تعليقات القراء على المواقع الإخبارية فوضى لا يمكن الاستغناء عنها

تفتح تعليقات القراء على المقالات الصحافية في المواقع الإخبارية، نقاشا هاما يعكس اتجاه الرأي العام ورأي الشارع، إلا أنها تشكل عبئا ثقيلا على المواقع بسبب ما تحمله من إساءات أشخاص غاضبين تستروا وراء أجهزتهم الإلكترونية، وتحتاج من المحررين السيطرة عليها، وكبح جماحها المسيء.
الخميس 2016/02/04
الاختباء يمنح الجرأة لقول الأسوأ

لندن – نظرة واحدة على تعليقات القراء على المقالات الصحافية والأخبار في المواقع الإلكترونية، كافية لتكشف حجم الغضب وراء شاشات الكمبيوتر، وما يرافقه من شتائم، إساءة، إهانة، وعنصرية، فمن يكبح جماح الغاضبين.

إننا نعيش في عصر من الغضب. الناس غاضبون على الحكومة، على وسائل الإعلام، على الدين، على الهجرة، على أوروبا، وعلى الشركات التجارية الكبرى.

يبدو هذا الإحباط واضحا في التصريحات التي نشرها موقع جريدة الغارديان البريطانية على الإنترنت، وهو ما يشير إلى أن الصحافة المفتوحة شهدت زيادة غير عادية في الأرقام، ووصلت أحيانا إلى توفير 65 ألف وظيفة في اليوم. وهذا العدد الهائل، أدى إلى نشر حالة من الإحباط، خاصة بين أولئك الذين يشعرون أن لديهم الحق المطلق في التعليق.

وصل هذا الغضب على البريد الإلكتروني الخاص لأحد كتاب الغارديان “ستيفن ريتشارد”، جاء فيه “لقد أعدتم نشر المقال الرائع لجيريمي كوربين، واختصرتم التصريحات على ثمانية فقط. ماذا تعتقد أنك تفعل؟”. هذه واحدة من التعليقات التي تمثل لهجة هذا العصر الجديد.

شرح ريتشارد أن الحل يكمن في محاولة الإشراف على نقاش عقلاني من خلال التصريحات، وليس إغلاق المناقشة. وهذا يعني في بعض الأحيان إغلاقها لفترة من الوقت ومن ثمة إعادة فتحها عندما يتوفر العدد الكافي من المشرفين على التعامل مع الكم الهائل من التعليقات. وأشار إلى أن إجمالي وقت رده قد تضاعف بشكل كبير. ولكن في وقت قريب جدا سوف يثير قراء الصحيفة نوعا من الفوضى.

وهذا يؤكد أهمية عودة وظيفة محرر صفحة بريد القراء في الصحف الورقية سابقا، لكن مهمته ستكون في غاية الصعوبة لأنه لا يستطيع السيطرة على المئات بل الآلاف من التعليقات على الإنترنت.

وأكثر ما يثير الاهتمام هو ارتفاع مستوى سوء المعاملة، والتصيد التي تؤدي إلى تشويه الأشياء التي غالبا ما يتم تسليط الضوء عليها والتي تحفز القراء على المناقشة.

وللرد على هذا التهديد، تخلت بعض المواقع الإخبارية، بما في ذلك رويترز، “سي.أن.أن” وشيكاغو صن تايمز، بشكل تام عن التعليقات أو فرضت قيودا مشددة عليها. في حين، لجأت وسائل إعلامية أخرى مثل نيويورك تايمز إلى تعديل أي تعليق قبل نشره. وهذا ما لن يحدث مع الغارديان، كما تقول، ولكن الأمور على وشك أن تتغير.

ماري هاملتون: مواضيع مثل العرق والهجرة والإسلام تؤدي إلى التعليقات السامة

أفاد أغلب الصحافيين، بعد سؤالهم عن تجربتهم في مجال التعليقات، بأنهم تعرضوا إلى الاعتداء. وقالت كايت كلاوي “أسوأ ما في التعليقات أنها تذكرني بحالة الغضب في الطريق، على غرار السائقين الذين يشعرون بالحماية عندما يكونون في سياراتهم، يشعر الناس بالحماية وهم يشتمون الآخرين من خلال أجهزة الكمبيوتر”.

وتحدث آخرون عن التفاعل الإيجابي مع ما أسموه “معادن نفيسة”، التي يمكن العثور عليها في التعليقات. وقال روبرت ماك كروم “بالطبع، نحن نريد التحاور مع القراء، ولكن إذا ما تم إجراء الحوار في حدود اللياقة”.

وأضاف كروم، “اكتشفت أنه بمجرد خروج الأمور عن السيطرة في موضوع ما، يكاد يكون مستحيلا أن تتم تهدئة الأمور. لقد اعتدنا على ذلك. أنا لا أحب ذلك، ولكن كبطل لحرية التعبير أسعى إلى الحد من غضب المعلقين بدلا من محاولة تقويم سلوكهم بعد الغضب. لكنني أقول إن عدم الكشف عن هويتهم أمر سيء بالنسبة إلى الجميع.

وأوضح آخرون أنهم أرادوا الكشف عن هوية المعلقين، ولكن ذلك لم يجد نفعا. أي شخص عازم على البقاء مجهولا يمكنه استخدام عدد لا حصر له من الأسماء المستعارة على الإنترنت. وتعتقد ماري هاملتون، رئيسة التحرير التنفيذية في صحيفة الغارديان أن بعض المواضيع، مثل العرق والهجرة والإسلام على وجه الخصوص، تؤدي إلى مستوى غير مقبول من التعليقات السامة.

وأضافت “إن الغالبية العظمى من هذه التعليقات تميل نحو العنصرية، وإساءة استعمال المواد، والإساءة للمؤلف والتصيد، التعليقات يمكنها أن تقدم فائدة، ولكنها تسبب الذعر والقلق لكل من القراء والصحافيين”.

ونتيجة لذلك، تقرر عدم السماح بالتعليقات على تلك المواضيع الثلاثة، إلا إذا تم التأكد من أن المشرفين لهم قدرة على دعم المحادثة وأنهم يعتقدون أن استفادة ما يمكن أن تتحقق من خلال المناقشة. ستنتشر هذه السياسة في جميع أنحاء العالم، وسيتم تطبيقها في مكاتب صحيفة الغارديان في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا، بما أن المسألة أخذت بعدا عالميا. وحيثما يتم فتح مكتب، سيتم اعتماد هذه السياسة في ظرف لا يتجاوز الثلاثة أيام.

وأفادت هاميلتون “نحن نريد من المحادثات أن تؤدي إلى إجراء نقاش بناء، حيث يمكن لجمهورنا مساعدتنا في توسيع صحافتنا من خلال خبراته، ومعرفته، من خلال الأخذ بعين الاعتبار تلك الأفكار والآراء، وحيث يمكنه استخدام موقعنا على الإنترنت كمنصة لإجراء اتصالات مع المحيطين به في العالم”.

وقالت إن ذلك لا ينسحب على كل التعليقات. ومع ذلك، هناك اعتراف بأن بعض المحادثات أصبحت وكأنها تبث السم على الصعيد الدولي، “ونحن لا نود أن ينعكس التغيير في الرأي العام واللغة السائدة أو المعتمدة على موقعنا”.

18