تعديل النظام الانتخابي لتونس بين الجديّة والحسابات الحزبية

القانون بصيغته الحالية يسمح بمشاركة الجميع لكن لا يتضمن أغلبية تحكم ولا معارضة تعارض.
الثلاثاء 2021/01/12
اختبار جديد بانتظار القوى السياسية

تتصاعد وتيرة الدعوات المنادية بمراجعة النظام القانوني للانتخابات في تونس، في ظل الواقع السياسي الذي تغذيه الصراعات والمناكفات بين الأحزاب. وبينما تتبنى أطراف فكرة إضفاء تعديلات عميقة على النظام الحالي بعد أن أثبتت الممارسة الفعلية فشله، تذهب جهات أخرى إلى ضرورة إحداث تغيير جذري عله يسهم في إعادة تصحيح مسار ترسيخ أسس الديمقراطية الناشئة.

تونس - تشكو المنظومة القانونية للانتخابات في تونس من نقائص عدّة، جعلتها محلّ انتقادات لاذعة من موعد انتخابي إلى آخر، ولذلك يجمع المتابعون على ضرورة تغيير أسسها، الأمر الذي يجعل المسألة برمتها محصورة بين جدية الآليات الممكنة لذلك وبين الحسابات الحزبية.

ويناقش الخبراء والمختصون منذ سنوات تداعيات اعتماد نظام الانتخاب النسبي الحالي، والذي أدى إلى الجمود مما أساء إلى الطبقة السياسية وإلى سمعة الأحزاب كما أضعف السلطة الحاكمة والمعارضة.

ويرى مراقبون أن دعوات التغيير كان يجب أن تطرح بقوّة مع ظهور نتائج تقرير محكمة المحاسبات بشأن مراقبة الانتخابات التشريعية والرئاسية لعام 2019، والتي كشفت خروقات حزبية كثيرة، وأن مسألة إصلاح النظام الانتخابي بمختلف عناصره وفي مقدمتها تعديل القانون الانتخابي باتت ضرورة ملحّة أكثر من أي وقت مضى.

دوافع التعديلات

نبيل حجي: وسائل العمل السياسي مختلة والإصلاح يطالها جميعها
نبيل حجي: وسائل العمل السياسي مختلة والإصلاح يطالها جميعها

تتزايد الضغوط من أجل الذهاب في هذا التمشي، ولعل اقتراح رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نبيل بفون لحزمة من التعديلات يعطي دليلا على أهمية الابتعاد عن مربع الجمود. وهو يرى أن الوضع يتطلب معالجة العديد من الاختلالات حتى تساعد في إنهاء حالة التشرذم في الحياة السياسية.

ومن بين تلك المطالب، إقرار تسجيل الناخبين في تونس عن بعد خاصة أن هناك نحو 7 ملايين ناخب مسجلين بصفة إرادية وهو معدل مقبول مقارنة بالعدد المحتمل للناخبين الذي يناهز نحو تسع ملايين ناخب.

ورأى بفون خلال ندوة عقدت في تونس الاثنين حول تقييم المنظومة القانونية للانتخابات، بالأكاديمية البرلمانية، أنه من الضروري وضع شروط لإضفاء موضوعية على الترشحات في الانتخابات التشريعية وخاصة منها شرط نقاوة السجل العدلي في إطار توصيات تهم المسار الانتخابي العادي والحملة الانتخابية والاقتراع والفرز، فضلا عن أهمية توحيد الجهة القضائية التي يتم اللجوء إليها للطعن في النتائج.

وفي ملف الترشح للانتخابات الرئاسية، يبدو أمر التفكير في أهمية استظهار المترشحين بسجل السوابق العدلية (بطاقة عدد 3) أمرا ضروريا والذي لم يشمله القانون الانتخابي، وهنا يشير بفون إلى أن ضخامة الترشحات التي انخفضت من 97 إلى 27 ترشحا المرتبطة بمسألة الضمان المالي تتطلب أكثر رقابة لتكون العملية أكثر نجاعة.

وتطرح عملية التزكيات مشكلة أخرى فقد باتت تقليدية، وبالتالي يعتقد بفون أنه يفترض أن يتم اعتماد تطبيق “التزكيات”، الذي أطلقته الهيئة للتثبت من صحتها وعددها وشرعيتها، كما أن قبول الهيئة للترشحات بشكل مباشر بمقرها أعاق عملها وعليه يجب توفير أماكن أخرى لهذه المسألة.

وتحولت الحملات الانتخابية في الداخل في أغلب الأحيان إلى فضاءات أخرى على الإنترنت، ولذلك يجب وضع إطار قانوني لذلك، أولا منها الخاص بالمراقبة الناجعة لوسائل التواصل الاجتماعي وتأطير هذه المسألة بنص قانوني وتوضيح مفاهيم منها مسألة التمويل الأجنبي والإشهار السياسي.

وتطرح مسألة مشاركة المغتربين في الحملات الانتخابية إشكاليات إضافية، ولذلك ترى الهيئة أن الوقت قد حان لإعادة النظر في ذلك ويبدو أن للهيئة تصورا في هذا الشأن.

