تعقّد الأزمات العراقية يضعف موقف دعاة إخراج القوات الأميركية

صعوبة الظرف تفرض على حكومة بغداد القادمة أن تكون مرنة مع واشنطن وتتجنب غضبها.
الأربعاء 2020/04/29
حزم الحقائب لم يحن بعد

حديث قيادات عراقية عن فتح حوار مع الولايات المتحدة خلال الصيف القادم بشأن إخراج قوّاتها من العراق يبدو مجافيا للواقعية، فلا الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائرة نحو مزيد من التعقيد، تسمح لبغداد بفتح ذلك الملف الشائك مع واشنطن، ولا الوضع الأمني المتّسم بالعودة القوية لتهديدات تنظيم داعش يتيح للقوات العراقية الاستغناء عن الخبرات والإمكانات العسكرية الأميركية.

بغداد - يتراجع مع تراكم المشاكل السياسية والاقتصادية في العراق وتعقّدها، أملُ دعاة إخراج القوات الأميركية في البلد في تحقيق هدفهم، بينما يُسند التصعيد اللاّفت من قبل تنظيم داعش لعملياته في عدد من مناطق البلاد، موقف الداعين إلى بقاء تلك القوّات.

وتأمل قيادات عراقية أن يكون الصيف القادم موعدا لفتح الحوار مع الولايات المتّحدة بشأن سحب قوّاتها من العراق، غير أنّ أغلب المراقبين يستبعدون ذلك نافين أن يكون في نيّة الإدارة الأميركية مناقشة هذا الموضوع الحسّاس المرتبط عضويا بالصراع مع إيران في المنطقة، ومتوقّعين أن يكون أقصى ما يمكن أن تقدم عليه واشنطن، هو عرض بعض المساعدات والتسهيلات على حكومة الانتقالية العراقية، في حال نجاح المكلّف مصطفى الكاظمي في تشكيلها.

ويستند هؤلاء إلى مسار الأحداث الجارية حاليا والذي يشير إلى أنّ العراق يسير نحو أزمة اقتصادية ومالية خانقة بفعل تهاوي أسعار النّفط والتي من شأنها أن تزيد من تعميق الأزمة الاجتماعية وتضع الحكومة القادمة تحت مزيد من ضغوط الشارع، وتضاعف من حاجتها للدعم الخارجي بما في ذلك الدعم الأميركي ودعم المؤسسات المالية الدولية التي تمتلك واشنطن سطوة ونفوذا كبيرين داخلها.

وقال أحد المراقبين السياسيين إنّ أي حكومة عراقية قادمة ستكون أضعف من أن تستطيع الدخول في سجال حاد مع الولايات المتّحدة بشأن وجود قوّاتها في العراق، مشدّدا على أن الواقعية ستفرض على من يقود تلك الحكومة سواء كان المكلّف الحالي مصطفى الكاظمي أو غيره أن يكون مرنا مع إدارة الرئيس ترامب وأن يتجّنب غضبها ومسارعتها لفرض العقوبات.

وكان المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة العراقية اللواء عبدالكريم خلف قد أعلن الأحد الماضي أنّ بلاده والولايات المتحدة ستضعان في يونيو المقبل جداول زمنية لانسحاب القوات الأميركية من البلاد.

وأوضح خلف أنّ قرار إجراء المفاوضات يأتي استنادا لقرار مجلس النواب العراقي، في إشارة إلى القرار الذي ينص على إخراج القوات الأميركية من العراق والذي وقفت وراء إصداره القوى السياسية المعروفة بعلاقتها المتينة مع إيران، وكان بمثابة ردّ فعل على قيام الجيش الأميركي بقتل قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقي أبومهدي المهندس بغارة جوية خارج مطار بغداد مطلع العام الجاري.

غير أن ذلك القرار لم يكن موضع إجماع مختلف القوى السياسية في العراق، حيث احتجّت عليه عدّة قوى، سنيّة وكردية بالأساس، رأت أن الحاجة ما تزال قائمة للقوات الأميركية، في ظل تواصل هشاشة الوضع الأمني بالبلد وعدم القضاء بشكل نهائي على تهديدات تنظيم داعش الذي عاد مؤخّرا للنشاط بكثافة على الأراضي العراقية، ما يقوّي موقف المعترضين على إخراج القوات الأميركية من العراق.

ونفّذ التنظيم خلال الأيام الماضية سلسلة من الهجمات في أنحاء متفرّقة من العراق، أسفرت عن وقوع قتلى وجرحى. وقام، الثلاثاء، بتنفيذ تفجيرين انتحاريين أمام مقر جهاز الاستخبارات الوطني في مدينة كركوك شمالي البلاد أسفرا عن إصابة ثلاثة أشخاص.

وقال خلف إنّ العلاقة الأمنية بين العراق والولايات المتحدة ستستمر في إطار عمليات التدريب وتبادل الخبرات حتى في حال تنفيذ قرار الانسحاب، معتبرا أن تخفيض الولايات المتحدة لقواتها خلال الأسابيع الماضية يعد بادرة حسن نية.

