تعديلات فيفا تضع الحدادي على أعتاب منتخب المغرب

الأمل يعود للعديد من مواهب كرة القدم من ذوي الجنسية المزدوجة بعد التعديلات الجديدة.
الأحد 2020/09/27
أسد جديد يعزز منتخب المغرب

أحيا الاتحاد الدولي لكرة القدم المسيرة الدولية للاعبين أصحاب الجنسيات المزدوجة أو المتعددة بعدما أقر السماح لهم بتغيير المنتخبات التي سبق ودافعوا عن ألوانها، ولكن بشروط. وصادق الاتحاد الدولي خلال مؤتمره الـ70 عبر الفيديو على توصيات لجنة العمل التي شكلها في سبتمبر 2019 لتعديل القوانين المنظمة لتمثيل اللاعبين لمنتخباتهم الوطنية وذلك بناء على طلب العديد من الاتحادات الوطنية. ويُعدّ لاعب برشلونة الإسباني السابق منير الحدادي ذو الجذور المغربية، أبرز المستفيدين من التعديلات الجديدة.

نيقوسيا – بات بإمكان اللاعب منير الحدادي اللعب لمنتخب المغرب، بعدما ظل مرتبطا بمنتخب إسبانيا الذي شارك معه لبضع دقائق في مباراة في 2014، بموجب تعديل أقره مؤتمر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) الذي عقد في زيورخ عبر الفيديو كونفرانس. وأفادت وسائل إعلام أن التعديل الذي أجراه الاتحاد أحدث بعض المرونة للاعبين الذين يحملون جوازي سفر، ليتمكنوا من تغيير الجنسية الرياضية. ولم يخف الحدادي، المولود لأم إسبانية وأب من مدينة الحسيمية المغربية، رغبته في اللعب للمنتخب المغربي، ولكنه كان يشعر بأنه “رهينة” للمنتخب الإسباني، الذي لم يلعب معه إلا مباراة واحدة في 2014، حين تم اختياره من قبل فييسنتي ديل بوسكي.

وتحدث منير مؤخرا وقال إنه “يسعى للعب للمنتخب (المغربي)”، وكان الحدادي قد رفع علم المغرب والعلم الأمازيغي مع اللاعبين المغربيين ياسين بونو ويوسف النشيري، بعد فوز فريق إشبيلية بالدوري الأوروبي في 23 أغسطس الماضي. ولد منير (25 عاما) في مدريد وانضم لبرشلونة في 2014 وبقي معه عامين حتى تمت إعارته لفالنسيا لثلاثة مواسم. وفي 2019 باعه برشلونة إلى إشبيلية بعقد يستمر حتى 2023.

أكبر مستفيد

يُعدّ لاعب برشلونة الإسباني السابق ذوالجذور المغربية، أبرز المستفيدين من التعديلات الجديدة إن لم يكن هو والاتحاد المغربي للعبة أبرز المطالبين بتغيير القوانين بسبب القضية التي كافحوا من أجلها منذ عام 2018 ورفضتها محكمة التحكيم الرياضي (كاس). وانضم الحدادي إلى الفئات العمرية لبرشلونة عام 2011 بعدما لعب موسما واحدا مع ناشئي أتليتيكو مدريد، قبل أن يشق طريقه إلى الفريق الأول.

ولعب الحدادي (25 عاما) مع المنتخب الإسباني الأول مباراة واحدة في سبتمبر 2014 عندما أشركه مدربها وقتذاك فيسنتي دل بوسكي بديلا في الدقيقة 79 ضد مقدونيا (5-1) ضمن تصفيات كأس أوروبا 2016، وقتها كان في عز انطلاقته الكروية مع الفريق الأول للنادي الكتالوني. وكانت المباراة ضد مقدونيا الأولى والأخيرة للحدادي بألوان أبطال العالم 2010 وأوروبا 2008 و2012، وتزامنت مع فقدانه مركزه في تشكيلة برشلونة الذي أعاره إلى فالنسيا (2016-2017) ثم ديبورتيفو ألافيس (2017-2018).

