تعليب النخب الحزبية لا يتيح ممارسة سياسية ذات جدوى في مصر

تنسيقية الأحزاب تتحول إلى كيان إداري بالتعاقد مع شركة متخصصة لرفع كفاءة قياداتها.
الجمعة 2021/02/26
الشباب محرك أساسي للعمل السياسي

يتزايد حضور تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين في الحياة السياسية المصرية، بعد أن أضحت ممثلة بأكثر من 48 نائبا في مجلسي الشيوخ والنواب، دون أن ينعكس ذلك بوضوح على طبيعة الممارسة السياسية للأحزاب في الواقع، حيث تعاني صعوبات بسبب التضييق على المجال العام وعدم إتاحة حرية الحركة التامة أمامها كي تكون حاضرة بفاعلية خاصة بين صفوف المواطنين.

القاهرة - وقّعت تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين في مصر، والتي تضم في عضويتها شباب ينتمون إلى قرابة 20 حزبا مؤخراً برتوكول تعاون مع شركة عالمية متخصصة في مجال الاستشارات والوساطة، لتقييم وتطوير مهارات القيادات الشبابية المنضوية تحت لوائها.

وفي الوقت الذي يرى المحسوبون على التنسيقية أن الخطوة تمثل ثراء للخبرة وتطويرا للأداء السياسي، يقول آخرون إنها تسهم في المزيد من تعليب النخب الحزبية وتوظيفها للقيام بمهام معينة، تتركز على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية من دون أن يكون لها رؤية سياسية واضحة تجذب شرائح واسعة إليها.

ويدعم تعاون التنسيقية مع شركة ويليس تاورز واتسون، التي تنشط على مستوى تطوير أداء القيادات الإدارية داخل الشركات ومهمتها اكتشاف الموظفين الأكفاء، تحويل الكيان السياسي إلى ما يشبه المؤسسة الإدارية، التي تبحث عن الكوادر ذات المهارات الفنية المتطورة دون اكتشاف الكوادر التي لديها القدرة على ممارسة العمل السياسي في المجال العام.

عمرو هاشم ربيع: التنسيقية ستصبح كيانا مؤثرا إذا تكّونت على أسس قانونية
عمرو هاشم ربيع: التنسيقية ستصبح كيانا مؤثرا إذا تكّونت على أسس قانونية

مفاهيم وآليات غامضة

تروّج التنسيقية إلى انتهاجها لمفهوم جديد في ممارسة السياسة، وفقاً لما يأتي على لسان نوابها في البرلمان دون أن تتضح معالم هذا المفهوم وآلياته، ولم تعبر عن تيارات شبابية قد تكون لها مواقف معارضة من أداء الحكومة، حيث يفتقر قطاع كبير منهم القدرة على التعبير عن رؤاهم السياسية في ظل اقتصار الأمر على مجموعة من الشباب الذين جرى اختيارهم بعناية أمنية ليكونوا ضمن أعضاء التنسيقية.

وينخرط نواب التنسيقية ليكونوا جزءاً من حالة الحراك البرلماني الذي قاده مجلس النواب ضد عدد من وزراء الحكومة الحالية، غير أن الأداء غير مقنع حتى الآن لكثيرين، ممن يرون أن تحركات هؤلاء تأتي مدعومة من جهات أشرفت على عملية تشكيل التنسيقية وأعضائها، والدفع بشبابها ليكونوا على رأس القائمة الوطنية التي حظيت بغالبية مقاعد البرلمان الحالي.

وقال الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، إن الاهتمام بتدريب كوارد التنسيقية قد يكون أمراً مفيداً في حالة إذا تركز على دعم مهارات الشباب السياسية وإتاحة الفرصة أمامهم لتطبيقها على الأرض، وفتح المجال العام بما يجعلهم في منافسة مع غيرهم ممن ينتظرون الفرصة السانحة للإعلان عن أنفسهم.

وأوضح في تصريح لـ”العرب”، أن هناك طرقا عديدة أسهل من البحث عن كوادر بعينها والاهتمام بها وتدريبها، من خلال تهيئة الأوضاع أمام الأحزاب السياسية على مختلفة توجهاتها للتحرك بين المواطنين وإتاحة انضمام الشباب للأحزاب من غير قيود أمنية ترهبهم وتبعدهم عن المشاركة السياسية، إلى جانب إصلاح قوانين الأحزاب التي تسهل لهم حرية الحركة في الشارع، وقوانين الانتخابات لتكون وفقاً للقوائم النسبية التي تعبر عن موازين القوى الحقيقية.

ولدى ربيع وعدد كبير من النخبة المصرية، قناعة بأن تاريخ الحياة السياسية في مصر لم يفرز أحزاباً قوية، والأمر يرجع إلى ثقافة سائدة بين قيادات الأحزاب التي تتعامل مع الكيانات التي ترأسها على أنها ملكية خاصة تحقق مصالحها الشخصية، إلى جانب وجود أبعاد خارجية تتمثل في سيطرة الأجهزة الأمنية على توجهات تلك الأحزاب بما يجعلها غير قادرة على تطوير قدراتها السياسية.

