تعديل السياسات التركية شرط لتحسين العلاقة مع دول الخليج

الخميس 2015/06/11
عودة سعودية قوية إلى الساحة الإقليمية تجبر تركيا على إعادة حساباتها

واشنطن - أضحت العلاقات الناشئة بين تركيا ودول الخليج العربي، وخاصة المملكة العربية السعودية وقطر، في حاجة إلى وضعها في الإطار الإقليمي الأوسع قصد تحليلها على ضوء الديناميات الإقليمية المتغيرة في الشرق الأوسط، وفق ورقة بحثية للباحث التركي عمر تاسبينار، ومدير المشروع التركي في مؤسسة بروكنغز بواشنطن، صادرة عن معهد دول الخليج العربي للأبحاث في واشنطن.

ولطالما تأثرت العلاقات التركية الخليجية بالعوامل الطارئة التي تشهدها المنطقة، ولا شكّ أنّ جملة من العوامل المتعلقة بالحرب القائمة في سوريا، والثورة المصرية التي أطاحت بنظام محمد مرسي، وظهور تنظيم داعش، وكذلك نزعات إيران التوسعية وطموحاتها النووية، والتوترات الطائفية السنية الشيعية، والدور المستقبلي للتنظيم الإخوان المسلمين، تعدّ شديدة الأهمية ولها تأثيرها المباشر على علاقات تركيا بالمملكة السعودية والدول الخليجية عموما.

ولا شكّ أنّ طموحات إيران النووية وتنامي النفوذ الإيراني في بلدان عربية عديدة شأن العراق وسوريا ولبنان، ومؤخرا اليمن، تعتبر من أكبر التحديات الماثلة أمام حفظ السعوديين والخليجيين عموما لأمنهم القومي، وهو ما يجب أن يفهمه الأتراك وأن يحسبوا له ألف حساب إذا ما أرادوا تحسين علاقاتهم مع الخليجيين.

وإضافة إلى هذه المخاوف الأمنية الجيوستراتيجية، هناك عوامل تاريخية وأيديولوجية وإثنية تؤثر أيضا على العلاقات السعودية – الإيرانية، يجب على تركيا أن تفهمها، فإيران بغضّ النظر عن كونها دولة شيعية هي في ذات الوقت دولة فارسية ما زالت تطمح إلى إعادة أمجاد قديمة على حساب العرب.

وتعود الصراعات الإثنية بين الفرس والعرب إلى تاريخ يسبق كثيرا تاريخ تحول إيران إلى دولة شيعية، قبل 500 سنة. ولا يقل العنصر الإثني في الصراع بين إيران والسعودية وزنا عن أي عنصر ديني.

وبالرغم من أنّ تركيا ليست لاعبا مباشرا في هذا الصراع العربي الفارسي، إلاّ أن الغطرسة الفارسية الإقليمية، تاريخيا، كانت تشكّل مصدر قلق كبير للإمبراطورية العثمانية، لكن وعلى الرغم من ذلك فإنّ النظرة العربية، للأتراك لم تكن إيجابية بالإجماع في السنوات الماضية، بسبب عدم وضوح المواقف والسياسات التركية، على الرغم من توجهها نحو التحسن في الفترة الأخيرة.
عمر تاسبينار: تركيا مطالبة بأن تتبنى رؤية واقعية لتوازن القوى المستجدة في المنطقة

ومع انطلاق ثورات ما سمّي بـ”الربيع العربي” سنة 2011، تسبب دعم حزب العدالة والتنمية التركي برئاسة رجب طيب أردوغان، القوي، للجماعات الإسلامية المتفرعة عن الإخوان المسلمين في العالم العربي، الذين رفضتهم إرادة أغلب شعوب المنطقة وتمّت الإطاحة بحكمهم في مصر عن طريق ثورة شعبية، فيما أبعدهم الشعب التونسي عن الحكم عن طريق الانتخابات، بزيادة منسوب التوتر في العلاقات بين الأتراك والبلدان العربية وعلى رأسها دول الخليج العربي، كما تسبب أيضا في زيادة عزلة تركيا عن محيطها الإقليمي.

ومع تطور الأحداث في الشرق الأوسط وتنامي التهديد الإيراني، خاصة بعد التمرد الذي قاده الحوثيون (الموالون لإيران) في اليمن وأخذ السعودية بزمام الأمور في التصدي إليهم عسكريا عبر قيادتها لتحالف عربي سني، وجدت تركيا نفسها في عزلة أعمق عن المنطقة، ممّا دفعها إلى بذل المزيد من الجهود لتحسين علاقتها مع السعوديين. لكن من دون أن تعدّل تركيا موقفها من الإخوان المسلمين ومن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، من غير المتوقع أن تتحسن علاقاتها مع مصر، وبالتالي ستبقى علاقاتها ببقية الدول الخليجية ضعيفة.

وقد كانت نقطة التحول في الرؤية التركية الكبرى المتعلقة بالسعي وراء تكوين "مجال نفوذ عثماني جديد" لتحدث مع انطلاق ما سمّي بـ"الربيع العربي" في سنة 2011، لكن الغرور والحماس اللذين كانا وراء إظهار حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان لتركيا على أنّها "زعيمة العالم العربي المتحول نحو الديمقراطية"، أدّيا إلى أخطاء استراتيجية فادحة، خاصة بعد تعويلهم على الإخوان.

وأمام الإخفاق الذي مني به الإخوان المسلمون في مصر وتونس ودول عربية أخرى واندلاع الحرب الأهلية في سوريا، يبدو أنه آن الأوان لحزب العدالة والتنمية، الذي فشل مؤخرا ولأول مرّة منذ 13 عاما في الانفراد بالحكم عبر الانتخابات، لكي يتخلى عن رؤيته المغرقة في المثالية لمصلحة مقاربة أكثر واقعية، خاصّة أنّ تلك الرؤية الأردوغانية “العثمانية الجديدة”، قد باءت بالفشل.
لذلك فتركيا مطالبة، اليوم، بأن تتبنى رؤيا أكثر واقعية لتوازن القوى المستجدة في المنطقة، وهذا يتطلب منها السعي إلى تحسين علاقاتها بشكل جيد مع الدول العربية وخاصة الخليجية من خلال إرساء توجه جديد في سياستها الخارجية. توجّه يجب أن يقطع حتما مع الرومانسية الإسلامية المرتبطة بالإخوان المسلمين أولا وقبل كلّ شيء.
6