الاتحاد الدولي اشترط في تعديلاته الجديدة ألا يكون اللاعب قد شارك في أكثر من 3 مباريات كحد أقصى مع المنتخب الذي بدأ معه مسيرته الدولية

الحدادي الذي كان في ذاك الوقت شابا يافعا لم يتجاوز 19 سنة من عمره، أبهرته أجواء منتخب “الماتادور”، وهو الذي كان يشق مساره الكروي بثبات، لكن الصدمة  القوية التي تعرض لها اللاعب، تمثلت في عدم قدرته الاستمرار في الدفاع عن ألوان المنتخب الإسباني، الذي وجد داخله منافسة شديدة، ليدخل في نفق مظلم، زادته حلكة تجاهل الإسبان له في السنوات التي تلت دعوته الأولى للعب في صفوفهم، ما جعل منير يدخل في نوبة غضب وهو الذي كان يعلق آمالا كبيرة، ليس فقط للعب مع منتخب أوروبي عملاق من حجم إسبانيا ولكن من أجل الاستفادة من تمثيل الجارة الإيبيرية، كي ترتفع أسهمه وقيمته التسويقية في سوق الانتقالات.

وتقدّم الحدادي والاتحاد المغربي بطلب إلى الاتحاد الدولي من أجل السماح للاعب إشبيلية الحالي بتغيير جنسيته الرياضية والمشاركة مع “أسود الأطلس” في مونديال 2018 حيث أوقعته القرعة في مواجهة إسبانيا بالذات والبرتغال بطلة أوروبا وإيران. ولقي طلب الحدادي رفضا من الاتحاد الدولي في 13 مارس 2018 واستأنف أمام محكمة التحكيم الرياضي التي رفضته بدورها مشيرة إلى أن القرار الصادر عن الفيفا “تم تثبيته، وطلب تغيير الجنسية الرياضية لمنير الحدادي من الإسبانية إلى المغربية لا يزال مرفوضا”.

وتنفس الحدادي والاتحاد المغربي الصعداء بالمصادقة على التعديلات الجديدة والتي ستفتح له الباب للانضمام إلى صفوف المنتخب المغربي مطلع الشهر المقبل لخوض المباراتين الدوليتين الوديتين ضد السنغال والكونغو الديمقراطية في 9 و13 أكتوبر، ليرافق زميليه في الفريق الأندلسي حارس المرمى ياسين بونو والمهاجم يوسف النصيري اللذين تألقا معه في التتويج بلقب مسابقة الدوري الأوروبي “يوروبا ليغ” هذا الصيف.

كما أن التعديلات ستمكن المغرب من الاستفادة من لاعبين آخرين سبق لهما الدفاع عن ألوان منتخبات أخرى أبرزهم مهاجم أستون فيلا الإنجليزي أنور الغازي الذي لعب مباراتين مع المنتخب الهولندي في تصفيات كأس أوروبا 2016 التي فشل في بلوغ نهائياتها، وجناح أندرلخت البلجيكي زكرياء البقالي الذي لعب بدوره مباراتين مع المنتخب البلجيكي (ودية ومباراة في تصفيات مونديال 2014).

توصل الجهاز الفني للمنتخب المغربي بقيادة وحيد خليلوزيتش، إلى اتفاق مع منير الحدادي لاعب إشبيلية، ليتواجد في معسكر الأسود المقبل، الذي سيخوض وديتين أمام السنغال والكونغو منتصف أكتوبر المقبل. وسيكون الحدادي متواجدا في المعسكر، حتى لو لم تستكمل إجراءات تأهيله القانونية لدى الفيفا لتمثيل المنتخب المغربي. وفي نفس الوقت، يدرس اتحاد الكرة المغربي استقطاب عدد من المحترفين من أبناء المهجر الذين اختاروا في السابق تمثيل منتخبات البلدان التي ينشطون في دورياتها المحلية.

