تعلّم الراسبين الجامعيين بمقابل يزيد الخوف من التسرب الدراسي والزواج المبكّر في مصر

رفع مجانية التعليم بسبب الرسوب يضاعف ضغوط الأسرة على الأبناء في ظل ظروف معيشية صعبة.
الاثنين 2020/08/31
لا بديل عن النجاح

أحدث قرار الحكومة المصرية برفع مجانية التعليم عن الطلاب الراسبين في الجامعات، صدمة للأسر البسيطة والكادحة، التي ما زالت ترى في المجانية الحافز الوحيد الذي يدفعها لاستكمال تعليم أولادها وبناتها، في ظل ظروف معيشية صعبة، وارتفاع معدلات الغلاء إلى مستويات قياسية.

القاهرة – أعلنت الحكومة المصرية، الأربعاء، أنه ابتداء من العام الدراسي الجديد الذي ينطلق في 17 من أكتوبر المقبل، سوف تتحمل تكلفة تعليم الطالب الجامعي طوال سنوات دراسته الفعلية فقط، أما في حال رسوبه في ثلاث مواد أو أكثر فإنه سوف يدفع مبالغ مالية لعدم استغلال المجانية والعبور للصف الأعلى من فرصة واحدة.

وتبدأ المصروفات التي تم إقرارها على الراسبين من 3 آلاف جنيه (190 دولارا) إلى 12 ألفا (757 دولارا)، حسب طبيعة الكلية التي يدرس فيها الطالب، سواء كانت نظرية أم عملية، وهي أرقام ضخمة مقارنة بالأوضاع المعيشية للبسطاء في المجتمع، لأن هؤلاء يعانون مع تطبيق مجانية التعليم، فماذا سيكون وضعهم إذا تم تسعيره.

ولأن الحكومة لا تستطيع إلغاء المجانية بشكل مباشر، بحكم أن الدستور يمنعها من ذلك، لجأت إلى تحجيم المستفيدين كي لا يتم استغلالها بشكل سلبي، في ظل إصرار بعض الطلاب على الرسوب والبقاء لسنوات طويلة في الجامعة، لغياب فرص العمل، أو الهروب من الالتحاق بالخدمة العسكرية.

المعضلة الحقيقية، أن القرار حتى لو كان يستهدف تحفيز الطلاب على النجاح والاجتهاد، يحمل عقوبات قاسية للأسرة نفسها، لأنها وحدها من ستتحمل فاتورة رسوب الابن أو الابنة، بالتالي فالضغوط العائلية سوف تتضاعف على الأولاد، ولن يقبل الآباء بديلا عن التفوق طالما أن المجانية للمتميزين فقط.

ولم تدرك الحكومة أن أغلب الراسبين يخفقون دراسيا لانشغالهم بالعمل الحرفي لمساعدة عائلاتهم البسيطة، فقد ينقطعون عن الجامعة لشهور بغرض جني المال للإنفاق على تعليمهم، أو المساهمة في تخفيف الضغوط المادية التي تحاصر عائلاتهم، ما ينعكس سلبا على تحصيلهم الدراسي.

ومن بين هؤلاء، أبناء الخمسيني حسان عيد، وهو مزارع مصري يقيم مع أسرته بمحافظة البحيرة (شمال القاهرة)، ولديه ابنان في كليتي الزراعة والتجارة بجامعة الإسكندرية، وبالكاد يحصلان على درجات النجاح لانشغالهما في مساعدته بالحقل، ويذهبان إلى الجامعة مرتين أسبوعيا.

القرار وإن كان يستهدف تحفيز الطلاب على النجاح والاجتهاد، فإنه يحمل عقوبات قاسية تسلط على الأسر

قال الأب لـ”العرب”، إنه يكاد يوفر لابنيه تكلفة المواصلات إذا قررا الذهاب إلى الكلية، وفي حال رسب أحدهما واستدعى الأمر دفع الآلاف من الجنيهات، فلن يكون هناك بديل سوى حرمانه من باقي سنوات تعليمه، لأن المبلغ الذي تطلبه الحكومة يقترب من الربح الذي يتحصل عليه سنويا من الزراعة.

وأضاف “طالما أن التعليم لم يعد له قيمة مثل الماضي وصار مجرد شهادة توضع على الحائط، وسوق العمل منغلق على فئة بعينها، فأغلب الآباء سوف يتساءلون: لماذا يتم إهدار الأموال دون فائدة؟”.

وأوضح “كنّا نُعلّم أولادنا ليحصلوا على الشهادة ليس أكثر، لكن بعدما أصبحت تحتاج إلى ميزانيات ضخمة تفوق إمكانيات الفقراء، فلا جدوى منها”.

ويقود كلام الأب، إلى أن شريحة من البسطاء قد تضطر إلى دفع أولادها للتسرب من التعليم أمام ندرة المال في حالة الرسوب، ما يضاعف معدلات البطالة والأميّة والزواج المبكر، بحكم أن الكثير من الأسر في المناطق الريفية والشعبية ترى أن الفتاة مكانها المنزل، ولا قيمة لتعليمها أو خروجها إلى العمل.

