تعدد المهام منبع للقلق والاكتئاب واستنزاف للذاكرة

الأربعاء 2014/10/01
فئة الشباب أكثر معاناة من الضغوط التي يسببها الاستخدام السيئ للتقنية

يحدث أن يقوم شخص ما بإرسال رسالة هاتف نصية أثناء استماعه إلى الموسيقى وهو يتحقق من بريده الإلكتروني ويشاهد برنامجه التلفازي المفضل في وقت واحد. يقول المثل الشعبي “صاحب البالين كذاب”، لكن الواقع يؤكد أن إنسان العصر الحديث ربما تجاوز هذا الرقم بمراحل، هذا الإنسان متعدد المهام كما يصفه علماء السلوك قد لا تنطبق عليه صفة “كذاب”، لأنه ببساطة صاحب أكثر من “بالين”. فما هي الصفة المناسبة التي تليق به يا ترى؟

لسنوات عدة، أكدت الدراسات النفسية أن الأشخاص يمكنهم أن ينجزوا عملا واحدا في وقت واحد أو بمعنى أدق يمكنهم استعدادهم العقلي الوظيفي، من التركيز على إنجاز عمل واحد فقط على أتم وجه في وقت محدد وبالتالي فإن تعدد المهام قد لا يخدم مستوى الإنجاز، كما أنه يضاعف من الوقت اللازم لإكمال جميع الواجبات اليومية، فعملية قراءة كتاب قد يشوشها الإنصات إلى حديث جانبي ومحاولة كتابة رسالة قد يعرقلها الاستماع إلى الموسيقى وهكذا.

وترى الدكتورة سوزان واينسجنك، اختصاصية علم النفس السلوكي، في مقالها في العدد الأخير من مجلة “علم النفس” الأميركية، أن الاستثناء الوحيد في هذه القاعدة هو أن يتم إنجاز مهمة حركية بالتزامن مع إنجاز مهمة عقلية، حيث يستطيع البعض أداء تمريناتهم الرياضية ومواصلة الاستماع إلى الموسيقى في آن واحد، إلا أن الأمر ذاته قد لا ينجح إذا حاول أحدهم التحدث في هاتفه النقال أثناء المشي أو إنجاز أحد الأعمال المنزلية، حيث يقل التركيز تدريجيا على إحدى هاتين المهمتين وهذا الأمر ذاته يتكرر في حالة وجود أعمال منزلية متراكمة، وهي المشكلة الرئيسة التي تواجهها معظم ربات البيوت، إذ تعاني معظم السيدات من ضيق الوقت اللازم لإنجاز كل أعمال المنزل، فضلاً عن بعض الوقت المقتطع لتنظيم المتعلقات الشخصية وربما الاستراحة بين أشواط العمل المضني.

الأساسيات تستدعي معظم طاقة المرء للتركيز على العمل أما الأمور الثانوية فيمكنها انتظار دورها على التوالي

وتؤكد الدكتورة وايسجنك أن عملية المفاضلة بين المهام المتعددة من شأنها أن تخفف من الضغوط، حيث يتم انتقاء مهمة رئيسية أو اثنتين وتركيز الانتباه على إنجازها، ومتى ما تم ذلك تصبح المهام الأخرى في مرمى الهدف، فالأساسيات تستدعي معظم طاقة المرء للتركيز على العمل أما الأمور الثانوية فيمكنها انتظار دورها على التوالي.

إلا أن الصورة لا تبدو كذلك عندما يتعلق الأمر باستخدام وسائل التقنية، الهاتف، الكمبيوتر والإنترنت، إضافة إلى التلفاز والكمبيوتر اللوحي، حيث يحلو للكثيرين إدراجها ضمن برنامج عمل واحد معرضين أنفسهم لسلسة من الضغوط النفسية والعصبية التي لا تنتهي.

من ناحية أخرى، تؤكد الأبحاث الحديثة أن الجزء الرمادي في دماغ الإنسان يبدأ بالتناقص تدريجيا مع تعدد المهام التي ينوء بحملها صاحب هذا الدماغ، خاصة إذا كانت هذه المهام تدور في فلك التقنية الحديثة، كعادة البعض في هذه الأيام الذين يستخدمون الهواتف النقالة وأجهزة الكمبيوتر ويشاهدون التلفاز في آن معا.

باحثون في جامعة ساسكس الأميركية، أكدوا أن استخدام وسائل التقنية الحديثة في آن واحد، يتسبب في تغيير بنية أدمغتنا، فقد يؤدي السلوك متعدد المهام بالدماغ إلى التقلص في أجزاء مهمة منه، والأمر الذي يثير القلق هو أن هذا الجزء تحديدا هو المصنع المسؤول عن إنتاج المشاعر. كما أثبتت نتائج البحث أن هنالك ارتباطا واضحا بين تعدد المهام وقلة التركيز، إضافة إلى الاكتئاب، القلق وتدني التحصيل الدراسي في ما يتعلق بتلاميذ المدارس والجامعات.

وخضع المتطوعون في هذه الدراسة، وهم مجموعة من الرجال والنساء الذين يتمتعون بلياقة صحية معقولة، لتجربة تم تعريضهم من خلالها إلى استخدام أكثر من وسيلة تقنية في وقت واحد، تبعها خضوعهم لعملية مسح دماغي أظهرت نتائجها أن المادة الرمادية في أدمغتهم، التي تشغل منطقة معينة داخل تجويف القشرة الدماغية بدت أقل كثافة من المعتاد.

تؤكد الأبحاث الحديثة أن الجزء الرمادي في دماغ الإنسان يبدأ بالتناقص تدريجيا مع تعدد المهام التي ينوء بحملها صاحب هذا الدماغ

كما نبهت نتائج الدراسة الأولى من نوعها التي ربطت بين تعدد المهام وبنية الدماغ، والتي نشرت في دورية “بلوس وان”، إلى أن الفروقات الشخصية بين الأفراد قد تلعب دورا مهما في هذا السياق.

وأشار الدكتور كيب كي لوه وهو أحد المشرفين على الدراسة، إلى أن وسائل التقنية الحديثة أصبحت تشغل مساحة كبيرة في حياتنا اليومية، وما يثير القلق أن تأثيرها على طبيعة حياتنا الاجتماعية وإدراكنا وعملياتنا العقلية عموما بات واضحا ومزعجا.

إلا أن الدكتور لوه شدد على أهمية إجراء مزيد من الأبحاث في هذا المجال، حيث كشف عن وجود بعض الحالات لأشخاص يستطيعون أن يركزوا انتباههم على الرغم من استخدامهم لوسائل متعددة في الوقت نفسه، وعلى الرغم أيضا من ضآلة المادة الرمادية في جزء معين من أدمغتهم.

وكانت نتائج أبحاث سابقة حذرت من التأثيرات السلبية لوسائل التقنية الحديثة على الذاكرة ومستوى الانتباه، كما تبين أن فئة الشباب هي الأكثر معاناة من الضغوط والإجهاد الذي يسببه الاستخدام السيئ لوسائل التقنية.

21