الاجتماعي والتاريخي والثقافي. فالغريب في الأمر أنه يقع التنظير والتشريع لممارسات وثقافة تندرج في سياق العصور الوسطى بعد أول ثورة مدنية سلمية في الألفية الثالثة وتندرج في سياق مابعد حداثي، ثورة مدنية وسلمية لم يكن من مطالبها هذا المطلب ولم يشارك فيها من يرفعونه الآن وهو مطلب غريب عن المزاج الثقافي والحضاري والاجتماعي في تونس، إذ ينادون به بالتوازي مع الدعوات القائلة بضرورة التراجع عن مكتسبات مجلة الأحوال الشخصية وكأني بالشعوب العربية تسير عكس حركة التاريخ.

باحث في علم الاجتماع

20