تعقب المال.. استراتيجية فاشلة في الحرب على الإرهاب

لا شك أن تنظيم الدولة الإسلامية فقد الكثير من قوته وماله بفقدانه أراضيه في سوريا والعراق، لكن ذلك لا يكفي لإعلان الانتصار في الحرب على الإرهاب، فالوضع المالي لداعش وإن كان في حالة يرثى لها إلا أنه، حسب بيتر نيومان، مدير المركز الدولي لدراسة التطرف، يبقى مصدر خطر وتهديد، في ظل الاستمرار في العمل بذات الاستراتيجية المتبعة منذ سنة 2011 في مواجهة تمويل الإرهاب، وهي استراتيجية يصفها نيومان، في تحليل نشرته مجلة سياسات دولية “فورين أفيرز”، بأنها مكلفة وذات نتائج عكسية، وأضرت بأبرياء دون التمكن بشكل واضح من تقييد قدرة الإرهابيين على العمل وجمع المال.
الثلاثاء 2017/08/01
أبرياء يدفعون ثمن السياسات الفاشلة

واشنطن – في الأيام الأولى من الحرب على الإرهاب، أمضى الرئيس جورج و.بوش أمرا تنفيذيا رقم 13224. استهدف المرسوم الرئاسي المؤرخ في 23 سبتمبر 2001 أموال القاعدة عن طريق “منع المعاملات” مع الإرهابيين المشتبه بهم. قال بوش في ذلك الوقت “المال هو شريان الحياة للعمليات الإرهابية، ونحن نطلب من العالم وقف عملية الدفع”. وبعد خمسة أيام حذا مجلس الأمن الدولي حذو الولايات المتحدة داعيا الدول إلى منع تمويل الإرهاب والحد منه في أول قرار موضوعي منذ هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

بعد مرور أكثر من خمسة عشر عاما، يقدّم بيتر نيومان، مدير المركز الدولي لدراسة التطرف، تقييما لهذه الاستراتيجية، ويعتبر أنها فشلت في تحقيق هدفها بمواجهة تمويل الإرهاب إذ توجد اليوم المزيد من التنظيمات الإرهابية وتملك مقدارا أكبر من المال من أي وقت في الماضي. مثلا في سنة 2015 كانت ميزانية تنظيم الدولة الإسلامية تصل إلى 1.7 مليار دولار مما يجعل منه أغنى تنظيم إرهابي في العالم. وفي ذات السنة كان مجموع الأرصدة المجمدة التابعة للإرهابيين أقل من 60 مليون دولار، وهناك ثلاث جهات فقط حجزت أكثر من مليون دولار (إسرائيل والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة).

بدافع من فرضية أن الإرهاب له تكلفة مالية، سعت الحكومات على مدى سنين إلى قطع نفاذ الإرهابيين إلى المنظومة المالية العالمية. ومن أجل ذلك أعدت قوائم سوداء وجمدت الأرصدة وفرضت قوانين تنظيمية لا تحصى ولا تعد مصممة لحظر تمويل الإرهاب، مما كلف القطاعين العمومي والخاص المليارات من الدولارات.

ربما تكون هذه المقاربة ردعت الإرهابيين عن استخدام المنظومة المالية الدولية، لكن لا وجود لأي دليل على أنها أحبطت حملة إرهابية على الإطلاق. أغلب الهجمات لا تحتاج إلا إلى قدر ضئيل من المال، ويميل الإرهابيون إلى استعمال نطاق واسع من طرق تحويل الأموال وجمعها، والكثير منها تتجنب المنظومة المالية الدولية.

بدلا من مواصلة البحث عن الإبر في كومة قش، يتوجب على الحكومات تعزيز مقاربتها لمجابهة تمويل الإرهاب، وذلك عن طريق تحويل تركيزهم بعيدا عن القطاع المالي وتبني استراتيجية أوسع تتضمن خيارات دبلوماسية وعسكرية ومرتبطة بتطبيق القانون، وإلا ستضيّع الحكومات الوقت والمال على استراتيجية لا يمكنها تحقيق الأمن لسنوات كثيرة مقبلة.

طرق كسب المال

المشاكل المرتبطة بهذه الاستراتيجية الحالية أعمق، حيث أن فكرة تمويل الإرهاب أصلا مضللة، فهي تعني ضمنا وجود مجموعة من الطرق المالية المعينة التي تستخدمها كل التنظيمات الإرهابية. لا شيء أبعد من هذا عن الحقيقة. إن مفهوم تمويل الإرهاب يتحدد بالغاية منه، وهذا ما يجعل من الصعب التعميم حول مصادره وطرقه.

تراجع نسبة المشاركة المرئية الدعائية لداعش على توتير إلى 92 بالمئة

في الواقع تقوم التنظيمات الإرهابية المختلفة بتمويل عملياتها بطرق تختلف عن غيرها، وبالنسبة إلى الشبكات العابرة للحدود مثل القاعدة قد تختلف الطرق حتى من مكان إلى آخر. وتحدد ثلاثة عوامل كيفية تمويل التنظيمات الإرهابية لعملياتها؛ يتمثل العامل الأول في مستوى الدعم للتنظيم. على الرغم من أن عددا قليلا جدا من الناس لا يختلفون في أن القاعدة وداعش تنظيمان إرهابيان، توصف أغلب التنظيمات الأخرى إرهابية من قبل بعض الحكومات ولكن ليس من حكومات أخرى. وعندما تتورط التنظيمات في حروب أهلية تتهم فيها جميع الأطراف بارتكاب فظاعات يمكنها في الغالب التعويل على المساهمات الطوعية من الناس الذين تدعي هذه التنظيمات تمثيلهم، والدعم المالي من الجمعيات الخيرية المتعاطفة في الخارج، وحتى الدعم من الدولة. وليس باستطاعة القوانين المالية القضاء على أي من هذه الموارد التمويلية، فقط الضغط السياسي المستمر أو العقوبات أو التفاوض حول الحلول يمكنها ذلك.

