"تعدين أذن بقرة" الشعر كما لم تعتد قراءته من قبل

السبت 2014/11/22
الصلوي في كتابه يبث حياة هائجة تطمح إلى القطع مع السائد والنمطية

قراءة الشعر، خاصة الحديث، ليست ذلك الأمر السهل، ليست تلك المتعة الطافية على سطح اللغة، لتقطفها بمجرد انحناءة بسيطة بعينيك على أثر مسطور. بل هي مغامرة تفاعلية قصوى، تبلغ مجاهل ضاربة في العمق عبر مسالك زلقة. أيضا قراءة الشعر ليست تلك المهمة الشاقة، إلى درجة النفور. هذا ما وجدنا أنفسنا عليه ونحن نقرأ المجموعة الشعرية الأخيرة “تعدين أذن بقرة” للشاعر اليمني هاني الصلوي، الصادرة حديثا عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر.

هاني جازم الصلوي شاعر وباحث يمني من مواليد 1981 بتعز، عضو ضمن هيئة التدريس بجامعة تعز، وهو الآن رئيس مجلس إدارة مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر، صدرت له خمس مجموعات شعرية نذكر منها “غريزة البيجامة”، “ما لا ينبغي أن يقال”، كما له في الدراسات كتاب بعنوان “الحداثة اللامتناهية الشبكية”، وله أعمال أخرى بين السرد والشعر تحت الطبع.


عتبة الطريق


بداية، لنتوقف على عتبة الكتاب الأولى، التي لا يمكننا المرور بها دون أن نتساءل عن هذا العنوان في صيغته ومعناه، “تعدين أذن بقرة”، هنا ثلاث مفردات، اجتمعت بشكل غريب، أضاف الحياة والخصوبة في بدائيتها الحيوانية من خلال أذن وبقرة، إلى المعدن البارد، من خلال فعل التعدين. إذن نوغل أكثر في العنوان، اللافت حقيقة، والذي يطرح أمامنا بشكل صريح تساؤلا ملحا عما أراد الشاعر قوله هنا في هذه العبارة، ربما تخفي هذه العتبة طريقا بيّنا يرشدك في مسار قراءتك لهذه المجموعة، فالتعدين دلالة واضحة على “المكنكة” والصناعة والبرود، إنه الميكانيكا التي سيطرت على العالم بشكل كلي في هذا العصر، وهياج الصناعة والحرب اللذين استحوذا على الإنسان، الذي يكاد يعدّن إلى آخر قطرة دم في جسده وآخر نبض في روحه.

يتحوّل العالم إلى معدن صناعي، هذا التحول الذي لم ينج منه متعلق من متعلقات الإنسان، حتى الطفولة حتى الحيوانات المرغوب فيها زمن الطفولة، ومظاهر الحياة في أبسط تجلياتها.

لعب لغوي تركيبي يضخ في رئتي اللغة هواء جديدا بدل ذاك الذي تجتره، ويفكك القوالب الجاهزة

المجموعة حوت نصوصا مطولة مثل “تعدين أذن بقرة” أو “لكي يهدأ الأرنب في الحقيبة”، “شاهدة: (يتمطى عاريا في الدقة)”، كما حوت مجموعة من النصوص التي تستقل كل منها بعنوانها الخاص كمقطع من نص كـ”تسويف أو الحرب: رصاصة الرحمة”، سيرة جدي (من القبر إلى حضنها). منذ بدايتك تكتشف أنك بصدد قصيدة نثر مختلفة، تدخلها بشكل مرتبك، مؤكدا لنفسك منذ الوهلة الأولى أنك بصدد شعر غير ذاك الذي اعتدت قراءته، هاني لا يكتب ذالك النص الرومنسي او الغنائي الموسوم بتعامل عاطفي مع العالم والأشياء، بل هو يكتب بطريقة عاصفة، مجنونة ترجك من أول خطوة لك في غمارها، “حتى ذلك الموعد/ سوف يقع الاسترخاء في البلاغة/ والبلاغة في النعاس/ …../ حتى ذلك الحي/ سوف تأخذ المعركة شكلا ودودا”.

نحن إذن إزاء شاعر يكاشفنا بلعبة لغوية منذ البدء، لعبة ستنسحب على كامل نصوص المجموعة تقريبا، تشتت أفق انتظار قارئها، وتدعوه إلى إعادة تفكيك القوالب الجاهزة سواء الفكرية منها أو الجمالية، ذلك من خلال الصورة والمعجم، اللذين يجمعهما الشاعر بشكل طريف، فيجعل إمكانات جديدة في جمع ما لا يجمع، ليس من باب التناقص بل من باب البعد، فما علاقة مثلا القيامة بالنهدين، حتى يجعل لها نهدين، وغيرها من الصور، نذكر أيضا “البلاغة في النعاس”، وهي مثال بسيط على طريقة تشكيل هاني الصلوي لصوره الغريبة والمركبة، بشكل يدفع فيك التساؤل عن مكنون القول، لكنه وهو يربك ذائقتك وذهنك، يبث فيك حيرة لذيذة تجعلك تعيد القراءة، لا اهتماما بالمعنى فقط، بل كذلك لتترصد كنه الجمالية الغريبة والمثيرة في آن. صورة أخرى “إذ أحمل المنطق على غسل يديه بالرصاص/ والأعاصير والخمرة/ ســأركل المعجزة من مؤخرتها وأحرك المهد”.