وفي حديثه عن قضية الحدادي، عبر القائد السابق للمنتخب المغربي نورالدين نيبت -الذي أصبح مدير المنتخبات الوطنية- عن تفاؤله، وتابع في حديث صحافي “تحدثت إلى منير بعد نهائي الدوري الأوروبي، إنه مغربي فخور، نحن متفائلون بشأن التغييرات التي اقترحها الفيفا، والتي قد تسمح له بتمثيل المغرب في يوم من الأيام”.

مسار ناجح

الحدادي  أبرز المستفيدين من التعديلات الجديدة
الحدادي  أبرز المستفيدين من التعديلات الجديدة

بعد مرحلة قصيرة ضمن مدرسة كالاباكار انتقل منير الحدادي إلى ناد آخر  للتكوين أكثر تنظيما وشهرة وهي مدرسة سانتا آنا المرتبطة في علاقاتها مع أكاديميات كبار الأندية الإسبانية.. عام واحد كان كافيا لتلتقطه العيون الخبيرة لمنقبي أتليتيكو مدريد فضموه للنادي العريق وفضلوا إلحاقه في نفس الوقت  بفتيان أكاديمية رايو ماخاداهوندا .. هناك سيفجّر ابن “خايمي” كل مواهبه على خط التماس الأيسر.. جناح لفت الأنظار بلمسته للكرة وذكائه في المراوغة وسرعته في الانطلاق والاختراق ودقته في التمرير وأيضا بهدوئه المميز في تسجيل الأهداف. في موسم واحد سجل 32 هدفا من أصل 16 مباراة فكان ذلك إيذانا ببداية تهافت أندية كبرى عليه.

وجاءت رايو فايكانو وأوساسونا و ريال مدريد والبارسا ومانشستر سيتي تريد خطف الموهبة الواعدة. وداخل أكاديمية البارسا لم يجد الفتى صعوبة في الاندماج في عالم غريب عليه. تعلم اللغة سريعا واستوعب آليات النهج التكتيكي الذي يشكل هوية البارسا. طبعه الخجول وميله للهدوء جعلاه منضبطا في حياته خارج لاماسيا ولم تؤثر فيه عوالم برشلونة ولا قدرتها الرهيبة على ابتلاع المراهقين في أجواء الترفيه والعبث.. شيئا فشيئا بدأ يبرز اسمه من خلال مباريات الشبان التي كانت تنقلها قناة البارسا على المباشر وصار الجميع يضعه في أول لائحة الواعدين الذين سيخلفون الجيل الذهبي للبارصا. التحق بالدرجة الأولى بشبان النادي فكان الموعد مع تألق جديد ضمن دوري كأس الاتحاد الأوروبي للشباب حيث فاز بلقب الهداف وأحسن ممرر مع هاتريك في مباراة النهاية أمام بنيفيكا البرتغالي.

بمجرد عودة الفريق إلى برشلونة ألحقه المدرب أوزيبيو بالفريق الثاني للبارصا ولعب مباريات كبيرة أمام خيرونا ومايوركا في نهاية الموسم.. لويس إنريكي مدرب الفريق الأول لم يكن ليفلت الشاب الواعد، ففي سن الثامنة عشرة سافر به إلى المعسكرات الإعدادية موسم 2014-2015، الحدادي وجد نفسه يتدرب مع ميسي وشافي وإنييستا وبيكي وباقي كوكبة النجوم التي صنعت أفضل مراحل البارسا عبر التاريخ.

موسمان مع كبار البارسا جلس فيهما منير على دكة البدلاء مباريات عديدة ولعب أخرى بشكل أساسي.. لعب في البطولة وسجل أهدافا وفي كأس الملك ودوري الأبطال الأوروبية أيضا، في نفس الوقت كان يتردد على المنتخبات الإسبانية للفتيان والشبان وأقل من 21 سنة. ابن “خايمي” وجد نفسه يحمل قميص لاروخا دون سابق تخطيط، حتى انتبه إلى جذوره المغربية عندما اتصل به المسؤولون عن جامعتها والمدرب بادو الزاكي لمناقشته في أمر الالتحاق بمنتخب الكبار للبلاد الأخرى التي يحمل جنسيتها أيضا.

