تعديل قانون الاستثمار يحاصر الحكومة المصرية باتهامات الفساد

السبت 2014/03/01
ضمان الاستثمارات شرط لتدفق واسع للاستثمارات الخليجية على مصر

القاهرة- رغم إقرار حكومة الببلاوي المستقيلة تعديلات على قانون الاستثمار قبل ساعات من رحيلها لردع الدعاوى العشوائية ضد المستثمرين، إلا أن محللين يقولون إن حكومة إبراهيم محلب ستواجه تحديات كبيرة واتهامات بالفساد إن هي حاولت تطبيقها.

لم تتمكن حكومة الببلاوي المستقيلة من الخروج من مأزق الدعاوى القضائية المطالبة بعودة الشركات التي تم بيعها في عهد الرئيس حسني مبارك لقبضة الدولة، بحجة وجود شبهات فساد وإهدار للمال العام في تلك الصفقات.

وقد لجأت في ساعاتها الأخيرة لقذف هذا التحدي بوجه الحكومة الجديدة، بإصدار تعديل يحصر حق المقاضاة بالحكومة والمستثمرين ويمنع أي طرف ثالث من رفع دعاوى شكلت العائق الأبرز أمام عودة المستثمرين الى الاقتصاد المصري، لخشيتهم من سيل الدعاوى التي تأتي من أطراف لا علاقة لها بتلك القضايا.

وتثير تلك التعديلات جدلا كبيرا في الأوساط المصرية، ويقول محللون إن الحكومة ستتهم بالفساد إذا أقدمت على تطبيق تلك التعديلات. ويقول الناشط السياسي وعضو مجلس الشعب السابق حمدي الفخراني، الذي شارك في كثير من القضايا التي ألزمت الحكومة بفسخ العقود مع المستثمرين وعودة الشركات للدولة، إن الحكومة لن تستطيع تطبيق هذا القانون وإلا ستكون حكومة فاسدة تنوي سرقة البلد وسنطعن عليه بعدم الدستورية، مشيراً إلى أن الشعب لن يسمح بذلك.

5 ملايين جنيه دفعتها الشركة المصرية الكويتية لشراء أرض العياط في عهد مبارك، وعند ملاحقتها قضائيا عرضت تسديد 81 مليار جنيه

وأضاف الفخراني لـ”العرب” أن التعديلات “تعني أن أي حكومة من حقها ان تخرب البلد وتمشي دون محاسبة، ولا يكون من حق المواطنين الطعن على قراراتها… لن نسمح بذلك وسأقلب البلد كلها علي حكومة المهندس إبراهيم محلب لجديدة لو أقرت القانون”.

وأشار إلى أن “مبارك لم يجرؤ على إصدار مثل هذا القانون ولا الببلاوي استطاع ولا حكومة محلب تستطيع”. وأوضح أن “أحمد عبدالسلام قورة صاحب الشركة المصرية الكويتية التي اشترت أرض العياط بـ 5 ملايين جنيه أيام مبارك، وبعد ملاحقته عرض تسديد 81 مليار جنيه للبلد، لكن مرسي قال إنها 40 مليار فقط… وحينها اتهمته بمحاولة سرقة الباقي أي 41 مليار جنيه”. وتساءل: من يجرؤ على منع الطعن على أراضي دولة بيعت بـ 5 ملايين وهي تساوي 81 مليار جنيه من قوت الشعب؟

وأكد الفخراني على أن كل القوانين التي أصدرها عدلي منصور مؤقتة لحين العرض على مجلس الشعب المقبل، وإذا لم تعرض تعتبر لاغية، مشيرا إلى أنه يثق في أن مجلس النواب القادم لن يقبل بمثل هذا القانون لو تم إصداره، ولو أصدر الرئيس مثل هذا القانون فسوف نلاحقه قضائيا بتهمة إهدار المال العام.

حمدي الفخراني: التعديلات تعني أن أي حكومة من حقها أن تخرب البلد وتمشي دون محاسبة

ويقول رشاد عبده، رئيس المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية لـ”العرب” إن المستثمر لا يريد كلاما معسولا من الحكومة ولكنه يريد قوانين تضمن استثماراته، مشيرا إلى مطالبة المستثمرين خلال ملتقى التوظيف الخليجي الذي عقد في ديسمبر الماضي، الحكومة المصرية بضمانات.

وأضاف عبده “عندما يشتري مستثمر إحدى الشركات التابعة للدولة، وبعد ذلك بنحو 15 أو 20 سنة يصدر حكم قضائي بأن النظام السابق جامله وأعطاه الشركة بسعر بخس، ومن ثم يصدر حكم باسترداد الدولة للشركة، فإن ذلك يدفع المستثمرين بالتأكيد لكي يطلبوا ضمانات من الحكومة بألا يتكرر ذلك مرة أخرى.

وأوضح أن مناخ الاستثمار في مصر لابد أن يتغير ولابد أن تكون هناك منظومة تشريعات تضمن حقوق الجميع حقوق المستثمر وحقوق البلد، أما قانون قصر الطعون على الحكومة والمستثمر الذي أحالته حكومة الببلاوي للفتوى والتشريع في مجلس الدولة فلم تظهر بنوده بعد، وعقب عودته من المجلس للحكومة تمهيدا لعرضه على رئيس الجمهورية للتصديق عليه حينها نستطيع الكلام عن إيجابياته وسلبياته.

