تعزيز قيم الوسطية والاعتدال حائط صد أمام التطرف

الأحد 2014/04/13

لعلّ التحدي الأكبر الذي يواجهه عالمنا العربي والإسلامي خلال المرحلة الحالية من تاريخه هو محاولة بعض الجماعات المتطرفة احتكار الحديث باسم الدين الإسلامي، عبر شعارات زائفة، تقدم صورة مشوّهة عن صحيح هذا الدين ومبادئه التي تحثّ على التسامح والتعايش، وتروّج في الوقت ذاته للصدام والصراع ورفض الآخر، وهو ما أسهم في انتشار الأفكار المتطرفة التي تغذّي العنف وتبرّر اللجوء إلى الإرهاب.

وأعتقد أن انتشار مثل هذه الأفكار المتطرفة يعبّر عن أزمة قيمية في المجتمعات العربية والإسلامية، ترجع إلى عوامل متداخلة، بعضها يتعلق بتراجع الدور الذي كان يمكن أن تقوم به مؤسسات التعليم الديني في نشر قيم الاعتدال والوسطية وغرسها في نفوس أبنائنا منذ الصغر، وبعضها الآخر يتعلق بما تشهده مجتمعات إسلامية عدة من صراعات معقّدة تستند إلى أفكار فاسدة ونزعات تكفيرية مدمّرة تشيع أجواء الصراع الديني والطائفي وتهدد العالم الإسلامي كله بالدخول في دائرة مفرغة من التوترات الدينية والمذهبية والاجتماعية، وبعضها الآخر يتعلق بتوظيف الدين من جانب بعض حركات الإسلام السياسي لتحقيق أهدافها في الوصول إلى السلطة من خلال رفع شعارات دينية رنانة، تدغدغ بها مشاعر الشباب، وأخيراً فوضى الفتاوى الدينية التي انتشرت في الآونة الأخيرة من جانب أنصاف العلماء، وساعدهم على ذلك العديد من القنوات الفضائية التي تتاجر هي الأخرى بالدين، ولا تجد غضاضة في إتاحة المجال لهؤلاء لنشر فتاواهم التي تبتعد عن صحيح الدين الإسلامي.

لهذا كله، أصبح من الضروري التحرك لمواجهة هذه الهجمة الشرسة التي تواجه ديننا الإسلامي الحنيف من جانب عدد من الأشخاص وهذه الجماعات التي تتاجر بالدين، وتنشر الفكر المتطرف وتغذّي العنف في مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

في هذا السياق، أخذت دولة الإمارات العربية المتحدة على عاتقها، خلال السنوات القليلة الماضية، العمل على تعزيز قيم الوسطية والاعتدال والتعايش والتسامح، باعتبارها حائط الصدّ الرئيسي في مواجهة هذه الجماعات المتطرفة، من خلال العديد من المبادرات النوعية البنّاءة، التي تسير في اتجاهات عدة: أولها، تعزيز ثقافة السلم والتعايش في المجتمعات العربية والإسلامية، وقد استضافت أبوظبي في شهر مارس 2014 المنتدى العالمي “تعزيز السلام في المجتمعات المسلمة”، الذي خرج بمجموعة من التوصيات المهمة، التي من شأنها تصحيح المفاهيم المغلوطة التي تعمل بعض قوى العنف والتعصّب والتطرف على إشاعتها ولصقها بالدين الإسلامي الحنيف، من أهمها إنشاء “مجلس حكماء المسلمين” لتعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، وتصحيح المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالجهاد ودور الفتاوى وشروط إصدارها وقيودها، وإعطاء الأولوية لنشر ثقافة السلام وبث قيم الوئام للناشئة وللشباب، ودعوتهم إلى الانخراط الفعلي في نشر ثقافة السلم في المجتمعات المسلمة.

ثانيها، التصدي للفكر المتطرف الذي يغذّي العنف والإرهاب، حيث قامت دولة الإمارات العربية المتحدة في ديسمبر 2012 بافتتاح المركز الدولي للتميز لمكافحة التطرف العنيف “هداية”.

ثالثها، دعم جهود إصلاح الخطاب الديني، والعودة إلى الصورة السمحاء للدين الإسلامي الحنيف وإعمال مبادئه وقيمه الإيجابية على أساس أن ذلك من شأنه أن يتصدى لنزعات التطرف والتشدد التي يحاول البعض فرضها على الخطاب الديني في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. في هذا السياق تحرص الإمارات على استضافة نخبة من الوعاظ والعلماء من مختلف الدول العربية والإسلامية للمشاركة في إحياء ليالي شهر رمضان المبارك، من خلال المحاضرات والخطب التي تعبّر عن الصورة الصحيحة للدين الإسلامي، وتدحض كل ما ينسب إليه من أشكال مغلوطة، سواء كانت فتاوى أو أفكاراً مشوّهة، وإعادة تأكيد ثوابت الخطاب الإسلامي الصحيح الذي يبتعد عن التطرف.

رابعها، دعم المؤسسات الدينية الوسطية في العالمين العربي والإسلامي، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، حيث بادرت الإمارات في عام 2013 بتمويل مشروعات عدة في الأزهر الشريف تبلغ تكلفة إنشائها نحو 250 مليون درهم إماراتي، من أجل استمراره في القيام بدوره الحضاري، وتعزيز رسالته التي تتميّز بالاعتدال والوسطية من مواصلة إشعاعها العلمي والتنويري. وتتضمن هذه المشروعات تمويل مشروع ترميم مكتبة الأزهر الشريف وصيانتها وترميم مقتنياتها من المخطوطات والمطبوعات وترقيمها وتوفير أنظمة حماية وتعقّب إلكتروني لمراقبتها وتعقبها والمحافظة عليها، وكذلك تمويل إنشاء مبانٍ سكنية لطلاب الأزهر في القاهرة، وتمويل أعمال تصميم إنشاء مكتبة جديدة على أحدث النظم المكتبية العالمية للأزهر الشريف تليق بمكانته وما تحويه مكتبته من نفائس المخطوطات والمطبوعات، حتى تستطيع مكتبة الأزهر القيام بالدور المنوط بها في نشر الثقافة الإسلامية وإتاحة أوعيتها النادرة لطلاب العلم والباحثين.

هذه المبادرات النوعية تؤكد بوضوح أن دولة الإمارات العربية المتحدة تمثّل نموذجا لدعم قيم التسامح والوسطية والاعتدال والانفتاح وترسيخها، باعتبارها قيما أساسية لبناء السلم في المجتمعات العربية والإسلامية من ناحية، ودعم التقدم والرفاهية فيها من ناحية ثانية، كما تشير هذه المبادرات أيضا إلى أن دولة الإمارات تتبنى رؤية شاملة لمواجهة الفكر المتطرف والإرهاب، تأخذ في الاعتبار الأبعاد الفكرية والثقافية التي تغذيهما، والعمل على مواجهة مسبباتهما، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، ومن ثمة فإنها قادرة أولا على مواجهة أصحاب الأيديولوجيات المتطرفة التي تعصف بالعالم الإسلامي، وتقف وراء إشعال الصراع الطائفي والتحريض على العنف، وتفاقم الاستقطاب في العالم الإسلامي. وثانيا على قيادة الجهود لبناء مشروع حضاري أساسه الوسطية والعودة إلى صحيح الدين الإسلامي الحنيف، ومبادئه السمحاء التي تدعو إلى العدل والسلم والإحسان والتعايش والوئام ومراعاة حقوق الإنسان.

5