الحدادي والاتحاد المغربي تنفسا الصعداء بالمصادقة على التعديلات الجديدة والتي ستفتح له الباب للانضمام إلى صفوف المنتخب المغربي

مرت على الحدادي وأسرته أيام صعبة لتحديد طريق المستقبل والتخلص من حيرة الاختيار، إما قبول دعوة المغرب وإما انتظار رد فعل إسبانيا.. نصائح متناقضة من هنا وهناك واجتهادات من المقربين في تفسير واقع الكرة في البلدين وطريقة تدبيرها وضغوط من المعجبين ووسائل الإعلام. وضع الحيرة في الاختيار بين طريقين كان يعتقد منير أن الناخب الوطني الإسباني قد أنقذه منه باستدعائه للعب مباراة رسمية مع كبار لاروخا في ماسيدونيا برسم إقصائيات كأس أوروبا للأمم 2016، كان إجراء ماكرا من المدرب ديل بوسكي عندما أشركه في 13 دقيقة الأخيرة من المباراة ليقطع الطريق على بادو الزاكي لضمه إلى المنتخب الوطني المغربي ويضمن بقاء الشاب الواعد قانونيا وإلى الأبد رهن إشارة إسبانيا في المستقبل.

أكمل الحدادي موسمه الثاني مع البارسا وذهب بعدها إلى فالينسيا ولعب معها موسما متوسطا سجل فيه سبعة أهداف وغاب مباريات كثيرة، الشيء الذي دفعه إلى تغيير الوجهة إلى ألافيس ومنها إشبيلية حيث استعاد مع المدرب خوليان لوبيتيغي ثقته في إمكانياته نتيجة الإحباط النفسي الذي أصيب به بعد واقعة ماسيدونيا وما تلاها من تجاهل في استدعائه لمباريات أخرى مع المنتخب الإسباني.

بارقة أمل

واشترط الاتحاد الدولي في تعديلاته الجديدة ألا يكون اللاعب قد شارك في أكثر من 3 مباريات كحد أقصى مع المنتخب الذي بدأ معه مسيرته الدولية، بما في ذلك مباريات التصفيات المؤهلة إلى المنافسات العالمية والقارية، وذلك قبل بلوغه سن الحادية والعشرين، بالإضافة إلى عدم مشاركته في بطولة دولية أو قارية مثل كأس العالم أو كأس أوروبا. ولم يكن الاتحاد الدولي يسمح في لوائحه السابقة، لأي لاعب بتغيير منتخبه الوطني، في حال مثّل المنتخب الأول في مباريات لتصفيات قارية، حتى لمباراة واحدة رسمية.

وتشكل التعديلات الجديدة للاتحاد الدولي بارقة أمل للعديد من المواهب الكروية التي أصيبت بالإحباط عقب استبعادها من صفوف المنتخبات التي قررت تمثيلها للمرة الأولى وأغلبها من القارة العجوز، وهي التي كانت تعلق آمالا كبيرة ليس فقط على اللعب مع منتخب أوروبي عملاق ولكن من أجل رفع أسهمها وقيمته التسويقية في سوق الانتقالات.

وتعاني المواهب الصاعدة وخصوصا من القارتين الأميركية الجنوبية والأفريقية من ضغوط كبيرة وقت اتخاذها قرار تمثيل منتخباتها الأصلية أو الإقامة بالنظر إلى صغر سنها وطموحاتها الكبيرة، فضلا عن ضغوط من ممثلي الأندية التي يدافعون عن ألوانها والذين يعرضونهم إلى الابتزاز إلى درجة تهديدهم بفقدان مراكزهم في صفوف أنديتهم.

22