تعديل الدستور ورقة تبون لفرض رؤيته لمستقبل الحكم

السلطة الجزائرية تتجه من خلال تعديل الدستور إلى مقاربة بعيدة عن طموحات المحتجين مما يكرس حالة القطيعة المستشرية بين الطرفين ويبقي البلاد في حكم المجهول.
الاثنين 2020/02/24
الهوة عميقة بين الشارع والسلطة

الجزائر- أبدى الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون، رهانا على تعديل الدستور من أجل احتواء غضب الشارع الذي دخل عامه الثاني، خلال الرسالة التي وجهها إلى احتفالية الذكرى الـ30 لهيئة المجلس الدستوري، وهو ما يوحي بأن السلطة غير مستعدة لتقديم تنازلات سياسية جديدة تلبية لمطالب الاحتجاجات.

وأكد الرئيس عبدالمجيد تبون، على أن “تعديل الدستور يهدف إلى بناء دولة قوية وتجنيبها الاضطرابات التي تنخر البلدان الشقيقة والصديقة، رفقة العديد من دول العالم الذي يشهد تحولات عميقة”، في إشارة إلى ليبيا وسوريا واليمن.. وغيرها.

ويبدو أن السلطة ما زالت متمسكة بأوراق الخوف من مصير الدول المذكورة رغم إشادتها بالحراك الشعبي، والتنويه بطابعه السلمي، مما يوحي بأنها غير مستعدة في الظرف الراهن إلى التعاطي المباشر مع المطالب المرفوعة منذ أكثر من عام في الشارع الجزائري.

وذكر في رسالته التي تلاها على الحضور مستشاره بوعلام بوعلام، بأن ” فكرة تعديل الدستور تعديلا عميقا وشاملا، والتي عبرنا عنها قبل الانتخابات الرئاسية وبعدها، باعتبارها خطوة أساسية نحو الجمهورية الجديدة التي نؤمن بضرورة بنائها والتي يحتل فيها تعديل الدستور أولوية، وأن الهدف المتوخى منه هو دولة قوية يتساوى فيها المواطنون أمام القانون، ويمارسون فيها حقوقهم بكل حرية في إطار القانون”.

وأضاف “إن التعديل الدستوري يهدف أيضا إلى مساندة ومرافقة مسار انفتاح المجتمع الجزائري على العصرنة في ظل احترام قيمه الحضارية والعمل على الحفاظ على استقراره، وتجنيبه الاضطرابات التي تنخر البلدان الشقيقة والصديقة التي تحيط بنا رفقة العديد من دول العالم الذي يشهد تحولات عميقة”.

الرئيس الجزائري لم يبد أي نية في التعاطي المباشر مع المطالب السياسية المرفوعة في الشارع منذ أكثر من عام

وجاءت رسالة الرئيس الجزائري في أعقاب إحياء الجزائريين، الجمعة والسبت الماضيين، الذكرى الأولى لانطلاق الحراك الشعبي، باحتجاجات ومسيرات عارمة عمت العاصمة ومختلف مدن ومحافظات البلاد، وتزامنت مع اجتماع مجلس الوزراء في قصر المرادية.

وحسب بيان للرئاسة فإن مجلس الوزراء سيعكف على دراسة مشروع قانون يجرم خطاب الكراهية والعنصرية، الذي أعد مشروعه وزير العدل بلقاسم زغماتي، فضلا عن ملفات اقتصادية أخرى تتعلق بالعقار الصناعي وتسيير المناطق الصناعية، وبعث تنمية الأنشطة الثقافية والإنتاج الثقافي، والصناعة السينمائية والسياحة والصناعات التقليدية.

وكان الرئيس عبدالمجيد تبون، قد أوكل مهمة ورشة تعديل الدستور إلى لجنة من الخبراء والمختصين، وفتح مشاورات سياسية مع أحزاب سياسية وشخصيات مستقلة، كان آخرها قادة كبرى الأحزاب الإخوانية عبدالرزاق مقري وعبدالله جاب الله.

