تعلم العرب من أخطاء كارتر.. ولم يتعلم أوباما

الاثنين 2013/08/26

لابدّ من العودة، بين حين وآخر، قليلا إلى خلف للتأكد من الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها الإدارات الأميركية المتلاحقة بسبب جهلها للشرق الأوسط.

ففي الولايات المتحدة أفضل الذين يعرفون المنطقة، ولكن فيها أيضا كميّة لا بأس بها من السذّج الذين يخلطون بين الديمقراطية وحقوق الإنسان من جهة، والتنظيمات الفاشية التي تتطلع إلى نشر البؤس والتخلف والتطرّف للسيطرة على الناس العاديين من جهة أخرى.

في أواخر السبعينات من القرن الماضي، خصوصا في الأشهر التي سبقت اندلاع الثورة الإيرانية وخلال الثورة وبعدها، لم يكن هناك أي فهم أميركي لما يدور في إيران وأهمية ذلك ومدى انعكاسه على المنطقة كلّها.

أخطأت وقتذاك إدارة جيمي كارتر، التي كانت لا تزال تعاني من عقدة حرب فيتنام، في كلّ شيء. أخطأت خصوصا عشية الثورة الإيرانية، وكانت ثورة حقيقية بكلّ معنى الكلمة. بدت إدارة كارتر إدارة جبانة ومفلسة عاجزة عن استيعاب ما هو على المحك في الشرق الأوسط، خصوصا عندما استسلمت لاحقا أمام الجناح المتطرف في إيران، أي الجناح الذي خطف دبلوماسيي السفارة الأميركية وموظفيها واحتجزهم طوال 444 يوما في ظروف مذلّة.

أعطت إدارة كارتر، التي تشبهها إلى حد كبير إدارة باراك أوباما، كل الإشارات الخاطئة إلى حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بما في ذلك أنها مستعدة للتعاطي وبكثير من التفهم مع كلّ من يذلّها ويعتدي على الذين ينظرون إلى أميركا كشريك استراتيجي في كلّ المجالات. من الواضح أن إدارة أوباما لم تتعلّم شيئا من تجربة جيمي كارتر التي توّجت بفشله في الحصول على ولاية ثانية بمجّرد أن النظام الإيراني قرّر عقد صفقة مع منافسه رونالد ريغان. قضت تلك الصفقة بعدم إطلاق الرهائن الأميركيين من موظفي السفارة قبل موعد الانتخابات الرئاسية. هذا ما حصل بالفعل فانتصر رونالد ريغان على جيمي كارتر.

قد يكون الفارق الوحيد بين جيمي كارتر وباراك أوباما أنّ الأخير نجح في الحصول على ولاية رئاسية ثانية. اعتمد أوباما بشكل خاص على التحولات الداخلية التي تشهدها الولايات المتحدة من جهة والنظرة السلبية التي كانت، ولا تزال، لدى المواطن الأميركي العادي تجاه إدارة سلفه جورج بوش الابن. إنها الإدارة التي أخذت الولايات المتحدة إلى حرب عراقية، كلّفت الكثير، لم يخرج منها سوى منتصر واحد هو إيران.

كان كارتر أوّل من تحدّث بطريقة ايجابية عن القضية الفلسطينية، إذ وردت على لسانه عبارة «وطن» للفلسطينيين لدى تطرقه- في بداية عهده- إلى تلك القضية. بعد ذلك، لم يفعل شيئا يذكر لهم، إذ اصطدمت كل المبادرات التي قام بها وزير خارجيته سايروس فانس بالتعنت الإسرائيلي والرهان الفلسطيني، الذي كان يشجعه النظام السوري، على مزيد من التورط في الحرب اللبنانية. فقد كان الفلسطينيون في عهد كارتر مهتمين بلبنان أكثر بكثير من فلسطين. لم يدركوا في أي لحظة أن كلّ ما يفعلونه كان يصبّ في تمكين النظام السوري من وضع يده على الوطن الصغير. إذا وضعنا جانبا الانجاز الوحيد الذي حققه جيمي كارتر، وهو التوصل إلى اتفاقي كامب ديفيد اللذين أفضى أحدهما إلى معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية في 1979، فإن كلّ ما يمكن قوله أن الفضل في ذلك عائد إلى أنور السادات أوّلا. لولا السادات لما تحقّق هذا الإنجاز الذي جعل التاريخ يأتي على ذكر جيمي كارتر بشكل ايجابي.. في أحد المجالات.

