تعزيز الحوار والهوية الوطنية في السعودية حل جذري في وجه الطائفية

الخميس 2013/11/28
جعفر الشايب، كاتب سعودي ناشط في مجال حقوق الإنسان

جعفر الشايب كاتب وحقوقي سعودي وراعي منتدى الثلاثاء الثقافي والرئيس السابق للمجلس البلدي لمدينة القطيف. انخرط في سلك المعارضة خارج السعودية ثم انتقل إلى داخل المملكة في ظل صيغة جديدة للإصلاح شهدتها السعودية في السنوات الأخيرة.

"العرب" استضافته في حديث مسهب لنقاش ملامح ومطامح المواطن السعودي الشيعي وقضايا أخرى تشغل بال السعوديين والإصلاحيين

التوترات الطائفية، على خلفية محاولات خارجية لبث الفتنة بين السنّة والشيعة، خصوصا في اليمن والعراق وسوريا والبحرين، وأيضا في المملكة العربية السعودية، وبالتحديد في المنطقة الشرقية ذات الأغلبية الشيعية، حيث يتلقّى المواطن السعودي الشيعي كما هائلا من الخطابات المتعصبة والمضادة التي تحرّضه. ونظرا إلى أهمية الموضوع، في هذا الوقت والوضع الذي تمر به المنطقة ككل، والمملكة جزء لا يتجزّأ منه، بدأنا الحوار مع جعفر الشايب، من هذه النقطة.

يشير الشايب إلى أن "المواطن الشيعي لا يختلف عن غيره من المواطنين السعوديين في تأثير مختلف الخطابات عليه إلا في ما يتعلق بالبعد المذهبي بصورة أوضح، ولكون المملكة فيها تنوع فكري ومناطقي وقبلي ومذهبي قائم فإن المنضوين تحت أي من هذه التصنيفات يتعرضون بين الفينة والأخرى لخطابات متعارضة ويتأثرون بها تبعا لمواقعهم.

إلى الآن لم تتم معالجة مختلف هذه التشكلات ضمن الإطار الوطني لتكون جميعها منسجمة مع الهوية الوطنية وليست متعارضة معها، فكل انتماء منها قد يخلق تهديدا لولاء الوطن في حال تعارضه أو تناقضه معه. فالانتماء إلى القبيلة قد يشكل تهديدا حقيقيا أمام الوحدة الوطنية في حال عدم انسجامهما، كما هو الحال أيضا في بقية الانتماءات المذهبية والمناطقية والفكرية والسياسية.

في ما يتعلق بموقفه من بعض الخطابات الحادة التي ترفع شعار العناية بمطالب الشيعة والتي أثارت زوبعة في العلاقة بين المذاهب والحكومة داخل السعودية، اعتبر الشايب أن تلك الخطابات تأتي أحيانا نتيجة الشعور باليأس والإحباط في عالم يموج بالتحولات السياسية ويتميز بالانفتاح الفضائي العام، وكذلك في ظل بروز تيارات شبابية في المجتمع السعودي لا ترى في حالة الحوار الهادئ والانتظار أية نتيجة مرجوة. ولا يعني ذلك أبدا أن الخطابات الحادة هي الحل للمشكلة، وإنما أوضح الحالة التي ينشأ فيها مثل هذا الخطاب ويستقطب المؤيدين.

لا خيار أمام الجميع إلا قراءة الأزمة من منظار وطني خالص بعيدا عن كونها تمس فئة تتبع مذهبا معينا، لأن آثار أي توتر أو تأزم في العلاقة تنعكس سلبا على كل مكونات الوطن وتضيع جهود التنمية والبناء ومساعي الحوار والتواصل.

ويواصل "إن مثل هذه المعالجات إن وضعت في إطارها السليم وضمن جدول زمني واضح فإنها قادرة على استيعاب الخطاب المتشدد وإقناع الجميع بأن خيار الحوار يمكن أن يؤدي إلى النتائج المطلوبة بأقل التكاليف.

وبسؤاله عن موضوع المواطنية السعودية وهل أنها تحتاج إلى إعادة صياغة بما يستوعب التمايزات الداخلية وينشط دورها مع حجم التطور المجتمعي يقول الشايب موضحا: "هناك فراغ بين الانتماءات التقليدية ومفهوم المواطنية بشكل عام، فالبعض يجعل هذا المفهوم متعارضا مع المفاهيم الدينية والآخر يختزله في انتماءاته الفرعية.

لابد إذا من بلورة مشروع يعنى بتعزيز الهوية الوطنية ويمازج بين مختلف التمايزات الداخلية ومتطلبات الوحدة الوطنية، ويعالج الإشكالات الناتجة من وجود خلل مفاهيمي وثقافي حول علاقة الوطن بمختلف الانتماءات والولاءات.


