تعرية الذات بلغة الآخر في روايتين جزائرية وتونسية

منحت الأكاديمية الفرنسية جائزتها الكبرى للرواية هذا العام لكاتبين عربيين هما التونسي هادي قدور عن رواية “المتفوقون” والجزائري بوعلام صنصال عن رواية “2084: نهاية العالم”. وبالرغم من أنهما ينتميان إلى جيل واحد وفضاء جغرافي وحضاري واحد وتاريخ يكاد يكون مشتركا، فإنهما يختلفان في كل شيء؛ في السيرة، والأسلوب، ودوافع الكتابة. ومهما اختلفت أساليب الروايتين وبناؤهما الفنّي، فإنهما تشتركان في التركيز على مرحلة الكولونيالية ومابعدها وما شهده المجتمعان التونسي والجزائري من تغييرات بعد فترة الاستقلال.
الجمعة 2015/11/06
الهادي قدور وبوعلام صنصال ينظران إلى مستقبل المجتمعات العربية برؤى مختلفة

ولد هادي قدور في تونس، ولكنه استوطن فرنسا، وحمل جنسيتها، ودرّس لغة أهلها في الجامعات الفرنسية والأجنبية، وترجم إليها من اللغات الإنكليزية والألمانية والعربية، وهو إلى ذلك شاعر في المقام الأول، ورئيس تحرير مساعد لمجلة “شعر”، جاء إلى الرواية متأخرا، وسطع اسمه برواية أولى عنوانها “ولتنبرغ”. لا يرتد إلى التاريخ للتذكير بتقلباته وعواصفه، بقدر ما يتخير منه ما يساعد على فهم الحاضر، وتحليل العلاقات بين البشر التي تلتقي حينا وتفترق أحيانا لأسباب تتجاوزهم، في لغة بين التصريح والتلميح، وأسلوب ينهل من الشعر صفاءه.

أما بوعلام صنصال، فهو مهندس يحمل دكتوراه في العلوم الاقتصادية، وهو بربري من أصول مغربية، ولد بالجزائر حيث لا يزال يقيم رغم طرده من الوظيفة ومصادرة كتبه، واعتنق لغة المستعمر القديم لينتقد بشدة أوضاع بلاده خاصة، وخطر الإسلام السياسي عامة، فهو كاتب ملتزم، له ما لكبار الملتزمين من جرأة على تعرية الواقع المرّ، ولكن بجسارة قادته أحيانا إلى تخطي بعض الخطوط الحمر التي لا تغتفر لكاتب عربي، خصوصا زيارته إسرائيل، وقبوله المساهمة في معرض القدس منذ بضعة أعوام.

سراب المستعمرات

تستحضر رواية “المتفوقون” للهادي قدور أجواء عالم مفقود، وتقلباته وأبطاله، وديكوره يقع في البداية في مدينة “نحبس″ وهي مدينة وهمية بجنوب بلاد قد تكون تونس، وقد تكون المغرب، حيث درّس الكاتب الفرنسية في مكناس طوال اثني عشر عاما.

الرواية تبيّن أن الراديكالية الإسلامية عدوا لدودا للديمقراطية والحريات

وتروي حكايات مستلة من تاريخ غير رسمي، تعاد إلى الوجود بقوة الأسلوب والإيحاء، في واقعية كلاسيكية تعتني بالتفاصيل دون أن تقع في التصوير الفج. تدور الأحداث زمن الاستعمار الفرنسي، إبان عشرينات القرن الماضي وما تلاها، في فضاء مغاربي، ثم في فضاءات غربية وأميركية.

والحدث البارز الذي سيهز سكون تلك المدينة وأهلها تمثل في قدوم فريق سينمائي من هوليود لتصوير فيلم في ديكور “إيكزوتيك”. فقد كان سببا في تغذية الصراع بين مختلف مكونات المجتمع، من أعيان محليين، ومستعمرين، وموظفين فرنسيين، وقوميين يحلمون بالاستقلال. منهم من هو أصيل المدينة، مثل الشاب رؤوف ابن القائد سي أحمد، ورانية الأرملة الشابة الحسناء، والتاجر بلخوجة. ومنهم المتفوقون، أي الأوروبيون، الذين نجد من بينهم المستنير مثل غانتيه، وهو صاحب ضيعة غني ومولع بالثقافة والأدب، يعطف على رؤوف ويحرص على تعليمه على الطريقة الأوروبية.

