تعريفات للسرد عبر بوابات كثيرة

السبت 2017/11/25
طرق متعددة لإيجاد منافذ القراءة السردية

يجرّب الروائي العراقي حميد الربيعي أدواته السردية من بابها التأملي، بعيدا عن الرواية كمنجز شخصي وقريباً من أجواء الرواية بشكلها الجمالي العام، في كتاب جديد بعنوان “سرد بوصفه شغفاً – عن الرواية وآفاقها” وهي تجربة كتابة في محاولة إيجاد تعريفات للسرد عبر بوابات كثيرة أوجدتها نظريات النقد والقراءة معا، كما أوجدتها روايات عالمية وعربية ليس كتطبيقات للنظريات إنما هي إمكانيات إبداعية واستنباطات جوهرية متحققة في المنجز السردي عكف النقد عليها منذ زمن طويل، لإيجاد منافذ القراءة السردية بطرق متعددة.

قد لا يعتمد الربيعي في كتابه، الصادر عن الموسوعة الثقافية في دار الشؤون الثقافية – بغداد، على توصيفات جاهزة وتعريفات كثيرة في موضوعة السرد وجوانبه المختلفة وقراءة النظريات المتعلقة به، بقدر ما يريد أن يصل إلى “اكتشافاته” الشخصية في جماليات السرد من دون تعريف واحد ضامن، لذلك نجد أكثر من محاولة لتجريد السرد من تعريفات وقوالب نظرية جاهزة كما اعتدنا عليه.

لعل عنوان الكتاب يلمّح إلى مثل هذا التجريدات الأولية منذ الصفحة الأولى، لكنه عنوان سيبدو متناقضاً للعنونة “لاحقاً اكتشفتُ أن السرد ليس شغفاً.. بل طريق للمعيشة..” ومثل هذا التعبير العام ليس كافياً لإثبات أنّ السرد ليس شغفاً ليتقاطع مع المتن الأساسي (بوصفه شغفا) وهو “علامة فارقة بحياتي منذ أن وعيته” وبما أن السرد مشروع كتابة روائية أو غيرها ووسيلة تعبيرية بأنساق مفهومة متعددة، إلا أن المؤلف يرى أن السرد “لا يكون نسقاً كتابيا”، بل هو “إبحار في البُعد الإنساني للفرد”، وهذا أيضاً يضعنا في باب الشكوك والتناقض المحتمل بين العنونة والهوامش التالية التي تحيل الكتاب بفصوله إلى شبكة علاقات نرجو أن تكون منتظمة في نهاية الأمر وإن كانت المقتبسات التي نضعها غير واضحة وكافية لموضوع شائك ومعقّد وممتع في الوقت ذاته.

وإذا تأملنا عبارات مثل “بالسرد نستطيع أن نُجابه الرعونة وانفلات الأقدار من مداراتها” و”يستطيع السرد أن يكون أشد قساوة من التاريخ”، و”في مواد هذا الكتاب تصل إلى استشراف اللحظة السردية”، و”تسجيل لحظة وعي أمام الأحداث الثقافية والاجتماعية والسياسية”، وصولا إلى “السرد العراقي بأمس الحاجة إلى بلورة رؤياه الخاصة” سنجد أن هذه “التعريفات” سائبة وغير كافية لتحديد مستويات الإبداع في المتون الروائية المعتمدة، وحتى تلك التي اعتمدها الكتاب بإشارات كثيرة، وستبدو الاقتباسات السريعة والقصيرة غير واضحة المعالم في بنيتها القصدية وترتيبها الإنشائي العام. لكن فصول الكتاب الستة عشر تشير في معظمها إلى تطبيقات سردية في الرواية العراقية وغير العراقية بطريقة اكتشاف مستويات السرد ودلالاته الفنية.

الربيعي على ما يبدو يريد تقريب وجهة نظر شخصية، في أن يكون السرد قريباً من الواقع والحياة والعلاقات اليومية، حتى الهامشية منها وغير المنظورة كلياً “حيث أصبحت الشوارع والأبنية والعلاقات ما بين الناس هي جل الاهتمام الذي تمضي به الحياة”، ومثل هذه الرؤى الواقعية ينبغي لها أن تكون متعالقة في الرؤى الفنية، فليس الواقع وديكوراته هو الأساس الأخير في تشكيل النصوص السردية.

سردياً إن الواقعية الغرائبية تعدّ مدرسة للسرد كما يتناولها الربيعي في أول الفصول من الكتاب كونها “نسقاً سرديا” مستعينا بفرويد كمصدر للتحليل السردي مع أن فرويد، السارد النفسي الكبير، استعان بمصادر روائية كثيرة لتأصيل نظرياته في علم النفس وليس في علم الرواية، عبر شخصيات روائية قرأها بدقة وحللها عبر منظومة علاقات اجتماعية شائكة في زمنها الروائي، ومع أن الميتا سرد استعان بالتاريخ وسردياته الكبرى لأحداث محفورة تاريخياً في الوجدان الإنساني، الا أن الربيعي بأمثلته الجانبية حاول أن يُعاشق المتون الكبرى بالمتون الصغرى لتوظيف التاريخ في الميتا سرد في فصل آخر عبر ثلاثة آفاق هي “أفق الكتابة – أفق الحاضر- أفق التاريخ”

وهذه متوالية غير كافية في دلالات التاريخ – الميتا سرد كأنساق تتضامن لتوفير قدر محتمل من التسريد الفني الذي يعالج الموضوعة التاريخية بأفق إبداعي الى ما وراء الرواية.

هذا الكتاب الصغير ومع الجهد الفردي في إنشائه قد يكون مقالات قصيرة تحاكي الموضوعات السردية ولا تستغرقها كثيرا، فعلم السرد، سواء أكان شغفا أم ليس شغفا هو علم مفتوح الأجنحة للتحليق في أجوائه والتنظير فيه ومحاكاة السرديات الكبيرة عبر مفاصله النظرية المتواصلة والممتعة.

16