التوتر الطائفي


بخصوص الأثر الذي تتركه الطائفية على المواطن في القطيف وطبيعة علاقته مع محيطه. يؤكد الشايب أن التوتر المذهبي والطائفي يؤثر سلبا بشكل عام على مختلف المستويات، فإضافة إلى المشاحنات والمنازعات فإنه يدفع بالكثيرين، وخاصة الشباب، إلى الابتعاد عن الدين بسبب ما يفرزه من غلوّ وتشنج وما ينقله من أراجيف ضد الطرف الآخر.

في الحقيقة إن التوتر المذهبي، الذي يستخدمه السياسي ويقحمه في معادلة الصراع لإحداث خلل وإرباك في الساحة، يتبعه تفاعل عاطفي غير عقلاني لينتهي المطاف أخيرا إلى اكتشاف أن كل هذا التوتر كان مرحليا ولأهداف معينة ولا يخدم أي مشروع تنموي أو حضاري للأمة.

من خلال العديد من التجارب الماضية التي مرت على المنطقة تبلورت لدى فئات كثيرة من المواطنين، من بينها الشيعة، لعبة التجاذبات والنزاعات المذهبية التي تكون وليدة ظروف سياسية معينة، وبالتالي فهي ليست قضايا أصلية في المجتمع.

ويتعامل الكثير معها على هذا الأساس، وبدأت تترسخ قناعات لدى الواعين في المجتمع السعودي بأن هذه التوجهات تخدم أغراضا سياسية معينة، وبالتالي فإن مردوداتها وتأثيراتها سلبية وخطيرة على المجتمعات الإسلامية بشكل عام وعلى المجتمع المحلي.


مشاركة الشيعة


بخصوص حجم مشاركة الطيف الشيعي في الخطاب الإصلاحي وهل ثمة فروق واضحة يمكن ملاحظتها بين خط سني وشيعي في المطالبات الإصلاحية، يعتبر الشايب أنه لم يكن هناك خطاب متمايز للمواطنين الشيعة، في مختلف القضايا الوطنية، عن بقية المواطنين، إلا في ما يتعلق بمطالبهم المرتبطة بالمساواة والحريات الدينية.

وفي ما عدا ذلك، فقد سعى هؤلاء إلى أن يتناغم خطابهم مع المشروع الإصلاحي الوطني. لقد بذلت النخب الإصلاحية في المجتمع الشيعي جهودا كبيرة لنقل قضايا مجتمعها من المحلية إلى الوطنية، متيقنة بأن مثل هذه القضايا والمطالب الخاصة لا يمكن معالجتها إلا من خلال مشروع إصلاحي وطني عام.

ويضيف: "حتى في الخطاب المنبري الشعبي نلحظ تطورا مهما في تحوله من المحلية إلى الوطنية عبر تناوله مواضيع عامة مشتركة، وتوجيهه نحو الانفتاح والتواصل والتلاقي بما يخدم ويعزز الوحدة الوطنية.

كما أن هنالك العديد من المبادرات العملية على الصعيد الثقافي والاجتماعي تهدف إلى تقوية أواصر العلاقات مع مختلف الاتجاهات والجماعات والأطياف في المجتمع السعودي كمبادرة لجنة التواصل الوطني التي تعمل على تفعيل الزيارات التعريفية المتبادلة لمختلف المناطق، والنشاط الحقوقي المميز الذي يهتم بتناول مختلف القضايا الحقوقية على مستوى الوطن، والفعاليات الثقافية والفنية المشتركة التي تتجاوز المحلية وتنفتح على مثيلاتها وطنيا".

أما بخصوص تأثر الصورة الاجتماعية والثقافية للمنطقة الشرقية مع تداخل عوامل النفط والسياسة والدين فإن مجتمع المنطقة الشرقية، حسب الشايب، يبقى أصيلا، ويتميز بانفتاحه على مختلف الثقافات وقدرة أبنائه على التعايش السلمي بينهم ومع الآخرين، كما يتميز أيضا بتشربه للمعرفة وحب العلم والإخلاص في العمل.

لقد أحدث اكتشاف النفط تحولات اجتماعية كبيرة في المنطقة، منها توافد جماعات كبيرة من مختلف أنحاء المملكة إلى المنطقة الشرقية، وانجذاب أعداد كبيرة من أبناء المنطقة للانخراط في أعمال صناعة النفط، وتغيير هيكلي في العديد من أنماط المعيشة والحياة وأساليب الحراك الثقافي.

وانتقلت بطبيعة الحال حالة التشدد الديني للمنطقة مما أثر على مستوى التسامح الذي كانت تتمتع به إلى درجة كبيرة، وبرزت تبعا لذلك التوترات المذهبية والطائفية والاجتماعية بشكل غير معهود.

ومع ذلك فإن المنطقة الشرقية بموقعها الإستراتيجي وثرائها الاقتصادي وانفتاحها الاجتماعي يمكنها أن تكون بوابة تواصل ثقافي واجتماعي مع مختلف الدول المجاورة للمملكة وأن تساهم، بسبب علاقات القرابة والمصاهرة والفهم المشترك، في تعزيز موقع ودور المملكة إقليميا، وأن يكون لها دور إيجابي ملموس على مختلف الأصعدة.

6