كما نجد جنودا معقدين، ومدنيين يمثلون سلطة الاستعمار، يختلطون بأهل البلاد أحيانا، ولكن التكبر يعيدهم إلى طبعهم ليذكروا بأن لكل فئة مكانتها. هذا العالم الذي يجهد بحثا عن انسجامه، سوف يربكه قدوم الأميركان، الذي شكل صدمة حضارية، بين مجتمع متفوق تقنيا يمارس أفراده إناثا وذكورا حريتهم كما يهوون، ومجتمع ذي ثقافة عريقة ولكنه جامد مشدود إلى ديانة تُعدّد المحرمات وتفرض الحدود على الأحاسيس والرغبات، مجتمع موزع بين رغبة التحرر وولاء ذليل أحيانا للقوة الغاصبة، أي المتفوقين أسياد الحماية. حدودٌ ظن رؤوف أنه سينعتق منها بمخالطة الأجانب، غانتييه الذي يحسد حظه مع النساء، وكاثرين النجمة الأميركية، وغابرييل الصحافية المستهترة. ثم يعقب ذلك ارتحال رؤوف وغانتييه وكاثرين إلى باريس، وبرلين التي كانت تعيش جرائر هزيمتها العسكرية في الحرب الأولى في حقد ينذر بانتقام، قبل العودة إلى نحبس، التي تترافق بمأساة.
رواية تغوص في جذور المآسي التي سيشهده القرن العشرون من حروب لمقاومة الاحتلال وتحقيق الاستقلال المنشود، بأسلوب راق، يمزج الطرافة والسخرية بتصوير الاستعلاء الغربي في مرحلة من تاريخه القريب، وتحليل علاقة العربي بالآخر.
رواية تغوص في جذور المآسي التي سيشهدها القرن العشرون

التحذير من نهاية العالم

الاستقلال، الذي حصل عليه العرب، بعد طول مقاومة وعدة تضحيات وشهداء بالآلاف، ماذا فعلوا به؟ تلك هي الثيمة الكبرى لروايات بوعلام صنصال. وبعد أن وجه سهام انتقاداته للنظام الحاكم في الجزائر في أعماله الأولى “يمين البرابرة” و”حدثني عن الجنة” وصور فشل سياساته التي دفعت بالشباب إلى الهجرة غير الشرعية في “حرّاقة”، ثم حولها إلى الإسلاميين، في بلاده أولا حيث ابتكر لهم في رواية “قرية الألماني” أصولا نازية، ثم في العالم بأسره بروايته الجديدة “2084” التي تحيل على رواية جورج أورويل الشهيرة “1984”، والبطل هنا هو أيضا أخ أكبر ولكنه يخوض حربا مقدسة قد تؤدي إلى فناء العالم.

والرواية، وإن خلت من أي ذكر للإسلام والمسلمين، تبين بما لا يدع مجالا للشك أن الراديكالية الإسلامية بوصفها عدوا لدودا للديمقراطية والحريات، هي المعنية هنا. وأحداثها متخيلة ولكنها تنهل من كل ما نشهده منذ سنوات في البلاد العربية والإسلامية. وفضاؤها الجغرافي بلد شاسع قاحل يدعى أبيستان، يحكمه مستبد اسمه “أبي” باسم تعاليم يستمدها من كتاب مقدس عنوانه “غكابول” يعلي شعار “يولاه أكبر وأبي هو خليفته الوفي”.

في هذه التيوقرطية المستبدة لا ينتأ أيّ صوت مخالف تقريبا، عدا “أتي” الكافر، الذي فرّ من سجنه ليقطع متخفيا بلادا دمرتها “شار” الحرب المقدسة، حتى بلغ العاصمة. هناك يصبح في عيون أزلام النظام العدو رقم واحد، بعد أن عمت أبيستان صراعات وحروب تذكر بما يجري حاليا في سوريا وليبيا، فقد تناسلت فيها جمعيات من نوع “الأخوة العادلة” و”أصوات المكبة” و”جمعية أفضل مؤمني الحارة”، وكلها تزعم تنظيم الشعائر الدينية ولكنها في الواقع تحرص على هيمنة الخوف على النفوس، وتردّد شعارات من نوع: “الموت هو الحياة”، و”الكذب هو الحقيقة”، و”المنطق هو اللامعقول”. الرواية كابوس معلن عما ينتظر العالم من شرور الحركات الأصولية الإسلامية المتطرفة، وتحذير من التزمت الديني “فالدين، في رأي الكاتب، قد يجعل الإنسان يحب الله، ولكن لا شيء أقوى منه لدفع الإنسان إلى كره أخيه ومعاداة الإنسانية”.

14