وأوضح في رسالته أن بلاده “تستعد اليوم لتعديل دستورها بمنهجية مدروسة حيث تزامن انطلاق مشاورات مع شخصيات وطنية حول هذا المسعى أساسا مع تكليف لجنة صياغة أوكلت لها مهمة تحضير تعديل الدستور، والتي تتشكل من خبراء ذوي مستوى علمي رفيع على أن يعقب ذلك نقاش واسع لمناقشته داخل البرلمان، والتي ستبث مباشرة على مختلف وسائل الإعلام حتى يدرك المواطن ويشارك في النقاش حول مختلف محاور التعديل، كما سيشمل النقاش أيضا مختلف شرائح الطبقة السياسية والمجتمع المدني”.

وأضاف “إن منهجيتنا في تجسيد هذه النظرة تقوم على أسس متينة وثابتة بعيدا عن أي تصدع أو تحريف أو ارتجال، الأمر الذي من شأنه تجنيب بلادنا التي عانت من ويلات ومآسي الإرهاب واللااستقرار وعبر شعبنا عن رفضها جملة وتفصيلا”.

ولفت إلى أنه “بنفس هذه النظرة تسعى الجزائر وأعلنت أنها لن تدخر أي جهد في سبيل إحلال السلم والاستقرار وحل النزاعات وبؤر التوتر سواء في البلدان المجاورة كمالي وليبيا أو في أي مكان آخر في أفريقيا وباقي أصقاع العالم، وهو مبدأ راسخ في السياسة الخارجية للدولة الجزائرية”.

السلطة ما زالت متمسكة بأوراق الخوف من مصير الدول المذكورة رغم إشادتها بالحراك الشعبي، والتنويه بطابعه السلمي
السلطة ما زالت متمسكة بأوراق الخوف من مصير الدول المذكورة رغم إشادتها بالحراك الشعبي، والتنويه بطابعه السلمي

وكانت الجزائر قد أقرت في هذا الشأن إطلاق صندوق مالي لمساعدة دول الساحل الصحراوي على تحقيق التنمية، ومساعدتها في الحرب على الإرهاب، كما وجهت دعوة إلى الأطراف الليبية المتنازعة إلى حوار سياسي على أراضيها ينهي الأزمة التي تتخبط فيها البلاد، منذ سقوط نظام معمر القذافي.

وأوضح أن “تعديل الدستور يمليه التزامنا بضرورة التعبير عن طموحات الشعب إزاء التغيرات التي أفرزها الحراك الشعبي، والذي أكدت في كل مرة التزامي بتلبية مطالبه وكل المستجدات التي ترتبت عن الواقع الجديد لبلادنا على المستوى السياسي، الاجتماعي والاقتصادي”.

وشدد على أن خيار مراجعة الدستور يعدّ محطة أولى ضمن رؤية شاملة ترمي إلى تعزيز الصرح المؤسساتي للدولة ويصب في مسعى تمكين مجتمعنا من التحرر تدريجيا والتحكم في مقاييس العصرنة في إطار قيمنا الحضارية، وهذا الخيار يعبّر بحق عن بناء مشروع مجتمع عصري بدأنا إنجازه بخطى حثيثة وثابتة، مشروع مجتمع يقوم أولا وقبل كل شيء على تعزيز وتدعيم الانسجام والوفاق الوطني انطلاقا من إعداد دستور يقوم على مرتكزات وجدت توافقا وطنيا حولها”.

ولم يبد تبون في رسالته أي نية في التعاطي المباشر مع المطالب السياسية المرفوعة في الشارع منذ أكثر من عام، ويبدو أن السلطة تتجه إلى مقاربة بعيدة عن طموحات المحتجين، مما يكرس حالة القطيعة المستشرية بين الطرفين، ويبقي البلاد في حكم المجهول.

4