يرتبط العامل الثاني بمدى قدرة التنظيمات على استغلال الاقتصاديات المحرمة، إذ كثيرا ما يستفيد الإرهابيون من تهريب الآثار أو النفط أو السجائر أو البضائع المقلدة أو الألماس أو العاج. وعادة ما يعمدون إلى استغلال الشبكات القائمة وكثيرا ما يتعاونون مع المجرمين، فإنتاج الهيروين في أفغانستان يعود إلى سبعينات القرن العشرين، أي قبل وقت طويل من وصول طالبان إلى الساحة. كما أن الصيد الجائر في شرق أفريقيا لم يبدأ مع ميلاد حركة الشباب، ولن ينته بانهيار هذه الجماعة. ومسالك التهريب في العراق وسوريا التي وجدت على مدى عقود بالتأكيد ستبقى بعد داعش.

ونتيجة لذلك، فإن البضائع التي تستفيد منها التنظيمات الإرهابية (النفط في العراق أو السجائر في منطقة الساحل أو الألماس في غرب أفريقيا) تعكس ببساطة الاقتصاد الممنوع لمنطقة معينة أو أخرى. وبالتالي لمجابهة تمويل الإرهاب تحتاج الحكومات معالجة البنى الاقتصادية الكامنة في هذه المناطق، أو على الأقل قطع ارتباطات هذه البنى بالإرهاب. إن تعزيز التنمية وتحسين الحوكمة ومحاربة الفساد ستلعب دورا أكبر بكثير من منع الإرهابيين من استخدام المنظومة المالية الدولية.

العامل الثالث في تشكيل الطرق التي يمول بها الإرهابيون أنشطتهم هو قدرتهم على الوصول إلى المصادر المشروعة للمال. لقد عرفت السلطات الأميركية بن لادن في البداية كممول للإرهاب، ومع ذلك فإن موارد ثروته (مال عائلته ومشاريع البناء والزراعة التي كان يملكها) كانت قانونية بالكامل.

وبالمثل أقام الجيش الجمهوري الأيرلندي عدة مشاريع بما في ذلك خدمات تاكسي وفنادق كانت مسجلة بطريقة قانونية وتدفع الضرائب المتوجبة عليها، لكن هذا التنظيم كان يوظف الأرباح في تمويل كفاحه المسلح. بما أن الإرهابيين يستطيعون التعويل على مصادر الدخل الشرعية، فإن وقف الحنفية أصعب من محاربة غسيل الأموال أو الجريمة المنظمة.

لا توكل المهمة إلى البنك

بعد مضي أكثر من عقد ونصف العقد على بداية الحرب على تمويل الإرهاب، على صانعي السياسات أن يقروا بعيوب مقاربتهم التي يعتمدونها حاليا. ليس بإمكان الوسائل المالية إيقاف المهاجمين الفرديين عن دهس حشد من الناس بالسيارات، أو يمكنها فعل الكثير عندما تسيطر بعض التنظيمات مثل تنظيم داعش على رقعة من الأرض وتحصل على أغلب دخلها من داخلها. على صانعي السياسات الإقرار بأن الحرب على تمويل الإرهاب، بالشكل الذي تم منذ سنة 2001، كانت في الكثير من الأحيان مكلفة وذت نتائج عكسية، وأضرت بأناس أبرياء وشركات دون التمكن بشكل واضح من تقييد قدرة الإرهابيين على العمل.

وما لم تجد الحكومات طرقا لإحداث ثورة في كيفية تبادل المعلومات مع القطاع المالي، لن يعدو مجهودها أن يكون مضيعة للمال والوقت.

بدل ذلك يتوجب على الحكومات إدماج جهودها للحد من تمويل الإرهاب ضمن استراتيجياتها الأوسع لمكافحة الإرهاب. وعوضا عن تفويض هذه المهمة لوزارات المالية، وهو ما من شأنه أن يديم التركيز المفرط على القطاع البنكي، يجب على الحكومات أن تدخلها في قراراتها السياسية والدبلوماسية والعسكرية الأشمل.

في بعض الأوقات قد تتضمن الأعمال الهادفة إلى محاربة تمويل الإرهاب المنظومة المالية، لكن في مناسبات أخرى على الحكومات أن تستخدم الجيش وقوات تطبيق القانون. وأخيرا يجب أن تصمم طرق مكافحة تمويل الإرهاب بحسب التنظيم والمسرح المستهدفين، فالجماعات الإرهابية تجمع الأموال بطرق شتى لكن الحكومات تميل إلى الرد بنفس المجموعة الضيقة من الأدوات المستخدمة لمكافحة الإرهاب.

إن تضييق الخناق على تمويل الإرهاب في بروكسل يجب أن يبدو مختلفا جدا عن فعل الشيء نفسه في الرقة، ففي بروكسل قد يتضمن ذلك القيام بحملات أمنية ضد العصابات والجرائم البسيطة. أما في سوريا فذلك يتطلب قصف المنشآت النفطية ومستودعات النقود. وعوضا عن ممارسة الضغط من أجل استصدار قرارات في مجلس الأمن، يجب على الحكومات اتباع مقاربة موجهة وأكثر براغماتية لحرمان الإرهابيين من مصادر دخلهم. بعد قضاء أكثر من خمسة عشر سنة وصرف المليارات من الدولارات على استراتيجية لم تأت بنتيجة واضحة، آن الأوان لاعتماد مقاربة جديدة.

7