تعديل قانون الجنسية اللبناني: تحجر السياسيين يواجه تململ المجتمع المدني

رغم مساحته الصغيرة إلا أن لبنان يعد موطن التعقيدات الاجتماعية والسياسية والطائفية بامتياز. وبقطع النظر عن طبيعة إدارة هذه التعقيدات على المستوى السياسي، إلا أن جملة من القوانين تعتبر جائرة في حق المواطنين، لعل أهمها قانون الجنسية والميراث، الذي لا يكف عن إثارة ضجة داخل أوساط الحقوقيين المطالبين بإعطاء الجنسية للبناني المولود لأم لبنانية وأب أجنبي، وكذلك حق الأبناء في الميراث بناء على ذلك الأساس.
الجمعة 2016/05/27
الكرامة والجنسية.. وماذا أيضا؟

بيروت - يؤكد الواقع المعيش في لبنان أن نسبة هامة من النساء متزوجات بأجانب، وبذلك فإن أولى الإشكالات التي تترتب عن ذلك، تكمن في إعطاء الجنسية اللبنانية لأبنائهم. إذ تشعر نادين موسى بفرح وزهوّ كبيرين عندما اختيرت ابنتها لاعبة كرة القدم الموهوبة في سن المراهقة للانضمام إلى الفريق الوطني اللبناني، لكن فرحتها لم تدم طويلا، لأن والد البنت ليس لبنانيا. إذ يقضي قانون قديم عمره 91 عاما بأن النساء من أمثال نادين المتزوجات من أجانب لا يمكنهن منح الجنسية اللبنانية لأزواجهن أو أطفالهن بل ولا يمكن للأزواج أو الأولاد وراثة ممتلكات.

وبالرغم من اقتراح مشروع قانون لمجلس النواب اللبناني لإعادة النظر في قانون الجنسية الذي يحرم أبناء الزوجات اللبنانيات من جنسية أبنائهن، فإن المشكلة تبقى متواصلة إلى اليوم خاصة مع الأبناء الموهوبين على المستوى الوطني في رياضة أو موهبة ما.

وكشفت دراسة نشرها موقع لجنة حقوق المرأة اللبنانية عن وجود 18 ألف امرأة لبنانية متزوجة من غير لبناني، فإذا ضرب العدد في 2، محتسبين بذلك عدد الأزواج، ومن ثم بمعدل الخصوبة وهو 2.3 بالمئة نحصل على النتيجة التقريبية لعدد المتضررين من عدم إقرار قانون منح الجنسية للمرأة اللبنانية والذي يبلغ 80 ألف متضرر من رجال ونساء وأطفال، وهذا منذ العام 1995 (السنة التي صدر فيها مرسوم التجنيس) حتى العام 2008.

وكان الهدف من هذه الدراسة في سياق مشروع شامل هو تحديد أعداد النساء اللبنانيات المتزوجات من غير لبناني، وبناء عليه معرفة حجم المشكلة وكيفية تأثيرها على العائلات سلبا. وأوضحت المديرة التنفيذية للمشروع نائلة المصري، أن “المسح كان شاملا” وتعاونت في مشروعها لمعرفة الأرقام الأقرب إلى الدقة مع 30 مؤسسة مختلفة.

ولفتت المصري إلى أن “المعاناة التي يواجهها المتضررون هي نتيجة مشاكل يواجهونها على مختلف الأصعدة من الإقامة إلى العمل، فالطبابة والتعليم والإرث، بالإضافة إلى مشاكل نفسية واجتماعية، وهذه المشاكل لا تستثني أيضا الطبقة الغنية التي تعاني خصوصا من مشكلتي الإرث والإقامة”. ويتأكد تعسّف قانون الجنسية اللبناني مع أبناء اللبنانيات المتزوجات من أجانب في العديد من الأحداث التي تشغل مدار الأحاديث في الشارع الحقوقي والسياسي في البلاد، خاصة أنه في كل مرة تنقل فيها الصحف العديد من الأحداث المؤلمة، حيث قالت نادين والدة لاعبة كرة القدم “اختاروا ابنتي ثم قالوا لها إنه غير مسموح لها بالانضمام إلى الفريق لأنها ليست لبنانية، وقد دمّرها ذلك. لقد توقفت عن لعب كرة القدم بعد ذلك إذ شعرت بأنها مرفوضة ومنبوذة”.

