"تعز" حاضرة اليمن.. ومجد الماضي

الاثنين 2013/12/30
قلعة القاهرة أشهر المعالم الأثرية بمدينة تعز

صنعاء - تعز ثالث أكبر مدينة في اليمن والعاصمة السابقة، وواحدة من أهمّ المدن اليمنية وأكثرها حضورا على مرّ العصور، فضلا عن أنها العاصمة الثقافية لليمن، تحتل موقع الريادة بين المدن اليمنية لما تمتلكه من آثار لدول ازدهرت واندثرت.

تاريخ مدينة تعز يعود إلى القرن السادس الهجري، عندما ظهر اسمها الأول بعد وصول توران شاه إلى اليمن عام 1173 ميلادي، ويذكر المؤرخون أن ظهور مدينة «تعز» جاء قبل توران، كما أن الاكتشافات والحفريات الأثرية تؤكد أنها موجودة قبل ذلك التاريخ، بدليل أن توران شاه جعل فيها أميرا ينوبه ويصرف شؤونها، ومع مرور التاريخ والسنوات كان أول من مدّنها الملك المظفر الرسولي، حتى أصبحت عاصمة الدولة الرسولية التي امتد حكمها إلى شتى بقاع اليمن، والتاريخ يصفها بأنها العاصمة الثانية من سلالة الرسولي.

والدولة الرسولية هي الدولة اليمنية الأكثر شهرة في عهد القرون الوسطى والأطول في الحيازة؛ لأنها استمرت على مدى 228 عاما، وخلال حكمها شهدت تعز انقلابا حضاريا وتطورا ضخما في الأنظمة الإدارية.

وفي عام 653 هـ، أصبحت مدينة تعز عاصمة الدولة الرسولية التي حكمت أجزاء كبيرة من شبه الجزيرة العربية منذ عام (532هـ ، 1045م) بناها السلطان عبدالله بن محمد الصليحي شقيق الملك علي الصليحي مؤسس الدولة الصليحية، ثم أصبحت القلعة مقرا للملك المظفر يوسف بن عمر بن علي رسول، لكن الآثار المكتشفة بها تؤكد أنها تعود إلى عصور ما قبل الإسلام، ومن أبرز تلك الآثار: تمثال من الفخار، وكذلك رأس حصان يعتقد أنه كان من قطع الشطرنج، كما تمّ العثور على تمثال فخاري ومبخرتين من الطراز القتباني، وخاتم يحمل عنقود عنب.. ونقش وجد على مدخل الباب الرئيسي للقلعة، ويتكون من ستة أحرف، إضافة إلى وجود عمود إسطواني على رأسه تاج، وجميع هذه الشواهد لا تقبل الشك بأن قلعة القاهرة تعود إلى عصور ما قبل الإسلام، كما عثر خلال عملية ترميم القلعة على أكثر من 140 قطعة من زخارف الفسيفساء ترجع في الغالب إلى العصر الأيوبي، إضافة إلى قطع صغيرة من الزجاج مزخرفة بماء الذهب.

وتميزت المدينة القديمة بالقباب وأبرزها قبة وجامع الشيخ عبد الهادي السودي في المدينة القديمة، وهي عبارة عن قبة صغيرة بنيت على القبر ثم أعاد بناءها سنان باشا عام 1016 هـ ، وكان يقام فيه احتفالات دينية في شهر ربيع الأول من كل عام، وكذلك قبة الحسينية المجاورة لباب موسى، بناها سنان باشا الكيخيا عام 1002 هـ، ولها ثمانية أركان، وتعدّ تحفة معمارية غاية في الإبداع والجمال.

واختلف المؤرخون في تحديد زمن انتقال العاصمة الرسولية إلى تعز، فمنهم من يقول أن نورالدين عمر بن علي بن رسول مؤسس الدولة الرسولية هو أول من اتخذ من تعز عاصمة لدولته سنة 626هـ، فيما يذهب آخرون إلى أن الملك المظفر أول من اتخذ تعز عاصمة للدولة الرسولية سنة 647 هـ.