هنا يبدو جليا لنا أسلوبيا، ولو بشكل مختزل، أن الشاعر يشكل عالمه وفق رؤيته هو، ووفق عاصفة في رأسه هو، لكنه ليس ذلك العالم المغلق بل هو العالم المتداخل، نفس العالم الذي تحدثنا عنه في البداية والمتشكل من الميكانيكا والتعدين والنظم العالمية الجديدة التي تعدّ من مكوناته، والتي جعلت منه فوضى مادة منهوبة، هكذا إذن قرر الشاعر خلط الأشياء، الأسماء والمسميات، خلط المفاهيم وحتى التراكيب.

المجموعة الشعرية تحتوي على نصوص مطولة


استرجاع الإنسان

يخلط هاني الصلوي الأسماء والأشياء ويعيد تركيب عالم وفق ما يراه هو، لكن كما قلنا يترك الشاعر مفاتيحه للقارئ، مفاتيحه هي الأسماء نفسها، الأسماء المخلوطة على درجة تعتقد فيها أن أشياءها تفسخت، لكنها في الحقيقة تتخلى عن صورتها البدائية كما كوناها نحن، لتأخذ صيغة أخرى وتدخل نظاما علائقيا آخر.

ينقسم معجم هاني الصلوي في كتابه إلى مستويين، لكن ليس باستحضار التسميات فحسب بل باستحضارها هي وفاعليتها، إذن لا شيء جامد، فالشاعر يحرك عالمه وكأنه يأبى الركود، نلاحظ المعجم الجسدي: البطن، يربطها بالولادة، الحلق يربطه بالغصة، الولادة يربطها بالموت، الرأس ويربطه برأس المال، الشم، العنق، الخصر، النهد، المجاعات، الشلل، أظفار، اللحى، أقدام..

والعنصر الآخر من المعجم مرتبط بالعالم المملوء دما والمرصع بأدوات الحرب وأفعالها: الحرب، ماسورة الكلاشنيكوف، عكازة، المعركة، الوليمة، العمامة، الدم، الخوذة، الشمعة ، زجاج ، ملح..

لملاحظ أن يرى أعضاء الإنسان وأعضاء العالم التي يخلطها هاني الصلوي بشكل ممتع وفريد ليكوّن منها لقارئه عالما غريبا، عالما موحشا، يجمع أشلاءه المفككة والمسحوقة حتى يعاود الانبعاث من جديد، لكن هذا الخلق الجديد وإن بدا متداخلا إلا أن فيه خيطا ناظما. الصلوي كرّر مثلا مفردات من قبيل؛ المزاح، النوم، الحنين، الندم، كلها لو أرجعناها إلى سياقاتها، لوجدنا شاعرا أمام إنسانية نائمة، يصرخ ليوقظها، ثم يتحول من الصراخ إلى تفكيك عناصرها، مصابا بحنين إلى ذاته، إلى براءته وكنهه. هو يمازح العالم أيضا ويستهتر به إذ أن العلاقة بينهما ليست تلك الجامدة والمبنية على فعل واضح كالقفز من نافذة في صدره إلى حقوله، بل هي علاقة تفاعلية ومتحركة. ويدعو إلى التخلي عن الراوي ذلك الذي يحرك كل شيء، كأنها دعوة إلى استرجاع الإنسان لذاته من عالم “المكننة” من أظفار الدكتاتوريات السياسية والمالية، من تاريخ الشركات اللاحمة، هذه الآلهة الجديدة التي تملي على الإنسان الجديد أخلاقه وأفكاره، وهما السمتان اللتان أوصى بهما برتراند راسل الإنسانية أن لا تضيعهما، يقول هاني الصلوي “لو يخرج الراوي خفيفا/ ويدعنا نتفاهم بأنفسنا”.

هاني الصلوي في كتابه “تعدين أذن بقرة” يبث حياة هائجة تطمح إلى القطع مع السائد والنمطية التي فرضتها العولمة، إذ يدعو إلى استيقاظ الأجداد، وإلى بعث الإنسان من جديد، إنسانا يبحث، إنسانا يستعيد قدرته ولو البسيطة على تشكيل العالم من خلال أبسط المكونات من: حقائب وحقول ونوافذ وحيوانات أليفة، إلخ.. في لعب لغوي تركيبي، يضخ في رئتي اللغة العربية شيئا من الهواء الجديد بدل ذاك الذي تجترّه.

17