تعقيدات سد النهضة تقرب مصر من حافة الفقر المائي

مصر مهددة بفقدان صفة هبة النيل، حيث أن مياهه قد تقطع عن المصريين الذين سيجدون أنفسهم مضطرين إلى استهلاك المياه المحلاة، وربما استعمال الصرف الصحي والصناعي لريّ محاصيلهم الزراعية؛ حيث تمضي إثيوبيا قدما في بناء سد النهضة بما يقرب مصر من منطقة الفقر المائي بشكل سريع. ويضاعف من الأزمة رغبة دول الحوض الأخرى في توسيع مشاريعها التنموية والزراعية والصناعية، وهي مشاريع تتطلب بناء سدود على البحيرات وبعض روافد النهر، إضافة إلى منبع النهر، الأمر الذي قد يؤدي إلى تقلّص منسوب المياه في النهر ومن ثمة تغيير نسب الحصص الموزعة بين دول الحوض، الشيء الذي قد يدفع المنطقة تدريجيا باتجاه كارثة مائية.
الخميس 2015/10/08
العطش يتسلل إلى مصر إذا لم يحسم الجدل حول سد النهضة

القاهرة - كلما اقتربت مصر خطوة نحو التفاهم مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، فاجأتها الثانية بأخرى في الاتجاه المعاكس، تعيد طريق المفاوضات إلى نقطته الصفر. وكلما قطعت القاهرة شوطا في تحييد بعض الأطراف الخارجية، حاد واحد منها عن الصف، واتخذ خطوة تعكر صوف الأجواء. وكلما حلّت عقدة فنية، طالعتها عقد أخرى.

تلخص الكلمات السابقة جانبا من الميلودراما التي تواجهها مصر مع إثيوبيا، بعد شروع الأخيرة في بناء سد النهضة، ونجاحها في الانتهاء من حوالي 50 في المئة من عملية البناء، ولا تزال القاهرة تبحث عن تفاهمات عبر المفاوضات مع أديس أبابا تقلل بموجبها الخسائر المتوقع أن تقع على عاتقها بسبب بناء هذا السد.

الحاصل أن الطموحات المصرية انتقلت عمليا من مرحلة وقف البناء إلى تقليل خسائر السد، حيث تأكد أن إثيوبيا ماضية في مشروعها، وأن جميع الدراسات أثبتت وقوع أضرار مائية على مصر، وفي ظل التشابكات والتعقيدات التي يمر بها مشروع سد النهضة، محليا وإقليميا ودوليا، بدأت القاهرة تتصرف برؤية براغماتية، تقوم على تقليل الخسائر بقدر الإمكان، وحتى هذه لم تستطع الوصول إليها حتى الآن، إذ ما أن تحل أزمة إلا وانفجرت في وجهها أزمات أخرى.

آخر تجليات الأزمة المستمرة كان إعلان المكتب الهولندي “دلتارس” المنوط به المشاركة في إعداد دراسات حول تداعيات بناء سد النهضة، الانسحاب من المهمة التي لم يمر وقت طويل على تكليفه بالقيام بها، بالمشاركة مع المكتب الفرنسي “بي آر إل”، الأمر الذي أربك الحسابات المصرية، ومنح إثيوبيا فرصة جديدة للرهان على مسألة الوقت، لأن الإصرار على الانسحاب يعني المزيد من التأجيل لمناقشة القضايا المحورية.

اتجاهان متوازيان

لكن خالد وصيف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الري والموارد المائية، كشف لـ”العرب” أن الحكومة المصرية ستسير في اتجاهين متوازيين، للتعامل مع ملف سد النهضة الإثيوبي، أولهما محاولة التوفيق بين المكتبين الاستشاريين الهولندي والفرنسي، المكلفين بإعداد الدراسات الفنية حول المشروع، وإقناع المكتب الهولندي بالعودة لاستكمال عمله والعدول عن قرار انسحابه.