وذهب ربيع، للتأكيد على أن تنسيقية شباب الأحزاب قد تصبح كياناً سياسياً مؤثراً حال جرى تكوينها على أسس قانونية ودستورية لتنخرط في الحياة العامة وباقي الأحزاب من دون أن يكون هناك كيان فوقي غامض لا يعرف الكثير من المواطنين ماهية شروط الانضمام إليه، وأبعاد صعوده بشكل سريع، ليصبح على رأس الحياة السياسية، وماهي مقومات كوادره التي أضحى لها حضور قوي على الساحة؟

أزمة تفريغ كوادر

Thumbnail

برأي البعض من المراقبين، فإن الحياة السياسية تعاني من أزمة في تفريغ الكوادر، والحكومات المتعاقبة تتعامل مع تلك الأزمة من خلال تبني مجموعات من الشباب لديها مواصفات بعينها، تمكنها من خلق صورة لا تعبر عن الواقع، لكنها مناسبة للحالة التي تريد رسمها للحياة السياسية، وهو أمر أشبه بتجهيز كوادر إدارية وليست سياسية، لأن التنسيقية تضم في عضويتها أحزابا متعارضة في الرؤى والتوجهات، ولا يمكنها القيام بالدور التنسيقي الذي ينبع من مسماها.

وتغيب البرامج الحزبية عن أبجديات العمل الحزبي في مصر، إضافة إلى عدم وجود لوائح تحدد تربية الكادر بما يتماشى مع رؤية كل حزب حتى تكون هناك وجهة نظر منهجية تقتنع بها الأجيال الشبابية الصاعدة، بما يؤدي إلى تكوين أجيال مشوهة تفتقر للمواقف الواضحة، ولا تستطيع التعامل مع الأزمات السياسية التي يمر بها المجتمع.

وتكرس تنسيقية شباب الأحزاب، وفقا للمنظور الذي تعمل به، مقاربة براغماتية خاصة، حيث رغم وجود اختلافات أيديولوجية كبيرة بين أعضائها لكن البحث عن التواجد والحضور واقتناص المناصب يطغى على كل هذه الخلافات، ما يضر بالحياة السياسية التي ستظل تعاني حالة من الفراغ، وإن جرى توسيع تمثيل الأحزاب تحت قبة البرلمان، كما هو حاصل حالياً.

مدحت الزاهد: الأوضاع مهيأة للانفتاح على القوى السياسية المعارضة
مدحت الزاهد: الأوضاع مهيأة للانفتاح على القوى السياسية المعارضة

ويفرق الخبراء بين منظمة الشباب الطليعي والاتحاد الاشتراكي في ستينات القرن الماضي، واللذين تأسسا بتوجيه من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر وعكسا تطور فكره السياسي، وبين جمعية “جيل المستقبل” التي أسسها جمال مبارك، نجل الرئيس الأسبق حسني مبارك في أواخر فترة حكمه، وبين تنسيقية شباب الأحزاب الحالية، ويربطها جميعا البحث عن نخب معلّبة تتماشى مع طبيعة كل نظام سياسي.

وكانت التجربة التي سادت خلال عهد الرئيس عبدالناصر ممنهجة سياسيا، واعتمدت على التدريب والتثقيف، وليس التلقين، وهي الأكثر ثراء، واستطاعت أن تفرز أجيالا من السياسيين مازالت تتواجد في مناصب مهمة حتى الآن. أما تجربة جمال مبارك، فقد استهدفت البحث عن نخبة من الشباب تؤيد فكرة وراثته للحكم، ولم تستمر طويلاً حتى قامت ثورة يناير 2011.

وتحاول تنسيقية الشباب الحالية توظيف انتهاء أدوار الأحزاب لصالح تخريج كوادر لديها رؤى اجتماعية واقتصادية، غير سياسية، تتلاءم مع الظروف الراهنة، والتي تتجاهل المناحي السياسية، وتعتبر المعارضة أحيانا نوعا من الترف.

وقال رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي (معارض)، مدحت الزاهد، إن “الأوضاع العامة في البلاد مهيأة لمزيد من الانفتاح على القوى السياسية المعارضة، وأن الديمقراطية قد تكون سنداً للأمن القومي، لأن التنوع يعبر عن قوة المجتمع، ومحاولة خلق هذا التنوع من خلال كيانات تدعمها الدولة لن يصب في صالح أحد”.

كما يرى أنه من الأفضل أن تكون هناك مساحة واسعة للعمل الحزبي، تحت إشراف أجهزة الدولة، بما لا يدعم العمل السري الذي تستغله التنظيمات المتطرفة.

وأوضح الزاهد في تصريح لـ”العرب”، أن إتاحة الفرصة أمام الأحزاب لتكون نقطة الوصل بين مشروعات الحكومة في مجالات متعددة، وبين التعبير عن أصوات المواطنين في الشارع، من العوامل التي تدعم خلق معارضة وطنية، يمكن أن تقدم رؤاها التي تختلف مع توجهات الدولة.

وأضاف أن “ذلك ينتج حوارات سياسية عديدة، مع إتاحة الفرصة لتنسيقية شباب الأحزاب وغيرها من الكيانات أن تكون حاضرة في هذه المنافسة، ويكون الرأي للمواطنين الذين يختارون دعم أي من القوى الموجودة على الساحة”.

7