تعطيل قطري للمصالحة الفلسطينية والطرفان مأزومان

لا يعرف الطرفان الفلسطينيان اللذان يراد لهما أن يتصالحا ماذا يفعلان. ففوق قيادة حماس في غزة جماعة "الإخوان" الموصولة بقطر، وعباس يعتلي السلطة وفتح وهو موصول بقطر، ويناور على المصريين بينما يلبي مطلب الدوحة.
الأربعاء 2018/09/05
الوضع مشبع بالاتهام والاتهام المضاد

لا زال السباق المحموم جاريا، بين طرفين معنيين، سلبا وإيجابا، بالمصالحة الفلسطينية وبالتهدئة على حدود غزة. وبات معلوما، أن الأمر يتعدى الحسابات الفلسطينية على طرفي الخصومة. وباختصار، لا تزال مصر تحاول إنجاح اتفاقيْ مصالحة وتهدئة، وجماعة “الإخوان” في الإقليم ومعهم محمود عباس يمارسان إحباطا توافقَ عليه الطرفان عن طريق الوكيل القطري الذي يمتلك علاقة مؤثرة مع الطرفين، ولا يريد لمصر أن تنجح في مسعاها، لأن الحكم في الدولة المصرية في ناظر الدوحة، لا يزال في أوهامها مطلوبا للإطاحة.

ولهذه الحقيقة، حسابات معقّدة جعلت “إخوان” الإقليم وعباس، يلتقون على هدف واحد، يناقض التوجهات الشعبية الفلسطينية، وقواعد حركتي فتح وحماس في غزة، بعد أو وصلت الأمور فيها إلى حال غير مسبوقة على مرّ التاريخ، من الاختناق الاجتماعي – الاقتصادي، وهجرة العقول والعناصر الشبابية وضياع المئات من هؤلاء الشباب في الصحارى أو في البحر، وبيع ما يمتلكون لكي يساعدهم المهربون وربابنة التسلل البحري على الوصول إلى ملاذات آمنة، والمعاناة المضنية للناس غير القادرين على مغادرة الشريط الساحلي الضيق.

في هذا السياق، تُستخدم كل الذرائع، لمنع حدوث انفراجة لسكان قطاع غزة، وبدت القواعد الاجتماعية لحركتي فتح وحماس حائرة، وفي المشهد يختلط الشيء ونقيضه، ويرمي كل طرف الطرف الآخر، بتهمة التساوق مع الشيء الهلامي الذي يسمونه صفقة القرن.

كأنما الذي يُقال عن “الصفقة” المنسوبة إلى العصر أو القرن؛ قد جاء ليشكل موضوع شُغل لكل الذين بلا شواغل ومعهم المستنكفين عن عمل أي شيء مفيد، لصالح الحال السياسية الفلسطينية التي لن تنقذها إلا الحال الاجتماعية ــ الاقتصادية الصحية.

ولأن أمر هذه الصفقة المزعومة، محض ملهاة، حسم أمرها العرب قبل أن يحسمه الفلسطينيون؛ فإن الموضوع لا يزال صالحاً للتهاجي، وبات كل طرف فلسطيني يتهم الآخر بالصفقة. فمن يعارضها ويراكم عناصر تمريرها، متهم بالسعي إلى تمرير الصفقة.

ومن يسعى إلى إنقاذ حياة الناس في غزة، متهم بتمرير الصفقة، ومن يعاند الصفقة بالإعلان عن التهيؤ لقصف المحتلين، متهم بتأزيم الأوضاع تمهيدا لحضور الصفقة، ومن يصمت إنما هو يلتزم السكوت لكي تمر الصفقة، وكل هذا يشجع أصحاب الصفقة ويُفرحهم، إن كان هناك لا تزال لدى دونالد ترامب المأزوم ومستشاريه أي صفقة!

فماذا تقول السياسة، عن حديث الصفقة، عندما يمتد زمن مثل هذا الحديث؟

السياسة تقول، إن منهجية الأميركيين منذ العام 1967 كانت تتوخى دائما وعلى مر مراحل الإدارات الأميركية، مقايضة حق الفلسطينيين في الظفر بحياة طبيعية، مقابل التنازل عن حقوقهم الوطنية الأساسية غير القابلة للتصرف. فلا شيء جوهريا جديدا في الوجهة الأميركية. بل إن معنى الحديث عن طرح مستجد، هو التغاضي عن طبائع قديمة جديدة للسياسة الأميركية.