ولنادين بنتان عاشتا حياتهما كلها في لبنان لكن لا يمكنهما الاستفادة من خدمات الصحة العامة والتعليم، وبمقتضى القانون لا يمكن لهما حين تبلغان سن العمل، أن تعملا دون الحصول على تصريح خاص. ولا يمكن كذلك لنادين أن تنقل ممتلكات الأسرة من العقارات أو الأراضي للبنتين بسبب قيود مشددة تفرض في لبنان على حدود الملكية المسموح بها لمن يصنفون في قائمة الأجانب مثل البنتين.

معاناة المتضررين هي نتيجة لمشاكل يواجهونها على مختلف الأصعدة من الإقامة إلى العمل، فالصحة والتعليم والإرث

توازن دقيق

قالت نادين، وهي محامية وناشطة حقوقية معروفة وأول مرشحة من النساء للرئاسة في لبنان، “دائما كنت أشعر وكأني مواطنة من الدرجة الثانية محرومة من حقي في منح جنسيتي لأولادي وأسرتي”.

وتقول دراسة أجريت عام 2009 عن محنة اللبنانيات المتزوجات من غير اللبنانيين، إن هذا القانون يسري على كل النساء دون استثناء، وهو الأمر الذي سبب إشكالات عائلية ونفسية كبيرة تمس من قيمة المواطنة والانتماء إلى الدولة والوطن. والمشكلة تعد أكثر تعقيدا للبنانيات المتزوجات من فلسطينيين، لأن الفلسطينيين محرومون من حق الملكية في لبنان.

ومر 14 عاما منذ إطلاق حملة لإصلاح قوانين الجنسية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط. وقالت لينا أبوحبيب، المدير التنفيذي لمجموعة الأبحاث والتدريب للعمل التنموي، إن أغلب الدول العربية بما فيها السعودية عملت منذ ذلك الحين على إصلاح قوانين الجنسية فيها سواء جزئيا أو بالكامل. وأضافت قائلة “رغم أن لبنان يتباهى بأنه أكثر ليبرالية بكثير من دول عربية أخرى، إلا أنه حتى الآن لم ينجز أي إصلاح في هذا المجال”. وتأتي هذه التصريحات في حين يتسم الرد الحكومي بالغياب وتحاشي الإطالة في الحديث بالموضوع حتى في وسائل الإعلام. وقالت لينا إن الساسة الذين يغلب عليهم صنف الرجال في لبنان يقدمون مجموعة معتادة من الحجج اعتراضا على السماح للنساء بنقل جنسيتهن لأزواجهن وأبنائهن. وأضافت “يقولون إنك إذا عدّلت القانون فسيتزوج كل الفلسطينيين لبنانيات ولن يعودوا إلى فلسطين وتجرّدين بذلك اللاجئين الفلسطينيين من حق العودة للوطن”. وتقدر الأمم المتحدة أن 450 ألف لاجئ فلسطيني مسجلون في لبنان.

وللفلسطينيين حقوق محدودة فلا يمكنهم تملك العقارات ويحظر عليهم العمل في 20 مهنة محددة، وفقا لما تقوله الأمم المتحدة. ويجادل المعارضون بأن لبنان يقوم على توازن ديني دقيق بين المسيحيين والسنة والشيعة والدروز. ويقولون إنه إذا حصلت النساء على حقوق الجنسية، فسيعني ذلك أن عدد المسلمين سيصبح أكبر من عدد المسيحيين بما يهدد وجودهم في لبنان.

