تعدد مهام الإنسان دوران مجهد في حلقة مفرغة

يتعرض معظمنا لواحدة أو أكثر من حالات الإجهاد الشديد بسبب تراكم المسؤوليات وطول قائمة الواجبات التي ينبغي علينا إنجازها في وقت محدد، سواء أكان هذا في العمل أو في المنزل، وقد ينتاب البعض شعور مريع بالقلق والتوتر النفسي بسبب الخوف من عدم القدرة على إنجاز المهام الوظيفية والبيتية على أكمل وجه، أو على الأقل بصورة مرضية. إلا أن الخبراء، يؤكدون على أن الأمر لا يستدعي كل هذا التوتر والشّد العصبي، طالما أن الأمور يمكن تسويتها ببساطة وبخدعة بسيطة واحدة.
الأربعاء 2017/02/22
الطريقة المثلى للشعور بالقلق

تؤكد كارولين ويب؛ مديرة التدريب المهني، في حديثها لمجلة “صحة المرأة” البريطانية، على أهمية تقسيم المهام على “دفعات”، حيث تهدف هذه الخطوة البسيطة إلى تقسيم العمل إلى أجزاء والتركيز على شيء واحد في كل مرة ولوقت معين، بدلاً من العمل تحت ضغط تعدد المهام الذي يتبناه الكثيرون كإجراء غير موفق ومحاولة يائسة للتغلب على ضيق الوقت.

وترى ويب أن الذاكرة النشيطة تستطيع أن تحتفظ بثلاثة إلى أربعة أجزاء من المعلومات في الدماغ البشري على أفضل تقدير، بطريقة تمكنها من السيطرة على فيض المعلومات التي تستخدم لأداء مهام معينة، فإذا اطلعنا على قائمة المهام التي يتوجب علينا إنجازها خلال نهار واحد مثلاً وكان عددها 14، يتوجب علينا في هذه الحالة تقسيمها إلى عدد من الأجزاء كأن تكون 3 مهام في وقت واحد؛ أي التركيز على ثلاث منها فقط ورصد وقت معين لإنجازها معاً وهي محاولة لا بأس بها لزيادة التركيز الذي يضمن أداء أفضل، ويخفف من حدّة التوتر ويختصر الفترة الزمنية للإنجاز في الوقت ذاته.

النساء في ما بين سن 25 إلى 45 عاماً هن الأكثر معاناة من الإجهاد النفسي، الذي يسببه تعدد المهام في العمل إضافة إلى القلق

وتورد الباحثة مثالاً على ذلك؛ وذلك بمحاولة إغلاق الهاتف النقّال لفترة وجيزة من الوقت للقيام بالبحث عن مصادر في الإنترنت في موضوع معين، من متطلبات العمل، أو للإجابة على البريد الإلكتروني وهكذا، حيث يعمل تقسيم المهام إلى أجزاء والتناوب على إنجازها من دون تشتيت وتأثير بقية المهام، على تنظيم عمل الذاكرة وعدم تعريضها إلى الإجهاد بمحاولة تذكر العديد من الأشياء في وقت واحد. وترى ويب أن هذه الطريقة تجعلنا نتحرك خلال إنجاز قائمة المهام بكفاءة أكبر، كما أنها تمكن الذاكرة من العمل بانسيابية ومرونة من دون تغيير مفاجئ في الحالة المزاجية.

وعلى الرغم من أن بعض الأشخاص قد يظهرون براعة واضحة في أداء مهام متعددة في نفس الوقت، إلا أن البحث العلمي يؤكد على أن تعدد المهام مجرد وهم، إذ أن للذاكرة بعض القصور في أوجه عملها بطريقة لا تمكنها من استيعاب معلومات مكثفة في وقت واحد. ويوضح مثال حي من حياتنا اليومية صحة هذه الفكرة؛ إذ أن متخصصين يشددون على ضرورة عدم استخدام راديو السيارة أثناء القيادة خاصة في أوقات الذروة والازدحام المروري، لأن الضوضاء الصادرة عن الموسيقى مثلاً يمكنها أن تشتت تركيز سائق السيارة وقد تزيد من احتمالات التسبب في حوادث مرورية مؤسفة.

