تعليب الرأي العام

الخميس 2014/03/06

تعود أول عملية تضليل للرأي العام توصّل إليها الباحثون إلى كهنة معبد الشمس في الدولة الأكدية في فترة ما قبل الميلاد، واستمرت حتى اليوم مع اختلاف الطرائق والوسائل وتطابق النتائج. ولعل وسائل التواصل الاجتماعي التي شاعت في السنوات الأخيرة من أخطر الوسائل التي تساهم بشكل فعَّال في عملية التضليل لخلق انزياحات مجتمعية تؤدي إلى التأثير على السلم الاجتماعي في مرحلة متقدمة من العمل التضليلي.

تلك الوسائل التي أصبحت مسرحاً لبعض الممارسات التي تهدف إلى إحداث شرخ مجتمعي بطريقة ممنهجة ومبرمجة وصل تأثيرها إلى النُخب التي وضعت أنفسها أمام السيل الجارف من المعلومات المغلوطة والمضللة دونما أدنى وسيلة دفاعية تسمح لها بالتمييز الدقيق. وقد ذكرت في مقال سابق أن القائمين على هذا التضليل فريقان يتراوح تأثيرهما بين اللحظي الآني العاطفي، والتأثير بعيد المدى الذي يحيل العقل إلى أداة عديمة الجدوى.

عادة ما يتحول التأثير الآني العاطفي إلى حماسي حركي مؤقت أو دائم تبعاً للرسالة ونوعها وطبيعتها، بينما التلاعب بالعقل يؤدي إلى نشاط لفظي أو حركي أو كليهما ويستمر تأثيره لمدة طويلة، قد تصل إلى عقود، ويتحول إلى نشاط حركي جمعي في لحظة انفلات فجائية غير محسوبة، وهو الأخطر بلا شك. هذا النوع من التأثير على العقل الفردي، ثم الجمعي تلقائياً، عادة ما يصدر من جهات أو أفراد متخصصين في التعامل مع المتلقي ولديهم القدرة الفائقة على التضليل الذي يصل إلى حد إقناع المتلقي أن من يحاول كشف أساليبهم هو من يمارس التضليل. وفي نظرة فاحصة لوسائل التواصل الاجتماعي يتبين أن من يقوم بهذا هم ثلة من الأكاديميين المتخصصين في الإعلام، وللأسف الشديد، الذين ينتمون إلى إحدى الجامعات السعودية. يستخدم هؤلاء عددا من التقنيات والنظريات الإعلامية ويتولون تطبيقها فعلياً وبشكل منظم وممنهج ودقيق للوصول إلى هدفهم.

دعونا نستعرض مثالاً واقعياً لآلية التعليب، بصرف النظر عن درجة النجاح والفشل فيها. هل تتذكرون عملية “الصوت الحق” التي قامت بها إدارة العلاقات العامة والإعلام في الجيش الأميركي قبل عدة سنوات لتغيير الصورة السلبية التي سادت العالم عنه. هذه العملية لم تكن سوى عملية إغراق معلوماتي تهدف إلى أن هناك رأيا عاما مؤيدا لوجهة النظر الأميركية. وقد استخدمت العلاقات العامة حينها برامج حاسب آلي لإنشاء الآلاف من الحسابات الوهمية لنشر عشرات الآلاف من التعليقات والرسائل في جميع القضايا التي تهم الإدارة الأميركية وباستخدام أكثر اللغات أهمية للشرائح المستهدفة. هذه الآلية كما يعتقد البعض، وأنا منهم، تم استخدامها في الثورة الليبية لصناعة رأي عام يطالب بتدخل الناتو لدعم الثوار.

الذي يشير إلى حدوث ذلك بالفعل أن حجم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في عهد القذافي يكاد يكون معدوماً ومع ذلك ظهرت آلاف الأصوات من داخل ليبيا، حسب زعمهم، تطالب بالتدخل. ذكرت المثال السابق لأوضح أن الواقع الإعلامي المعيش يفرض علينا أن نتريث كثيراً قبل الانجراف خلف كثرة الأصوات التي هي في واقعها مجرد رأي عام وهمي ومزيف يهدف إلى تغيير الوقائع وإيجاد المبرر الكافي لاتخاذ قرارات معينة تُطبخ في البيت الأبيض والكرملين، وأدوات تنفيذ عملية التعليب جاهزة ورهن الإشارة.

الشخصيات التي أشرت إليها أعلاه والتي تقوم بإرادتها ووفق توجهاتها وقناعاتها أو وفق أجندة معينة لصالح جهة ما، تتولى إغراق المجتمع بمعلومات زائفة فيما تتولى أجهزة وجهات متخصصة الجانب التقني كما ظهر ذلك قبل عدة أشهر من كشف آلاف المعرفات الوهمية التي تعمل على ترويج معلومات غير صحيحة وتأييد وجهات نظر تتعارض مع الخطاب الحكومي السعودي السائد. وكما كان الحال مع كهنة “معبد الشمس” تقوم هذه الشخصيات الأكاديمية بممارسة أبشع أنواع التضليل الإعلامي وأشدها خطورة على الإطلاق باستخدام عدد من الآليات التي لا تخفى على متخصص في الإعلام، وقد استثنيت من ذلك وزارة الثقافة والإعلام السعودية.

