تعويل أطراف الصراع على القوة الخشنة ينذر بانفلات الأمور في سوريا

توجيه ضربة لنظام الأسد أحد خيارات ترامب المطروحة وسقوط 39 قتيلا في أسوأ حادثة للقوات الروسية منذ تدخلها في الصراع السوري.
الأربعاء 2018/03/07
نحو عفرين

دمشق - تأخذ الأزمة السورية منحى أكثر تعقيدا، في ظل عجز القوى المتصارعة على إيجاد نقاط التقاء يمكن البناء عليها، وتعويل كل منهما على القوة الخشنة، ما يؤشر على أن الفترة المقبلة ستشهد المزيد من الانفجارات قد تؤدي إلى مآلات يصعب احتواؤها.

وهناك اليوم جبهتان تتقدمان على غيرها من الجبهات، الغوطة الشرقية المتاخمة للعاصمة دمشق والتي تسعى القوات الحكومية لاستعادتها بالقوة من المعارضة، وعفرين الواقعة في محافظة حلب على الحدود التركية التي تعيش على وقع مواجهة مسلحة بين القوات التركية والأكراد.

ورغم صدور قرار أممي في 24 فبراير يقضي بوقف القتال في المنطقتين لمدة 30 يوما بيد أن دمشق وأنقرة ترفضان الانصياع له، فيما تتركّز أنظار الخبراء على تتبع مواقف واشنطن وتحسس توجهاتها، حيال الملفين.

ورفضت وزارة الدفاع الأميركية الثلاثاء، التعليق على تسريبات تحدثت عن تخطيط إدارة الرئيس دونالد ترامب لتوجيه ضربة عسكرية للنظام السوري على خلفية معطيات عن استخدامه للأسلحة الكيميائية في الغوطة.

وقال المتحدث باسم البنتاغون أدريان رانكين-غالواي “عادة، لا نتحدث عن خطط عسكرية مستقبلية”. جاء ذلك ردا على ما نقلته صحيفة واشنطن بوست من أن إدارة ترامب تدرس جملة من الخيارات لمعاقبة دمشق.

 

المفارقات في سوريا لا تحصى ولا تعدّ، ففيما تدرس إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب جملة من الخيارات لمعاقبة دمشق بسبب الانتهاكات في الغوطة الشرقية، يسجل التقاؤهما على ذات الهدف في عفرين ألا وهو تحويل المنطقة إلى مستنقع يصعب لتركيا الفكاك منه

ووفقا للصحيفة فإن ترامب بحث الأسبوع الماضي الخيارات المطروحة بشأن سوريا مع كبير موظفي البيت الأبيض جون كيلي ومستشاره في شؤون الأمن القومي هيربرت ماكمستر ووزير الدفاع جيمس ماتيس.

وذكر مسؤول أميركي رفيع في البيت الأبيض، أن ماتيس عارض “بشدة” خلال الاجتماع الخيار العسكري، في حين أبدى ماكمستر تأييده للضربة المحتملة.

وأضاف المسؤول أن ترامب لم يصادق على المقترحات المطروحة وقرر المشاركون في الاجتماع الاكتفاء ببحث المستجدات السورية.

ونفت المتحدثة باسم البنتاغون دانا وايت في وقت سابق مشاركة ماتيس في الاجتماع المذكور. والشهر الماضي لم يستبعد الرئيس الأميركي إمكانية استخدام القوة ضد النظام السوري في حال ثبت استخدامه للكيميائي، وأيّدت كل من فرنسا وبريطانيا توجهه.

وتشكّل سيطرة النظام السوري على الغوطة الشرقية ضربة قاصمة لفصائل المعارضة، فالغوطة هي أحد آخر أبرز معاقلها، وبالتالي خسارتها ستعني فقدان ورقة قوية على طاولة المفاوضات.