الملفت أن باراك أوباما يتصرّف حاليا بالطريقة ذاتها التي كان يتصرّف بها كارتر. إنه يبذل جهودا مشكورة لتحقيق تسوية ما. لكن اندفاعه يفتر كلّما اصطدم بجدار العناد الإسرائيلي الرافض لأيّ تسوية معقولة ومقبولة. قد يكون هذا التقويم للجهود التي يبذلها أوباما ووزير الخارجية جون كيري خاطئا. لكن كلّ تجارب السنوات القليلة الماضية تشير إلى أن الإدارة الأميركية تراجعت في كلّ مرة اصطدمت فيها بحكومة بنيامين نتانياهو.

بالنسبة إلى مصر، التي هي الموضوع الشرق أوسطي الأهمّ في هذه المرحلة، وإلى سوريا إلى حدّ كبير أيضا، يتصرّف أوباما بالطريقة نفسها التي تصرّف بها كارتر حيال أحداث إيران. لا وجود لاستيعاب أميركي لما هو على المحكّ، لا في مصر ولا في سوريا.

ليست هناك إدارة قادرة على تقدير الانعكاسات السلبية التي سيخلفها الموقف الأميركي الضائع من مصر وسوريا على الشرق الأوسط كلّه. بكلام أوضح، لا فهم أميركيا لمعنى سقوط مصر في يد الإخوان المسلمين، أي في يد «المرشد» السنّي على غرار سقوط إيران في يد «المرشد» الشيعي. ولا وجود لأيّ تقدير للمخاطر المترتبة على إطالة الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، التي أصبحت إيران طرفا مباشرا فيها، بدل الانتصار باكرا للشعب السوري في ثورته على الظلم والقهر.

ربّما من حسن حظ الشعبين المصري والسوري أن معظم العرب رفضوا السير في ركاب إدارة باراك أوباما في موقفها من مصر ومن سوريا. رفض العرب السير في الضياع. على رأسهم كانت دولة الإمارات التي بادرت إلى دعم مصر وتلتها المملكة العربية السعودية حيث لا يتوقّف الملك عبدالله بن عبدالعزيز عن اتخاذ المواقف الشجاعة والصادقة الواحد تلو الآخر، ثم الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية.

تعلّم العرب من تجارب الماضي القريب فيما يبدو أنّ إدارة أوباما لا تريد أن تتعلّم.. أو أن تعلم شيئا عن ما يدور حقيقة على الأرض. تغيّر العرب في اتجاه أفضل. تعلّموا أن التحالف مع أميركا لا يعني في الضرورة اللحاق الأعمى بسياساتها، خصوصا أنهم يعرفون المنطقة أكثر منها بكثير.

هل يعود ذلك إلى أن الأجندة الوحيدة التي لدى إدارة أوباما هي أجندة إسرائيلية. كلّ ما تسعى إليه هذه الأجندة هو تفتيت الشرق الأوسط بما يخدم سياسة تقوم على الاحتلال من جهة، وعلى تشجيع كلّ ما من شأنه إثارة النعرات الطائفية والمذهبية من جهة أخرى؟

لو لم يكن الأمر كذلك، لماذا يكرّر أوباما في مصر وسوريا كلّ أخطاء كارتر في إيران؟ لماذا لا يتعلّم من هذه الأخطاء التي تعلّم العرب منها.. ومن الأخطاء التي ارتكبتها أيضا إدارة جورج بوش الابن في العراق.

8