تعويذة الشيطان

الاثنين 2017/12/04

ابن جارتي شاب طموح جدا في كلية ممن يطلقون عليها كليات القمة، والده مهندس بترول ثري يجتهد في توفير حياة كريمة للأسرة، والمزيد من الرفاهية لابنه الوحيد الذي لم يشتك أحد منه طيلة 18 عاما، ابن بار للغاية، مجتهد في الوصول إلى أحلامه لا يثنيه شيء عن تحقيقها، منذ فترة لاحظت أمه عليه بعض التصرفات الغريبة لم تعرها الاهتمام الكافي، إلا أنها زادت بشراسة، فهذا الابن الوديع الطائع تحول فجأة إلى شخص عصبي، رائحته كريهة، عيناه حمراوان زائغتان، غير أنه يهذي باستمرار، زادت أعراضه الغريبة وتشعبت في: ضعف انتباهه، قلة تركيزه، ثقل لسانه، لم تدرك الأم حجم معاناة ابنها، لكن حصافة الأب دفعته إلى اصطحاب الشاب إلى عيادة طبيب علاج إدمان لعله يجد إجابات مقنعة على أسئلته الكثيرة الحائرة، تلك الأسئلة التي يؤكد الواقع أن لا إجابة شافية لها غير كلمة واحدة صادمة “….”، ولكن قلب الأم ينكرها وعقل الأب يريد الفكاك من إلحاحها العنيد.

“ابنك مدمن إستروكس”، جملة واحدة تقيأها الطبيب في وجه الأبوين، خرجت سهلة من بين شفتيه، لكنها كالرصاصة اخترقت قلبيهما، وبعدها بلحظات تبادلا الاتهامات لفظيا أو بعينين قاسيتين على بعضهما البعض.

دقائق من الصمت القاتل غلفت الموقف برمته قبل أن يبدأ الطبيب في شرح الأمر تفصيليا، فهذا المخدر المميت هو مركب كيميائي بحت تفوق آثاره كافة المخدرات الشائعة، بل إنه الأكثر انتشارا في مصر والدول العربية وبعض الدول الأوروبية، يستخدم لتهدئة أسود السيرك أثناء العروض الفنية الترفيهية لتفادي آثار هياج الأسد أثناء العرض وإحداث الضرر بمروضه، مخدر شديد الخطورة، يحكم سطوته على العقل الواعي ويخدره تماما.

في محاولة مني لمواساة الجارة المسكينة اقترحت عليها إدخال الشاب إلى مصحة لعلاج الإدمان سرا واستعادة الصورة الأولى للابن الخلوق، لكنها رفضت وبقوة دافعت عن قدرته في مسألة العلاج هذه، وأنها وحدها القادرة على الاهتمام بالابن، وللحق قدمت له كل سبل الراحة المنزلية والعلاج والاهتمام، إلا أن زيارات أصدقائه المتكررة له لم تكن بغرض الإطمئنان عليه ولكن بغرض الإبقاء على وجوده بداخل دائرتهم المحمومة، كان المخدر يصل سهلا للشاب دون معاناة، ولتذهب كل محاولات الأم ومجهوداتها إلى الجحيم، عاد أكثر شراسة للمخدر، وفي إحدى المرات دخلت إلى غرفته لتجده في حالة أشبه بالموت، جسده متخشب وعيناه جاحظتان تنظران إلى سقف الغرفة في حالة أشبه بالغيبوبة التامة وانعدام الوعي بمن حوله، ساعتان قبل أن يفارق الحياة، ويضاف إلى أرقام ضحايا متعاطي الأستروكس رقم جديد.

لم يكن الشاب هو أول الضحايا لهذا المخدر القاتل وبالتأكيد طالما أن هناك من يسهل دخول هذا المخدر، فلن يكون الأخير. ويحمل هذا المخدر اللعين عدة أسماء منها، تعويذة الشيطان، الفيل الأزرق، الجوكر، رأس الشيطان، والبعض يطلق عليه الفودو، ويدخل الإنسان في حالة هلاوس سمعية وبصرية وخطيرة، أو حالة أشبه بالموت ويدخل تجربة الحساب ودخول الجنة أو النار، في ما يشبه ما كتبه أحمد مراد في روايته “الفيل الأزرق”، ويؤدي إلى تدمير الجهاز العصبي والنهايات الطرفية وزيادة في سرعة ضربات القلب لمن ينجو من الموت.

وقد فسر العلماء والأطباء هذه الحالات بسبب احتوائه على خلاصة مركبات الهيوسين، الهيوسايمين والأتروبين، وهي مركبات شديدة الخطورة تعمل مباشرة على الجهاز الباراسمبثاوي لذا تأثيرها قاتل.

المرعب في الأمر أن أبناءنا مستهدفون في كل مكان، تمارس ضد النشء الجديد حرب شرسة بكل معانيها، دائرة محكمة الإغلاق تضيق حول أعناقنا وأعناق فلذات أكبادنا في كل مكان، المدرسة، الجامعة، النادي، أصدقاء سوء يحومون حولهم كل لحظة.

أدعو الأمهات ونفسي قبلهن لبناء علاقة قوية مع الأبناء، الحديث إليهم بوضوح وانفتاح في كافة النواحي والاتجاهات عوضا عن تركهم للجهل والتجربة.

كاتبة مصرية

21