وتظل مشكلة التعامل مع الحساب البنكي الوحيد الذي يرتب الغرامات عائقا إضافيا فأحيانا يتم غلقه بعد توقف نشاطه بعد الانتخابات البلدية، وقد اعتبر بفون أن هذا أوجد إشكاليات مع وزارة المالية خاصة في مسألة استرجاع المصاريف وطالب بالتنصيص على تولي رئيس القائمة مهمة الوكيل المالي المنتهية مهمته لفض هذا الإشكال.

وأشار إلى مشكلة المرشح للانتخابات الرئاسية بالخارج ومنعه من التمويل الأجنبي والتي يجب إعادة النظر فيها وفي مسألة الاقتراع والفرز، مع إعطاء الإمكانية لتصويت التونسيين بالخارج عن بعد أو المراسلة البريدية وحل باب النقاش بشأن هذه الوسائل.

في قلب المعركة

نبيل الرابحي: تغيير القانون الانتخابي الفيصل لضمان الممارسة الديمقراطية
نبيل الرابحي: تغيير القانون الانتخابي الفيصل لضمان الممارسة الديمقراطية

تدعو الأوساط السياسية إلى إصلاح المنظومة الانتخابية برمتها بعيدا عن الحلول الترقيعية والوقتية، علاوة عن إشراك مختلف الأطراف في هذه العملية والنظر بعمق في القانون الانتخابي لسنة 2014 وقانون هيئة الانتخابات وغيرهما لإرساء منظومة انتخابية سليمة.

ويؤكد المحلل السياسي نبيل الرابحي أن القانون الانتخابي ليس من مشمولات هيئة الانتخابات، بل من مشمولات مجلس نواب الشعب أو أي مبادرة تشريعية.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “الصراع القائم اليوم بين القصبة وقرطاج (الحكومة والرئاسة) يشترط فيه الرئيس قيس سعيّد تغيير القانون الانتخابي على أساس الأشخاص وليس القائمات”.

ورغم أن القانون الانتخابي الحالي يسمح بمشاركة الجميع، إلا أنه لا يتضمن أغلبية تحكم ولا معارضة تعارض، وهو يساعد حركة النهضة حتى وإن تحصّلت على المرتبة الثانية في الانتخابات.

ومن هذا المنطلق يقول الرابحي إن “تغيير القانون الانتخابي هو الفيصل لضمان الممارسة الديمقراطية، ومن ينادون اليوم بالتنقيحات لا يقدمون حلولا، بل يجب أن تكون الانتخابات مبنية على أشخاص وليس على قائمات”.

ويتفق المراقبون وخبراء القانون على أن نظام الاقتراع مسألة سياسية ولكن يجب تحديد غايات السياسيين من تعديل هذا النظام لتسهيل مهام وعمل الهيئة، خاصة تغيير نظام العتبات أو توضيح النتائج المنتظرة منه لتساعدهم الهيئة في ذلك لضمان تعددية واسعة مثلا في البرلمان.

ووفق بفون، ثمة مسائل مهمة يجب التفكير فيها بجدية، وهي مراجعة نظام تقسيم الدوائر (27 في الداخل و6 بالخارج) التي رسمت منذ 2011 وتم اعتماد معطيات خاصة بها تعود إلى 2010، لأن هناك إحصائيات جديدة تم القيام بها سنة 2014 لذلك يجب إعادة تقسيم الدوائر الذي قد يعدل من عدد المقاعد داخل مجلس نواب الشعب.

ووضعت الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي، التي رأسها عياض بن عاشور سنة 2011 والتي كلفت بتكوين مؤسسات تشرف على الانتقال الديمقراطي في تونس، نواة القانون الحالي.

ويمنع النظام الانتخابي استفراد أيّ حزب بغالبية حكم، ويؤدي دوما عبر قانون أكبر البقايا إلى برلمان مفتت لا جامع بين مكوناته سوى التعطيل المتبادل.

وأكد النائب نبيل حجّي عن الكتلة الديمقراطية بالبرلمان في تصريح لـ”العرب”، “أن المتابع للشأن السياسي والانتخابي منذ 2011 إلى اليوم، يلاحظ أن المنظومة الانتخابية تشكو عدة نقائص”، مشددا على مراجعة مسألة تمويل الأحزاب وعلاقتها بالجمعيات، حيث تبين أن الكثير منها يملك أذرعا جمعياتية، فضلا عن تعامل بعض وسائل الإعلام مع القوى السياسية.

ويذهب حجّي إلى أبعد من ذلك، إذ يرى أن هناك دوافع ملحة لإعادة النظر في المنظومة ككل وليس القانون الانتخابي فقط الذي لا يخدم مصلحة أي طرف، قائلا “حتى أصبحنا لا نعرف من في الحكم ومن في المعارضة، والوسائل المتاحة للعمل السياسي لم تكن متساوية، والإصلاح لا يقتصر على المقاعد”.

وأضاف “علينا أن نعيد النظر في عدد القوائم المترشحة خارج حدود الوطن، وإذا تركنا الأحزاب تقرر لوحدها، فلن ننجح في المهمة، والكل سيقرر حسب مصالحه وأهوائه، بل لا بد من إشراك خبراء وأكاديميين في القضاء والقانون”. واستطرد “الأسلم أن يتم إصلاح المنظومة في سنة 2021 وهو ليس عملا هيّنا”.

6