إدارة ترامب لن تسحب القوات الأميركية من العراق قبل أشهر من الانتخابات ما سيشكل هزيمة أمام إيران

وعلى العكس من ذلك كان خبراء الشؤون الأمنية والعسكرية قد قرأوا في سلسلة الانسحابات التي نفّذتها مؤخّرا القوات الأميركية من قواعد ثانوية في العراق، إعادة ترتيب لأوضاعها استعدادا لوجود طويل الأمد على الأراضي العراقية، عبر التمركز في عدد محدود من القواعد الأكثر تأمينا والمحمية ببطاريات صواريخ الباتريوت المضادة للصواريخ الباليستية، ومنظومات الحماية من الصواريخ قصيرة المدى التي تستخدمها عادة الميليشيات الشيعية في العراق.

وكانت قوات التحالف الدولي ضد داعش بقيادة الولايات المتّحدة قد أخلت في الفترة القريبة الماضية أغلب القواعد الثانوية في العراق وسلمتها للقوات العراقية، بينما توجّهت إلى قاعدة عين الأسد غربي مدينة الرمادي مركز محافظة الأنبار، وقاعدة الحرير شرقي مدينة أربيل مركز إقليم كردستان بشمال البلاد. ويمكن لعدد محدود من قوات النخبة موجود في قاعدتين محصّنتين ومحميتين من صواريخ الميليشيات الشيعية، أن تواصل فرض هيمنتها على الأجواء العراقية، وتوجيه ضربات دقيقة للفصائل المسلّحة الموالية لإيران بهدف تحجيمها ومنع تغوّلها، من دون تقديم أي أثمان مقابل ذلك.

وتصاعدت في الفترة الماضية الهجمات الصاروخية على قواعد تضم أميركيين بالعراق منها قاعدة عين الأسد. واتهمت واشنطن ميليشيا كتائب حزب الله العراق بالوقوف وراء تلك الهجمات.

وبينما تحاول إيران استخدام القوات الحليفة لها لإجبار القوات الأميركية على الانسحاب من العراق، تتمسك الولايات المتحدة بعدم الانسحاب واتخاذ العراق منطلقا للعمل على تحجيم النفوذ الإيراني في العراق والمنطقة. وسياسيا يظل من المستبعد أن يقدم الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال سنة الانتخابات التي سيسعى خلالها للحصول على ولاية رئاسية ثانية على سحب قوات بلاده من العراق ما سيعتبر هزيمة أمام إيران المحرّض الأصلي على إخراج تلك القوّات.

ولن تضطر واشنطن لاستخدام القوّة ضدّ بغداد لإرغامها على القبول ببقاء القوات الأميركية على الأراضي العراقية، حيث تمتلك الكثير من وسائل القوّة الناعمة الدبلوماسية والاقتصادية.

وحرصت الولايات المتّحدة على إبقاء ورقة إلزام العراق بتنفيذ العقوبات على إيران وسيلة للضغط على بغداد والتلويح بها من حين لآخر، دون استخدامها بالفعل. وتقوم في إطار هذا التكتيك بالتمديد في مهلة السماح للسلطات العراقية بمواصلة استيراد الكهرباء والغاز اللازم لتوليدها من إيران، دون منح العراق رخصة مفتوحة للقيام بذلك.

وأعلنت واشنطن، الأحد الماضي، تمديد فترة الاستثناء الممنوحة للعراق من تطبيق العقوبات على إيران لثلاثين يوما حتى يتمكّن من مواصلة استيراد الطاقة الإيرانية، الأمر الذي يعطي سلطاته متنفّسا من الأزمات الخانقة والمركّبة التي تواجهها جرّاء تدهور أسعار النفط وانتشار فايروس كورونا ومعضلة تشكيل حكومة بديلة عن حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبدالمهدي.

وكانت الولايات المتحدة قد قرّرت في فبراير الماضي السماح للعراق بمواصلة استيراد الغاز والكهرباء من إيران لكن مدة الإعفاء تقلّصت من 120 إلى 90 يوما ثم إلى 45 يوما، وصولا إلى ثلاثين يوما فقط، الأمر الذي يتضمّن إنذارا بتصعيد الضغوط الأميركية على العراق.

وحاولت واشنطن استباق تشكيل حكومة عراقية جديدة برئاسة مصطفى الكاظمي الذي يوصف بالاعتدال وبالسعي إلى إحداث توازن في العلاقات الخارجية لبلاده، قياسا بالطبقة السياسية المهيمنة على القرار العراقي والتي ساهمت في توسيع النفوذ الإيراني في البلاد. ولدى إعلان تكليف الكاظمي بتشكيل الحكومة الجديدة رحبت الولايات المتحدة بهذا الاختيار آملة في أن تكون حكومته قادرة على التصدي لفايروس كورونا ودعم الاقتصاد والسيطرة على السلاح.

وتعلم الإدارة الأميركية أن أمام الكاظمي في حال نجح في تشكيل حكومته مشاغل كثيرة وملفات عاجلة ومعقّدة من شأنها أن تجعل السعي إلى إخراج القوات الأجنبية من البلاد مجرّد ترف سياسي.

3