نادين موسى: أشعر أني مواطنة من الدرجة الثانية محرومة من منح جنسيتي لأولادي وأسرتي

ومع دخول الأزمة السورية عامها السادس وازدياد اللاجئين السوريين إلى حوالي ربع السكان في البلاد، يقول البعض إنه إذا حصلت النساء على حق الجنسية، فإن الرجال من السوريين سيتزوجون لبنانيات ولن يرجع أي منهم إلى سوريا.

الحرمان من الميراث

ترفض لينا أبوحبيب وكل الناشطات اللائي أجريت معهن مقابلات لهذا التحقيق، هذه الحجج باعتبارها عنصرية ويعتبرن أنها تستغل مخاوف طائفية لحرمان النساء من حقوقهن. وقالت “لا توجد أي صلة بين الجنسية والنساء وقضية فلسطين أو التركيبة الدينية للبلاد أو الأزمة السورية”. وأضافت أبوحبيب “في نهاية الأمر، الحاصل أن الدولة لا تعترف بالنساء كمواطنات”.

لا تشترك كل الأحزاب والائتلافات السياسية في وجهة نظر واحدة في ما يتعلق بحقوق الجنسية للنساء، إذ قالت لينا إنها موزعة بين أحزاب مسيحية ترفضها وأحزاب إسلامية تؤيدها. ومما يعقد الحملة أن لبنان مازال دون رئيس منذ 25 مايو عام 2014 الأمر الذي أصاب مجلس النواب بالشلل وقلص فرص الإصلاح السياسي. وأضافت لينا “المشكلة لا تختفي إذا لم يكن هناك رئيس أو لأنه أصبح عندنا التعقيد الإضافي المتمثل في النزوح السوري. المشكلة مازالت قائمة والنساء مازلن يعانين”.

ونقل الملكية لا تنظمه قوانين الدولة فحسب بل شرائع دينية أيضا، وهناك 18 ديانة وطائفة معترف بها في لبنان وتمنع القوانين نقل الملكية في ما بين الطوائف. وتعرض لينا تجربتها الشخصية مثالا على ذلك.

فرغم أنها تؤكد على أنها علمانية، فإن ديانة أبيها المسيحية الأرثوذكسية مسجلة في بطاقة هويتها، وهي متزوجة من مسلم سني، ولذلك فإن ابنتهما بموجب القانون سنيّة. وقالت “لا يمكن لابنتي حتى أن ترث سيارتي لأنها من طائفة مختلفة”. وأضافت “عندك مزيج من قانون الملكية الذي هو تمييزي وقوانين الأسرة الدينية التي هي كارثة في حد ذاتها”.

وينص القانون الصادر أيام الانتداب الفرنسي على لبنان عام 1925 على أن المواطن يعتبر لبنانيا إذا ولد لأب لبناني، دون أي اعتبار للمرأة أو لمواطنتها اللبنانية، الأمر الذي يزيد التعقيد في إيجاد حل لهذه المعضلة. وقالت ندى مكي، منسقة اللجنة الأهلية لمتابعة قضايا المرأة والتي شاركت في دراسة أجريت عام 1999، إن “الكثير من اللبنانيات لا تدركن أن القانون يمنعهن من نقل جنسيتهن لأولادهن”. وأضافت “لا تدركن ما يحرمن منه بسبب القانون إلى أن يعجز أولادهن عن الاستفادة من الرعاية الصحية العامة أو التعليم، وهي مشكلة بالنسبة إلى الأسر منخفضة الدخل”. وأضافت “بالطبع هناك الميراث، فالنساء اللائي يملكن أرضا أو بيتا لا يحق لهن نقله إلى أولادهن”.

وبدوره أبدى جبران باسيل، وزير الخارجية الذي يقود حزب التيار الوطني الحر المسيحي، بعضا من أشد الاعتراضات على إصلاح قوانين الجنسية في لبنان. ويذكر أنه في نوفمبر الماضي كان الوزير قد رعى مشروع قانون لمنح الجنسية اللبنانية للمغتربين من أصول لبنانية دون أزواج اللبنانيات.

6