تتعامل هذه الشخصيات الإعلامية مع المتلقي في أول اتصال برفض أية مزايدة على وطنيتهم والزعم بأن حرية الرأي والنزاهة والخوف على مصلحة الوطن تتطلب منهم عرض الحقيقة أو الحياد، ولذلك يعرضون دائماً لوجهتي نظر أو خيارين محددين وإهمال وجهات النظر الأخرى، بل وتجاهل أي خيار ثالث، مما يجعل المتلقي أمام معادلة حدية لا تقبل المنطقة الوسطى بين الحدين. وكثيراً ما يتم اختيار كلمات محددة منتقاة بعناية شديدة وذات دلالات محددة تؤدي إلى إصدار المتلقي لأحكام مؤيدة أو رافضة أو إدانة للحدث.

تتولى هذه الشخصيات التعامل مع قضايا شكلية أو قضايا زائفة والابتعاد عن القضية الرئيسة. وكثيراً ما يحصر هؤلاء النقاش في جزئيات بعينها وفصلها عن سياقها الطبيعي وإطارها العام وصورتها الكاملة، أو جذب المتلقي إلى قضايا هامشية وإبعاده عن القضية الرئيسة، بالإضافة إلى إغراقه بالنفايات المعلوماتية التي تحيل عقل المتلقي إلى حاوية لها تجعل منه غير قادر على تقبل معلومة دسمة مشبعة بالحقيقة، ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن أكثر تلك الشخصيات براعة في هذا النوع هو الشخصية الشهيرة بالمفكّ. وقد يصل الأمر بتلك الشخصيات الأكاديمية إلى تأييد الجزئيات أو القضايا الهامشية باستطلاعات رأي مزيفة وغير صحيحة أو غير علمية، ولا بأس أحياناً باستطلاع رأي صحيح مع التلاعب في عرضه والخداع في التفسير وقراءته للمتلقي بطريقة خادعة.

ولعل من نافلة القول الإشارة إلى تجاهل هذه الشخصيات لخلفيات الحدث الرئيس والتركيز على جزئية معينة مثل الحراك التصحيحي في مصر وترك أسبابه الفعلية. أو المزج والخلط بين الآراء والتحليلات المؤيدة والرافضة من جهة والحدث من جهة أخرى أو إيراد معلومات بعيدة عنه والتعامل معها، هذا عدا الانتقائية في التناول بالتركيز على ما يسمى بالصندوق وتجاوز التهديدات والتزوير وأعمال التخريب، وكذلك العمل المستمر الدؤوب على تصوير الإخوان بالضحية وأنهم الشعب المصري، فيما هم لا يمثلون إلا أقلية تمارس دور المجرم على أرض الواقع.

دعونا نسرد بعض الأمثلة السريعة لبعض ما قامت به هذه المجموعة لكي لا يكون ما سبق مجرد رمي للكلام جزافاً ودون سند من الواقع. هل نتذكر صورة أطفال الحضانات الذين لقوا حتفهم نتيجة انقطاع الكهرباء في عهد العيّاط. تلك الصورة تم استخدامها من قبل القوم على أنها حدثت بعد عزل مرسي وأنها جريمة ارتكبتها الحكومة المصرية المؤقتة. وكذلك الحال مع صورة لمسيرة ضخمة جداً في ديار بكر بتركيا حيث روّجها القوم على أنها مسيرة تأييد للعياط بينما واقعها احتفال بالمولد النبوي. ومن هذه المعلومات التضليلية صورة لشخص يحترق تم الترويج لها على أنه ضحية للجيش والشرطة وأنه من مؤيدي مرسي، بينما الواقع أنه جنوب أفريقي لا علاقة له بالعياط، ناهيك عن صور نجوم الفن والسياسة العالميين الذين يتم الترويج لصور مفبركة لهم وهم يحملون لافتات مؤيدة للمعزول. هذا حينما نتحدث عن الصور وإلا فالحديث عن الرسائل النصية التضليلية التي تصدر منهم تتطلب كتاباً لا مقالاً.

واختصاراً لما سبق أقول بأن هدف تلك المجموعة “تعليب” الرأي العام وتزييفه وأن مسألة وجود أمر ملكي يجرم تأييد بعض التنظيمات لن يكون كافياً لمنع هذه الممارسات التي نجحت في عملية التعليب ولن تحتاج سوى إلى الظهور بمظهر ناقل الخبر لضمان استمرار حالة التضليل. لذلك فالإيقاف أو الاستيقاف هو الحل.


كاتب سعودي

8