تعقيبات على اغتيال ناهض حتر

الخميس 2016/09/29

إن داعش اليوم، مهما أنكر البعض أو شكك، أصبحت بسمعتها وأفعالها مثلا أعلى للكثيرين من المتشددين المتطرفين في تفسير الدين وتطبيق أحكامه، حتى وهم لا يقرأون القرآن، وإن قرأوه فلا يفهمون ما يقرأون، إما لجهلهم بلغة القرآن، أو لأنهم من فئة المسلم الذي لا يصلي ولا يصوم ولا يؤدي زكاة، ومع ذلك ينصب نفسه الحاكم ومنفذ الحكم معا، ويمنح نفسه الحق في تكفير هذا وتقديس ذاك، مدفوعا بدروس رجال الدين، وخطبهم التي يمتلئ الكثير منها بالخرافة والحكايات الملفقة والمضللة، الموروثة من قرون الظلام.

وفي المجتمعات الإسلامية اليوم، وخاصة تلك التي لا تزال أسيرة التعصب الديني، الآلاف من المستعدين لارتكاب جرائم تفوق، في وحشيتها وبشاعتها، جرائم الداعشيين المجندين في داعش ذاتها، الذين يقطعون الرؤوس بالسكاكين وعلى شاشات التلفزيون.

مناسبة هذا الكلام ما نشر عن رياض عبدالله قاتل الكاتب الصحافي الأردني ناهض حتر الذي قيل عنه إنه سلفي (مستقل)، أي أنه غير منتم لداعش أو لغيرها، لكنه من المؤمنين بأن “من رأى منكم منكرا فليغيره بيده” فقط، ثم يهمل الباقي “فمن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان”.

ففي حادثة اغتيال ناهض حتر (المحسوب) على العلمانية وعلى اليسار والديمقراطية، مسألتان ينبغي تناولهما بالتدقيق والتفصيل.

الأولى أن القاتل قد لا يكون قد شاهد الرسم الكاريكاتيري الذي نشره ناهض في موقعه، ولم يحاول التأني في الحكم عليه واحتمال أن يكون، فعلا، “سخرية من الإرهابيين وتصورهم للرب والجنة، ولا يمسّ الذات الإلهية من قريب أو بعيد”، كما أعلن ناهض بعد النشر بقليل.أو قد يكون مأمورا بالقتل، مدفوعا من جهاز مخابرات أو زعيم حزب أو رئيس قبيلة أو إمام.

أو قد يكون متطوعا للقتل، بجهل وتعصب أعمى، من أجل أن يفوز بالشهادة، لو قُتل أو أعدم، فيدخل الجنة، وينعمَ بِحُورها العين وغلمانها وخمرها وعسلها، مع الخالدين.

والحقيقة أن داعش سوف تهزم قريبا، وتتحرّر المدن والقرى التي تحتلها اليوم، وتختفي أعلامُها وسكاكين “مجاهديها”، وقد يُقتل “خليفتها” البغدادي وأركان خلافته، أو يستسلمون فيحاكمون ويعدمون. فهي فقاعة وجدت في غير مكانها وزمانها، ولا بدّ لها من أن تزول كما زال مثلها في التاريخين الإسلامي والإنساني، وإن طال بها الزمن.

ولكن المصيبة لن تنتهي بانتهائها؛ فأحكامُها وعقائدُها كانت وستبقى ذاتَها الأحكامَ والعقائدَ التي تؤمن بها وتُخلِص في تقديسها الملايينُ من المتدينين المتطرفين التكفيريين والسلفيين، سنة وشيعة، لا في البعض من الدول الإسلامية فقط، بل حتى في بلاد المغضوب عليهم والضالين والمشركين.

وهذا الذي عاد من الحج ليحمل كفنه بيد، ومسدسَه باليد الأخرى، فيقتل ناهض حتر وهو على سُلم المحكمة، قبل أن يقول القضاء كلمته في ما نشره على موقعه، مجردُ واحدٍ من ملايين لن يتورعوا عن ذبح من يرون أنه ارتدّ أو أشرك أو ازدرى الدين، حتى لو لم يتحققوا، ليعدلوا.

أما المسألة الثانية فهي ناهض حتر ذاته؛ ومن يعرفه شخصيا، ومن تابع كتاباته وتصريحاته العلنية الإذاعية والتلفزيونية والصحافية يعلم أنه متطرفٌ أيضا ولا يقل تطرفا عن قاتله السلفي، بل أشدّ. أما في ما يتعلق بالرسم الذي تجرأ فنشره على موقعه، فإن كان يقصد به تسخيف الفكر الداعشي، كما زعم، فهو نسي أو تناسى أن فكر داعش هو ذاته فكر الشخص الذي أقدم على قتله في عمّان، وبالتالي فنشرُه لما نَشر حماقة بكل المقاييس.

وإن كان قصده السخرية فعلا من الذات الإلهية ومن الفكر الديني، بالإطلاق، فهو يكون قد ارتكب جريمة بحق أول مبادئ العلمانية وأهم أحكامها. وإن كان يعتقد بحريته في تسخيف عقائد الآخرين، دون أن يحسب حسابا لعواقب هذه السخرية فهي منه سخافة وغباء. فالعلمانية الحقيقية تحكم بفصل الدين عن الدولة، ولكنها تحترم، وبشدّة، جميع العقائد الدينية باعتبارها حرية شخصية خالصة، وتصون أصحابها، مع تمسّكها الحازم والنهائي بحياد الدولة، وبحمايتها من تدخل رجل الدين في دستورها وقوانينها، ورفض وصايته عليها، بأيّ شكل، وبأيّ صيغة، وأيّ عذر.

والغريب أن البعض اعتبر اغتيالَ حتر جريمة في حق العلمانية وحرية الرأي والديمقراطية.

فأيّ علمانية تلك التي تسمح بالسخرية من عقيدة شرائح واسعة من البشر؟ وأيّ علمانية تلك التي تسمح بتأييد حزب الله اللبناني الديني الطائفي السلفي المتشدد، وشرعنة دوره الإجرامي في سوريا؟ وأيّ علمانية تلك التي تبرّر الدفاع، علنا، عن جميع ما يفعله ديكتاتور مثل بشار الأسد؟ وأيّ علمانية تلك التي تؤيّد نظاما طائفيا متطرفا كنظام الولي الفقيه في إيران، وهو لا يختلف في شيء عن داعش التي قُتل حتر بسبب سخريته منها، ومن عقيدتها؟ عجائب.

كاتب عراقي

8