ولدى بعض العائلات في المناطق التي تُعادي انفتاح المرأة، قناعة بأن المبالغ المالية التي تحتاجها الابنة للإنفاق على تعليمها، من الأفضل توفيرها وتوجيهها للذكور لتأمين مستقبلهم الجامعي والوظيفي قبل التقدم لخطبة أيّ فتاة، أما الأنثى لا يعيبها خروجها من التعليم، فهي في النهاية سوف تتزوج ولو كانت أميّة.

وحسب دراسة صدرت قبل عامين، عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (جهة حكومية)، فإن التسرب من التعليم ضمن أهم أسباب الأمومة المبكرة، لقناعة بعض الأسر بأن الزواج في سن صغيرة، أفضل بكثير من إنفاق الأموال على شهادات مدرسية أو جامعية لن تفيد صاحبها في سوق العمل مستقبلا.

النجاح لمقاومة ضغوط المجتمع
النجاح لمقاومة ضغوط المجتمع

ويرى متخصصون في شؤون الأسرة، أن الأزمة الأكبر سوف تكون عند الأبناء الذين تتحكم عائلاتهم في مستقبلهم الدراسي، بإجبارهم على تخصص جامعي لا يتناسب مع طموحاتهم، فهؤلاء غالبا ما يحصلون على مجاميع ضعيفة أو يرسبون ويضطرون لإعادة المحاولة أمام إصرار أسرهم على التميز وتحقيق أحلامهم التي فشلوا في الوصول إليها.

وفي هذه الحالة، يكون الابن مضطرا لدراسة تخصص جامعي يبغضه، وفي نفس الوقت مجبرا على تجاوزه بالنجاح سنويا والوصول إلى الصف الأعلى مجانا، لأن عكس ذلك سوف يدخله في صدام مع أسرته التي تبني أحلاما عريضة عليه.

ويقول خبراء، إن زيادة الضغوط الأسرية الواقعة على الأبناء من أجل تحقيق التفوق الدراسي للهروب من دفع تكلفة الرسوب، سوف تترتب عليها أزمات قد تصل حد التفكير في ايذاء النفس، لشعور الابن أو الابنة، بالإخفاق في تحقيق حلم العائلة، وتوريطها في مبالغ مالية طائلة لا تستطيع تحملها.

وأصبحت نتيجة الثانوية العامة (البكالوريا) مناسبة موسمية لانتحار بعض الشباب والفتيات لحصولهم على درجات لا تتناسب مع طموحات أسرهم، في ظل قناعات الآباء بأن المجاميع المرتفعة أصبحت السبيل الوحيد للالتحاق بكليات ذات وجاهة اجتماعية، وتوفير فرصة عمل لائقة مستقبلا.

ورأت فاطمة محمد، وهي استشارية في العلاقات الأسرية بالقاهرة، أن قناعة الآباء بأن مجانية التعليم مرتبطة بعبور الأبناء الفرصة الواحدة، يدفعهم إلى ممارسة ضغوط كبيرة على أولادهم، تصل حد الترهيب والأذى النفسي في حال الإخفاق، ما يلغي فكرة الاحتواء والعاطفة والتماس الأعذار، ليحل مكانها الجمود والحرمان والقطيعة.

وأضافت، أن ارتباط التفوق الدراسي بعدم توريط الأسرة في مبالغ طائلة، يفرض حالة الطوارئ على أغلب البيوت لتكون معدومة الرفاهية، بذريعة تركيز الأبناء في المذاكرة لبلوغ النجاح كي لا يتحمل الآباء فاتورة إخفاقهم دراسيا، وهو عبء ثقيل يصعب على شباب في سن المراهقة تحمله حتى لو كانوا متفوقين دراسيا.

وتتمثل مشكلة بعض الآباء، في أنهم يعتبرون إخفاق الأبناء دليلا على الإهمال والفشل الذي يستحق العقاب دون النظر لكون قدراتهم لا تؤهلهم لأكثر من ذلك مهما وهبوا أنفسهم للدراسة، وأن حصول ابن الجيران والأصدقاء على مجموع مرتفع لا يعني أنه جاد ويتحمل المسؤولية، فلكل شخص مهارات خاصة يصعب تغييرها بسهولة.

وتظل أكثر المخاوف الأسرية، أن يتم التدقيق في تصحيح الامتحانات الجامعية لتحجيم معدلات النجاح، وزيادة أعداد الراسبين حتى تجني الحكومة المزيد من الأموال، وهي اتهامات رد عليها أساتذة جامعيون بأنها باطلة للالتفاف على إخفاق الكثير من الطلاب، خاصة وأن معدلات الرسوب سنويا بالكليات الحكومية تتجاوز 15 في المئة.

21