أديس أبابا تستفيد من عنصر الوقت لبناء السد وتضع القاهرة في موقف قد يضطرها للتسليم بالأمر الواقع

والاتجاه الثاني، يرمي إلى عقد اجتماع خاص باللجان الوطنية في الدول الثلاث المعنية (مصر وإثيوبيا والسودان) للتشاور وإيجاد حلول للمشاكل الراهنة، والتي حالت دون المضي قدما في التفاهم حول عدد من القضايا المشتركة.

وشدّد وصيف على أن الملف المائي المصري لا يقل أهمية عن ملف الإرهاب الذي تخوض مصر حربا شرسة ضده، وأن هناك بدائل كثيرة في حال استمرار تعنت الجانب الإثيوبي في المفاوضات. ورفض الإفصاح عن طبيعة تلك البدائل، التي يمكن اللجوء إليها، حال مواصلة إثيوبيا تمسكها بموقفها، وإصرارها على أسلوب المراوغات الذي يضر بالأمن القومي المصري.

عوائق في طريق المفاوضات

في ظل العقبات الهائلة التي تواجه ملف المياه، اكتفى المتحدث باسم وزارة الري المصرية بالقول، إن القاهرة تسير في الطريق الصحيح لحل المشكلة، من خلال المفاوضات، والوصول إلى حلول مناسبة، لافتا إلى أن نهر النيل ليس فقط مصدرا مائيا مهما للمصريين والتنمية المستقبلية، بل مصدر حياة، طوال آلاف السنين.

مع أن وجهة النظر المصرية الرسمية التي عبر عنها وصيف، يحدوها أمل بإمكانية التفاهم مع الجانب الإثيوبي، غير أنها لم تخل من حذر، وأن احتمال استمرار المسافات المتباعدة يجب أخذه في الحسبان، وهنا يمكن أن تخرج القاهرة عن حلمها المعتاد، فقد تتخذ من الخطوات ما يمثل مفاجأة للمنهج الذي اتبعته طوال السنوات الماضية.

يحمّل أيمن شبانة، الأكاديمي بمعهد الدراسات والبحوث الأفريقية بجامعة القاهرة، الجانب الإثيوبي مسؤولية انسحاب المكتب الهولندي، بعد أن تعمدت أديس أبابا تكليف المكتب الفرنسي (المتواضع) بإعداد نحو 70 بالمئة من الدراسات والتقارير الفنية. وقد أثار هذا التصرف غضب مسؤولي المكتب الهولندي، الذي أعلن الانسحاب نهائيا الشهر الماضي، ووضع مصر في مأزق كبير، بينما تستفيد أديس أبابا من هذا التنصل، بالحصول على مزيد من الوقت لاستكمال بناء السد.

أيمن شبانة: الدبلوماسية وحدها غير كافية للتعامل مع ملف سد النهضة

وأوقف انسحاب المكتب الهولندي مسيرة التفاوض التي تسارعت وتيرتها مؤخرا، وهو الهدف الذي تسعى إليه إثيوبيا، بغرض توظيف عنصر الوقت. ففي الوقت الذي تبدو فيه المفاوضات والدراسات متوقفة، تواصل إثيوبيا عملية البناء، والتي حققت فيها طفرات كبيرة مؤخرا، بل يمكن أن تنتهي من بناء السد تماما، ولا تزال الأطراف الثلاثة تبحث في وسائل لإقناع المكتب الهولندي بالعودة، أو إيجاد بديل مناسب له.

وقال شبانة، في تصريحات لـ”العرب”، إن لقاء الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي مع رئيس الوزراء الإثيوبي هيلا ماريام ديسالين، على هامش اجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة بنيويورك الشهر الماضي، كان قد منح المحادثات الثلاثية جرعة أمل جديدة، للإسراع بعقد الاجتماع الثلاثي في القاهرة، أوائل الشهر الحالي، غير أن تزامن موعد هذا الاجتماع مع انعقاد الجلسة الأولى للبرلمان الإثيوبي، أدى إلى تأجيله.