وكانت الحكومة المصرية قد عقدت في ديسمبر الماضي منتدى الاستثمار المصري الخليجي في القاهرة بمشاركة 500 مستثمر عربي، لبحث معوقات الاستثمار في مصر.

وطالب المستثمرون الحكومة المصرية بإصدار مجموعة من التشريعات الضامنة لاستثماراتهم وعلى رأسها فض المنازعات مع رجال الأعمال الذين اشتروا شركات مصرية في برنامج الخصخصة.

مستثمر شاركوا في مؤتمر الاستثمار المصري الخليجي في ديسمبر، طالبوا بضمانات لحماية أموالهم كشرط للاستثمار في مصر

ويؤكد فخري الفقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة والمستشار السابق لصندوق النقد الدولي، أن تعديل قصر الطعن على العقود بين الحكومة والمستثمر فقط سيساهم بشكل كبير في حل المنازعات، وسيؤدي إلى تخفيف الضغوط السلبية على مناخ الاستثمار الذي يتم ضربه بلا وعي.

وأشار لـ”العرب” إلى أن السنوات الثلاث الماضية قد شهدت قيام “من هب ودب” من غير المختصين بإقامة دعاوي لاسترداد الشركات التي تمت خصخصتها، وهذه المنازعات وجهت ضربة قاصمة للاستثمار، وتساءل ما ذنب المستثمرين الذين تداولوا الشركات والمصانع بحسن نية، وقاموا بضخ أموالهم فيها أن يحكم عليهم بفقدان شركاتهم؟

ولفت إلى أن مناخ الاستثمار بمفهومه الواسع يتطلب مثل هذا القانون وكذا قانون حسن النوايا الذي تأخرت حكومة الببلاوي في إصداره، ويجب على حكومة محلب إحيائه لأنه سيكون بمثابة باب أمل لحل النزاعات بين الحكومة والمستثمرين.

وأوضح الفقي أن هناك أمر يغفله الجميع أو لا يريد أحد فتحه وهو لجوء كثير من المستثمرين للتحكيم الدولي وبعضهم حصل على أحكام بمليارات الدولارات، وهذا يمثل عبئا كبيرا على الدولة.

وقال عبدالله المغازي أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة لـ”العرب”: لا أحد يستطيع أن يحكم على مدى دستورية هذا القانون دون أن تعرض بنوده على الملأ، لكن الأكيد أن الدستور المصري يحمي أملاك الشعب، ويؤسس للعدالة الاجتماعية، كما أنه ينص على الشفافية، وأبسط درجات الشفافية أن تنشر مواد القانون”.

فخري الفقي: ما ذنب المستثمرين الذين ضخوا أموالهم بحسن نية، أن يفقدوها بعد 20 عاما

وأضاف “لا شك أننا مع أي قانون يشجع الاستثمار ولكن الحكومات السابقة كانت تبيع مقدرات الوطن بأبخس الأثمان”. وطالب بعرض القانون على حوار مجتمعي يضم خبراء قانون واقتصاديون لمناقشة حلول تشجيع الاستثمار.

وأشار المغازي الى أنه “في كثير من القضايا اتضح أن تلاعبا كبيرا جرى في عمليات بيع الشركات المملوكة للدولة ولذلك نحن نتوجس خيفة من هذا القانون، وهو ما يحتم على الحكومة دراسته بشكل جيد، ولن نسمح لأحد تحت بند جذب الاستثمارات أن يكون هناك تلاعب في ثروات مصر”.

وقال علاء سماحة الخبير الاقتصادي ومساعد وزير المالية الأسبق، إنه يؤيد الحد من ظاهرة الطعن على القرارات الحكومية التي توقعها الحكومة مع المستثمرين لأن ذلك سيجلب حالة من الاستقرار الاقتصادي، لكنه شدد في الوقت ذاته، على أنه من غير المنطقي أن يتم قصر الطعن بيد الحكومة فقط.

واقترح سماحة في تصريحات خاصة لجريدة “العرب”، أن يسمح للجهات الرقابية وكل من تضرر بشكل مباشر من عقد أبرمته الحكومة مع المستثمرين بالطعن على هذه القرارات. وأشار إلى أن حق الطعن على القرارات الحكومية يجب أن يكون من صلاحية نواب البرلمان ولاسيما أنهم يمارسونه وفقا لنصوص الدستور.

وأوضح أن إشكالية الطعن على العقود التي تبرمها الحكومة مع المستثمرين يكون بعضها كيديا وبعضها الاخر حقيقي، منوها إلى أنه من غير المنطقي أن تكون الحكومة صاحبة الحق الوحيد في الطعن على هذه العقود، ولاسيما أن الحكومة نفسها أو من ينوب عنها هو من يقوم بتوقيعها.

واستبعد سماحة أن يؤثر مشروع قانون مثل هذا على تحسن الوضع الاقتصادي، موضحا أن أي مستثمر يريد قاعدة قانونية شفافة تراعي المساواة بينه وبين منافسيه، بحيث لا يضطر لتقديم رشاوى لتحقيق مصالحه الخاصة.

وأكد سماحة على أن مشروع قانون قصر الطعون على الحكومة والمستثمر فقط من شأنه إضاعة مليارات الجنيهات التي تم إهدارها خلال حقب الفساد في عهدي مبارك والإخوان المسلمين.

وشدد على أن الضمانة الوحيدة لتحقيق التوازن بين المصلحة العليا للبلاد من جانب، ومصلحة المستثمرين من جانب آخر في العقود الموقعة بينهما، هو تفعيل دور الأجهزة الرقابية لمكافحة الفساد.

11