وما الذي كان يؤخر تاريخيا إيقاع الصفقة في رأس الشعب الفلسطيني؟ إنها أولا الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة والمسلحة، ثم انتفاضات الشعب الفلسطيني ومقاومته، ثم تمسك الزعيم ياسر عرفات تاريخيا وعدم استعداه ليس للتنازل عن محددات مشروعه السياسي الواقعي وحسب، وإنما كذلك عدم استعداده للإضرار بحياة الشعب الفلسطيني والنيل من مساحة حركته وأوكسجين هوائه وخبزه.

إن هذه العناصر التي جوبهت بها محاولات فرض الحل الإسرائيلي، هي التي أحبطت المسعى الأميركي. فلماذا يتواتر الحديث الآن عن صفقة، وكأنها بدعة أميركية جديدة، وليست استطراداً لسياق قديم؟

هناك عوامل سلبية على الصعيد الفلسطيني تراكمت وأغوت الأميركيين بالتلميح إلى وجود مشروع صفقة، ثم عوامل إقليمية ساعدت الأميركيين على التفاؤل، فضلا عن البؤس الذي ضرب أطنابه في غزة، وأصبح فضيحة شجعت الأميركيين على جعل نقطة البداية من غزة!

إن العامل المتصل باضطرابات دول الإقليم وأزماته، تراجع بسرعة وجعل حديث الصفقة فقاعة هواء، عندما أكدت العواصم العربية على رفضها الانخراط في مشروع يتجاوز المحددات المعروفة لعملية التسوية، وأهم هذه المحددات: القدس، وسيادة الدولة الفلسطينية على أراضيها، ووحدة هذه الأراضي.

لم يتبقَّ من هذه العوامل، إلا الوضع الداخلي الفلسطيني المشبع بالاتهام والاتهام المضاد، من كل طرف للآخر، بأنه يتماشى مع الصفقة ويتواطأ لتمريرها، ويلعب القطريون دورا محوريا في تغذية هذا اللغط الفلسطيني، الذي يساعد على إحباط كل مسعى للمصالحة وللتهدئة في غزة.

حيال هكذا وضع يصح التساؤل: أي طرف من الأطراف الذي يمكن الحكم عليه بالتواطؤ مع الصفقة، ويريد لمشروع دويلة غزة أن يصبح حقيقة واقعة، وبالتالي يعمل على مراكمة عناصره؟ هل هو الطرف الذي يزعج الاحتلال على الأرض، أم الذي يزمجر بمفردات رفض الصفقة، بينما هو الذي لا يتردد في كل مناسبة عن الاعتراف بأنه واقع تحت قبضة الاحتلال ولا يملك من أمره شيئا؟

ومن هو بالمنطق، ولي الأمر السياسي الذي يمتشق الشرعية، ويراكم عناصر التمكين للصفقة، بإفقار الناس وتجويعها من خلال دفع الشباب إلى الهجرة واضطرار الأسر للمغادرة إلى أي مكان بحثاً عن أفق لتأمين أبسط متطلبات حياتها؟

ومن هو الطرف الذي يتعمد إهمال البديل الاجتماعي الوطني في غزة، بخنق حياته وتحويلها إلى مجاميع عاجزة عن تأمين لقمة الخبز، لكي لا يكون هناك تيار وطني يمتلك القدرة على مقاومة محاولات تصفية القضية؟

إنه هو نفسه الطرف الذي يتهم الآخرين بالصفقة، ويأخذ الفلسطينيين إلى ملهاة الحديث عنها، لتدويخهم لكي ييأس الوسيط المصري ويفشل ولو كان الثمن تدمير المجتمع الفلسطيني في غزة.

لقد أصبح الجميع حائرا، ولا يعرف الطرفان الفلسطينيان اللذان يراد لهما أن يتصالحا ويتوافقا على إستراتيجية عمل وطني واحدة؛ ماذا يفعلان. ففوق قيادة حماس في غزة، جماعة “الإخوان” الموصولة بقطر، وعباس يعتلي السلطة و”فتح” وهو موصول بقطر، ويناور على المصريين بينما يلبّي مطلب الدوحة، التمسك باشتراطات تعجيزية، لم يُظهر النذر اليسير منها في التعاطي مع الاحتلال.

9