وبصرف النظر عن حقيقة الترابط بين الاجتماع الثلاثي والبرلمان الإثيوبي، فإنه يصب ضمن سلسلة التسويفات التي تبحث عنها أديس أيايا، بأي شكل وفي كل وقت، وهي في جميع الأحوال تخدم استراتيجيتها في توظيف عنصر الوقت لأقصى درجة ممكنة.

وفسر خبير العلاقات الأفريقية مسألة المراوغات المستمرة بأن إثيوبيا تملك حزمة من أوراق الضغط المهمة، ما يمنحها مساحة كبيرة للحركة، بالحق أو بالباطل، فهي ليس لديها ما تخسره، وتستحوذ على كمية من المياه تكفيها لعقود طويلة، حتى وإن تضاعف عدد سكانها 10 مرات، كما أنها تمتلك 13 حوضا نهريا، بخلاف حوض النيل، إضافة إلى تأييد بعض الدول الأفريقية لها، فالسودان رغم علاقاته التاريخية مع مصر، ينظر فقط إلى مصالحه المباشرة والضيقة مع أديس أبابا، رغم أن الضرر الواقع عليه من جراء بناء هذا السد، لن يكون أقل من مصر.

ومع أن القاهرة لوحت ببعض الخيارات المحرجة، إلا أنها لا تزال متمسكة بضبط النفس وعدم التخلي عن سلاح الدبلوماسية، كسبيل وحيد لفك الكثير من العقد التي تعتري علاقاتها بإثيوبيا بشأن ملف سد النهضة.

لكن الدكتور شبانة، قال لـ”العرب” إن الدبلوماسية وحدها غير كافية للتعامل مع هذا الملف. ولابد من الإسراع في إعداد ملف قانوني متكامل. وتدوين موقف الجانب الإثيوبي بكل ما ينطوي عليه من ملاحظات سلبية. وعرض الملف على جهات التمويل الدولية والمؤسسات العالمية، التي تعمل في مجال الأنهار، والبنك الدولي والمجلس العربي للمياه، إضافة إلى ضرورة التواصل مع دول الخليج التي ترتبط مع إثيوبيا بعلاقات تجارية، مثل الإمارات والسعودية والكويت وعمان، لإيضاح خطورة الأمن المائي المصري، وطلب التدخل واقتراح تمويل بديل لبناء السد، بشرط ألا يسبب ضررا للقاهرة.

خبراء: سد النهضة سيتسبب في جفاف مصر

شكوك وهواجس

رغم كل الجهود التي تبذلها مصر لحل الأزمة سلميا، غير أن قطاعا ليس هينا من المصريين المعنيين بملف المياه، لا يرون طائلا من وراء المنهج الذي تسلكله القاهرة، وأن أديس أبابا أثبت عدم حسن نواياها مرارا، وقد بدأ أصحاب التشكيك في السلوك الإثيوبي يعلو صوتهم في كثير من وسائل الإعلام المصرية، محذرين من النتائج السلبية التي يمكن أن تجنيها مصر، جراء الليونة التي تتبعها مع إثيوبيا، والتي لم تحقق أي تقدم على مدار العامين الماضيين.

من بين فريق المشككين في التوجهات الرسمية المصرية محمد نصر علام، وزير الري الأسبق، والذي درج على توجيه انتقادات للحكومة المصرية، مع أن ملف سد النهضة بدأ في عهده عندما كان وزيرا للري، ولم يتمكن من القيام بدور يوقف زحف هذا المشروع أو حتى يحذر من مخاطره مبكرا، وبدأ الرجل يشن حملة ضارية على التوجهات الإثيوبية، ويقلل من أهمية التحركات الدبلوماسية التي تقوم بها مصر.

