تعنت اليسار يفسح المجال أمام عودة النهضة لتصدر المشهد التونسي

الأحد 2015/01/18
حركة النهضة المستفيد الأبرز من عدم مشاركة الجبهة اليسارية في حكومة الصيد

تونس – تشهد العلاقة بين حزب نداء تونس الحائز على الأغلبية البرلمانية والجبهة الشعبية (تحالف من اليسار والقوميين) توترا على خلفية تلكؤ الائتلاف اليساري في حسم موقفه تجاه المشاركة في حكومة الحبيب الصيد المقبلة، مفسحا بذلك المجال لحركة النهضة للمناورة واللعب على هذا الوتر، للعودة إلى المشهد ثانية، بعد أن أزاحها الشعب عبر صناديق الاقتراع.

وكشفت مصادر أن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، مؤسس حركة نداء تونس مايزال ملتزما بوعوده الانتخابية وفي مقدمتها “تشكيل حكومة ائتلافية تجمع الأحزاب الديمقراطية وتكون خالية من النهضة”.

غير أن “التعنت الذي تبديه الجبهة الشعبية” أثار حفيظته بشأن استعداد اليسار لدعم أول تجربة ديمقراطية في البلاد ومدى قدرته على التفاعل الإيجابي مع المستجدات التي يشهدها الوضع العام بعيدا عن التشبث بشعارات أيديولوجية تزيد في تعقيد المشهد السياسي أكثر مما تتقدّم به.

وأعلنت الجبهة الشعبية عبر الناطق باسمها حمة الهمامي عن رفضها المشاركة في حكومة يمكن أن تشارك فيها حركة النهضة، على خلفية التصريحات التي تطلقها من حين إلى آخر قيادات الحركة الإسلامية والتي تسوّق لإمكانية وجودها ضمن التشكيل الحكومي المقبل.

ويرى متابعون أن الحركة نجحت إلى حد ما في دعايتها الإعلامية وهو ما يترجمه هذا الموقـف المتصلب لقيادات الجبهة الشعبية.

ويرى المتابعون أن موقف الجبهة ليس مستجدا ذلك أن التعنت “الجبهاوي” بدأ منذ الانتخابات الرئاسية، عندما رفض الائتلاف اليساري دعم ترشح الباجي قائد السبسي، وإن كان دعا أنصاره إلى قطع الطريق أمام منافسه مرشح الإسلاميين المنصف المرزوقي.

حداثيو تونس يخشون أن يخذل اليسار الراديكالي أول تجربة ديمقراطية يراهن عليها التونسيون في النأي بالبلاد عن مشروع الإخوان

وعقب الإعلان عن فوزه أرسل الباجي قائد السبسي جملة من الرسائل غير المباشرة للجبهة الشعبية يؤكد من خلالها أنه “اختار التحالف مع العائلة الديمقراطية” وأنه “لن يتحالف مع النهضة” وأن “فزاعة ” المنظومة القديمة و”عودة الاستبداد” ليستا سوى مجرد تخمينات لأن نداء تونس أعلن أنه لن يحكم بمفرده وإنما سيقود أول حكومة ديمقراطية تشارك فيها القوى الحداثية بما فيها الجبهة الشعبية.

وعلى الرغم من ذلك يواصل اليسار التونسي في موقفه الرافض للمشاركة في حكومة الصيد، وهو ما يعكس وفق المتابعين غياب الوعي السياسي بالمرحلة الراهنة لدى قيادات الجبهة.

يذكر أن الجبهة الشعبية ونداء تونس كانا قد خاضا خلال السنتين الماضيتين معركة “مصير” مع حركة النهضة التي سعت خلال تواجدها في الحكم إلى ضرب النمط الحداثي للمجتمع التونسي، من خلال السعي لأخونته.

ويرى متابعون أن تعنت الجبهة الشعبية يكشف بلا مواربة أن اليسار التونسي -الذي ظل منذ العشرينات من القرن الماضي رمزا للمعارضة الهامشية التي تعوزها الخبرة في ممارسة الحكم- لا يتعاطى بوعي سياسي مع انتقاله من الهامش إلى المؤسسات السيادية للدولة من خلال فوزه بـ15 مقعدا في البرلمان خلال الانتخابات الماضية.

ويقول هؤلاء إن المطروح اليوم على اليسار أن “يغادر عقلية الثورجيين المتنطعين” ليتعامل مع الواقع السياسي وفق “منطق الدولة” بعيدا عن “سطوة الأيديولوجيا الشيوعية” التي تتماثل في نتائجها مع “الأيديولوجيا السلفية” باعتبار أن كليهما يفتقد للبراغماتية السياسية ولا ينتصر لشروط العملية الديمقراطية التي ستوجب التفاعل مع الواقع السياسي وفق تضاريسه لا وفق قوالب فكرية جاهزة ومسقطة.

ويخشى حداثيو تونس أن يخذل اليسار الراديكالي أول تجربة ديمقراطية يراهن عليها التونسيون في النأي بالبلاد عن مشروع الإخوان مثلما خذل في الستينات والسبعينات من القرن الماضي المشروع الحداثي الذي قاده الزعيم الحبيب بورقيبة حيث عارضته مختلف التيارات اليسارية ولم تر فيه سوى “مشروع إمبريالي” وهو أمر لم يستسغه بورقيبة الذي كان يخوض معركة شرسة ضد القوى التقليدية التي رفضت بناء دولة مدنية ذات مؤسسات سيادية وتحرير المرأة ونشر التعليم العصري.

2