ورجحت دراسات تاريخية أن اختيار الرسوليين لتعز لتكون مقرا لإقامتهم ومركزا لحكمهم لما تتمتع به من تحصينات طبيعية فريدة لا تكاد تجتمع في مدينة واحدة، فإلى جانب حصنها المسيطر على المدينة، ينتصب وراءه جبل صبر رديفا قويا وعمقا حيويا لأي دولة تقوم فيها.

مدينة تعز عاصمة الدولة الرسولية التي حكمت أجزاء كبيرة من شبه الجزيرة العربية منذ عام (532هـ – 1045م)

وفي تعز مساجد عديدة تعدّ من أشهر الجوامع والمساجد الإسلامية في اليمن، والتي يعود بعضها إلى بداية العصر الإسلامي، ومعظمها بنيت بعد العصر العباسي (بعد القرن الرابع للهجرة أي في فترة الدولة الرسولية) ومنها: جامع المظفر الذي يعدّ من أقدم المساجد في اليمن حيث بني بطراز جميل، كما زيّن بقباب متناسقة الأحجام تتوسطها قبة بيت الصلاة، وكلها مزينة ومنقوشة من الداخل والخارج بنقوش بارزة عليها طلاء يعرف بالقضاض (مادة ابتكرها اليمنيون تشبه الجصّ وتفوق قوة مادة الإسمنت وتماسكها، ولديها القدرة على مواجهة جميع عوامل التعرية).

ويعود تاريخ بنائه إلى عام 694 هـ على يد الملك المظفر يوسف بن عمر بن علي بن رسول، وللجامع ثلاث قباب، وجميعها مزيّن من الداخل بآيات قرآنية وأشكال زخرفية، وفيه مدرسة المحاريب المدفون فيها السلطان الملك المظفر، الذي بنى الجامع والمدرسة، وشهدت الأخيرة إضافات وتوسعات معمارية متلاحقة في أجزاء كثيرة منها.

أما الأشرفية: فهي جامع ومدرسة، وتعدّ من روائع العمارة اليمنية بصورة عامة، وتقع في الطرف الجنوبي الغربي من المدينة القديمة، وقام ببنائها السلطان الملك الأشرف إسماعيل، كما كتب في قاعدة المئذنة الشرقية أعلى مدخلها في 2 ربيع الآخر سنة 800 هجرية، وتعدّ تحفة معمارية لما تضمّه من أشكال وزخارف نباتية وكتابات جصية، وتضمّ محرابا ومصلى، وقاعتي الدراسة الشرقية والغربية، والدهاليز والمئذنتين، والمطاهير، وساحة الدفن، والفناء المكشوف في الطابق الأسفل، ويشغل ساحة الدفن ثلاثة أضرحة منها ضريح الملك الأشرف الثاني، أما المسجد فيقع في الجزء الشمالي، وهو عبارة عن قبة كبيرة مركزية محمولة على أربعة عقود، وفيه جناحان شرقي وغربي كل منهما مغطى بأربع قباب وجميع القباب ذات مركزين، ولهذا الجامع مئذنتان جميلتان، تتماثلان تماثلا كبيرا.

ويقع مسجد ومدرسة المعتبية وسط مدينة تعز، وقد قامت ببنائهما زوجة السلطان الملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل المتوفاة عام 796 هـ، والتي رتبت فيهما إماما ومؤذنا (قيما) ومدرسا يقوم بتعليم الأطفال والتلاميذ خصوصا الأيتام، والمدرسة في تخطيطها تمثل النمط من المدارس الرسولية، التي عادة ما تكون عبارة عن قبة كبيرة وجناحين، ومع ذلك فهي عبارة عن بيت صلاة ومجموعة من الدهاليز. أما المدرسة الأتابكية فتقع في جنوب غرب مدينة تعز، وتعدّ المعلم التاريخي الوحيد الذي يرجع إلى فترة الحكم الأيوبي في المدينة، حيث بناها الأمير سيف الدين الأتابك سنقر بن عبدالله الأيوبي.

12