وقال علام، في تصريحات خاصة لـ “العرب”، إن إثيوبيا لا ترى إلا مصالحها الشخصية، ما يعوق عملية التفاوض. والمجتمع الدولي بشكل عام، والإقليمي بشكل خاص يغض الطرف عن هذا الملف، حيث لا مصلحة له، موضحا أن الولايات المتحدة على رأس المؤيدين لموقف إثيوبيا، لأنها تبحث عن دول تابعة تحت هيمنتها. وكشف وزير الري الأسبق لـ”العرب” عن جانب من معاناته في هذا الملف وقت توليه المسؤولية، حيث شدّد على ضرورة العودة إلى المسار السياسي لحل الأزمة، وقال إن إثيوبيا تعرف أن مصر تريد إجراء الدراسات حتى تحصل على وثيقة تثبت تعرضها لأضرار عديدة، بسبب سد النهضة.

خالد وصيف: الملف المائي المصري لا يقل أهمية عن ملف الإرهاب

وأجمع كثير من الخبراء على أن ما تفعله إثيوبيا يعد انتهاكا للقانون الدولي، وتهديدا للسلم المائي في مصر، وفي هذه الحالة تستطيع مصر التقدم بشكوى إلى مجلس الأمن، والذي بدوره يقوم برفع الأمر إلى المحكمة الدولية. وما تحدده المحكمة من فتوى سوف يكون واجبا النفاذ، بالتالي تكون لدى مصر حجة قانونية، تغنيها عن المراوغات التي تقوم بها إثيوبيا، وتمتلك دليلا قاطعا على أنها سوف تتضرر من الاستمرار في بناء السد، وفقا للمواصفات الحالية، التي يجري العمل بها.

في هذا السياق، أوضح هاني رسلان، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية والخبير في الشؤون الأفريقية، أنه لا توجد مفاوضات على أرض الواقع، وكل ما يحدث ضجيج بلا طحين، يندرج تحت مسمى “العبث”، فإثيوبيا ماضية في بناء السد منذ 4 أعوام دون مراعاة مصالح مصر أو حتى السودان.

وشدد رسلان، في تصريحات لـ”العرب” على ضرورة عقد قمة ثلاثية بين مصر والسودان وإثيوبيا، للمطالبة بضرورة وقف العمل في بناء السد، إلى حين الانتهاء من جميع الدراسات وحل الأزمة، وأن تعلن مصر في حال استمرار تعنت الجانب الإثيوبي، أنها ستقوم بالرد المناسب، وبالوسيلة المناسبة التي تتواءم مع حماية الأمن المائي، خاصة وأنه لا يوجد ما تعوض به مصر خسارتها من فائض المياه، واحتمال دخولها فعليا منطقة الفقر المائي، بسبب بناء السد الإثيوبي.

وتوقع رسلان عدم قدرة إثيوبيا على ملء الخزان، رغما عن إرادة مصر، حيث يحتاج إلى 74 مليار متر مكعب من المياه، وإذا افترضنا جدلا ملء الخزان على مدار 6 سنوات، فإنه يحتاج إلى نحو 12 مليار متر مكعب من المياه سنويا على الأقل، وهي خسارة تعود على مصر والسودان معا.

وعن مغزى دخول مجال تحلية المياه للمرة الأولى، حيث تعاقدت مصر مع سنغافورة مؤخرا على إقامة محطة للتحلية، أوضح رسلان أن هذا ليس معناه فقدان الأمل في التفاوض مع الجانب الإثيوبي، مشيرا إلى أن تحلية المياه لا تحقق تنمية زراعية، بدليل أن دول الخليج العربي بها نحو 35 بالمئة من محطات تحلية المياه في العالم، ولم يحدث في أي منها نهضة زراعية، لافتا إلى أن تحلية المياه تخدم المشروعات الصناعية أو السياحية مثلا، أو للاستخدام المنزلي فقط.

7