وكان أحد الحوادث المرورية الأخيرة الذي تسبب فيه سائق شاحنة أميركي في وفاة أفراد أسرة كاملة، ناتجا عن قلة التركيز لما كان يهم بتبديل قرص الأغاني بجهاز التسجيل بشاحنته في لحظة حاسمة فقد فيها كامل السيطرة على المقود، ما أدى إلى اصطدامه بمجموعة سيارات صغيرة كانت تسير أمامه في شارع مزدحم، وهذا يؤكد بأن القيام بمهمتين في آن واحد من شأنه أن يحدث تشتيتا في التركيز لا تحمد عواقبه.

وأشارت نتائج بحث لمجموعة من المتخصصين في جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأميركية، إلى أن الأشخاص الذين يضطرون إلى القيام بمهام متعددة في أوقات متكررة، يفتقرون إلى الدقة والكفاءة في أعمالهم بسبب تشتت تركيزهم كما أنهم يتسببون في إرهاق ذاكرتهم على المدى البعيد. من ناحية أخرى، أكدت الدراسات في هذا الإطار على أن النساء في ما بين سن 25 إلى 45 عاماً هن الأكثر معاناة من الإجهاد النفسي، الذي يسببه تعدد المهام في العمل، إضافة إلى القلق والاكتئاب، مقارنة بالرجال من نفس الفئات العمرية.

على الرغم من أن بعض الأشخاص قد يظهرون براعة واضحة في أداء مهام متعددة في نفس الوقت، إلا أن البحث العلمي يؤكد على أن تعدد المهام مجرد وهم، إذ أن للذاكرة بعض القصور في أوجه عملها

ويمثل الوقت وكيفية التحكم فيه، المورد الثمين لطمأنة هذا القلق، حيث يتم تبديد ساعات العمل في أحيان كثيرة بسبب تسلط الأفكار القلقة والتوتر والخوف من عدم التمكن من إنجاز المهام والمسؤوليات المنوطة بنا، الأمر الذي يبدو وكأنه دوران مجهد في حلقة مفرغة. وتورد كارولين ويب في كتابها؛ “كيف تحصل على يوم جيد”، بعض اللمسات المهمة في أسلوب حياتنا لتوجيهها في طريق صحيح وناجح حيث تنصح القارئ بأن يفكر كثيراً، ليشعر على نحو أفضل، ثم بإمكانه بعد ذلك أن يغيّر من نمط حياته العملية، وأما تعدد المهام فهي الطريقة المثلى للشعور بالقلق والتعاسة.

وتؤكد ويب على أن علم الأعصاب يوضح بطريقة لا تقبل الشك أن الدماغ البشري الواعي غير مهيأ لفعل أكثر من مهمة واحدة في وقت واحد، ولهذا عندما يتعرض الدماغ إلى ضغوط بسبب تعدد المهام، فهذا يعني بأنه سيرغم على تحويل الانتباه بسرعة كبيرة من شيء إلى آخر، وهذا غير واقعي كما أن الشعور بالتوتر والقلق النفسي والإجهاد والتعب الجسدي في هذه الحالة، ليس مجرد وهم داخلي متخيّل، بل إنه نتيجة الإجهاد الحقيقي الذي يتعرض له الدماغ بسبب محاولته القيام بمهام خارجة عن إطار طاقته الفعلية.

ولأننا نعجز في أغلب الأحيان عن تقليص حجم مهامنا وواجباتنا، يبدو الخيار الوحيد المتوفر أمامنا هو محاولة تجزئتها إلى “قطع” صغيرة يسهل إنجازها منفردة، تماماً مثل محاولة تناول قطعة كبيرة من اللحم المشوي حيث نقوم بتقسيمها إلى قطع صغيرة، يتم تناولها على مراحل ما يسهّل هضمها تدريجياً.

21