وكان النظام بدأ منذ 18 فبراير عملية عسكرية في الغوطة، تمكّن خلالها من استعادة نحو ربع المنطقة غير عابئ بالتكلفة البشرية التي بلغت 800 قتيل في صفوف المدنيين، وفق آخر إحصائية.

ورغم الضجيج الدولي يستبعد مراقبون أن تُقدم الولايات المتحدة وحلفاؤها على شنّ ضربة ضد النظام، لعدة اعتبارات من بينها أن واشنطن ترغب في التركيز على حماية نفوذها في مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد في شمال البلاد وشرقها، هذا فضلا عن الخشية من موقف روسيا الحليف الاستراتيجي للرئيس بشار الأسد.

وفي ردّه على إمكانية شنّ واشنطن لعملية عسكرية ضد النظام، أعرب الكرملين عن أمله الثلاثاء، في “ألاّ تحدث أعمال قد تؤدي إلى المزيد من انتهاك القانون الدولي”.

والعملية التي تخوضها القوات الحكومية في الغوطة ما كانت لتتم لولا وجود دعم روسي ترجم في وجود مستشارين عسكريين روس على الأرض، فضلا عن مناورات موسكو في مجلس الأمن والتي تستهدف ربح الوقت وتخفيف الضغوط على الأسد.

وعرض الجيش الروسي الثلاثاء، على مقاتلي المعارضة الخروج الآمن من الغوطة الشرقية، في استنساخ واضح لسيناريو حلب الشرقية في العام 2016.

وقالت وزارة الدفاع الروسية إنه يمكن لمقاتلي المعارضة الخروج مع أسرهم وأسلحتهم الشخصية عبر ممرّ آمن، كان تم استحداثه الأسبوع الماضي، مع إعلان موسكو لهدنة يومية قصيرة، لخروج المدنيين.

ويرجّح مراقبون أن تبقي واشنطن على استراتيجيها القائمة على ممارسة أقصى حدّ مُمكن من الضغوط على الأسد وحليفته موسكو سواء عبر الملف الإنساني وأيضا الكيميائي لكن دون انخراط أكبر بشنّ عملية عسكرية.

ولقي 39 شخصًا حتفهم، الثلاثاء، إثر تحطم طائرة نقل روسية من طراز «انطونوف 26» أثناء هبوطها في مطار حميميم بسوريا (شمال غرب)، وترجح وزارة الدفاع الروسية أن يكون السبب خلل فني، وقد فتحت تحقيقا في الغرض.

وفي معضلة عفرين لا تبدو واشنطن أنها تمتلك أيضا رفاهية الخيار، وتجد نفسها مضطرة للحفاظ على علاقتها مع الأكراد باعتبارهم محور استراتيجيتها في سوريا، رغم أن ذلك يعني الإبقاء على حالة التوتر قائمة مع حليفتها في الناتو تركيا، التي يستعد وزير خارجيتها مولود جاويش أوغلو إلى زيارتها في الشهر الجاري.

ومعلوم أن الولايات لا تمتلك أيّ حضور عسكري في منطقة عفرين، وهذا ما يضطرها إلى البحث عن بدائل لدعم المقاتلين الأكراد، دون الانغماس مباشرة في الصراع هناك والذي قد يولّد قطيعة نهائية مع أنقرة.

وأطلقت تركيا في 20 يناير عملية عسكرية في عفرين لطرد وحدات حماية الشعب الكردي الحليف الموثوق للولايات المتحدة في سوريا، ورغم أن الرئيس رجب طيب أردوغان تعهد بحسم المعركة في غضون أيام بيد أنها دخلت شهرها الثاني دون أن تسجّل أي خرق نوعي.

ويعود التباطؤ في العملية التركية رغم التفوّق الجوي، إلى شراسة المقاتلين الأكراد وأيضا إلى الإمدادات القادمة لهم من مناطق سيطرة النظام السوري وأيضا للمفارقة من مناطق نفوذ التحالف الدولي ضد داعش.

وأعلنت قوات سوريا الديمقراطية، عزمها نقل 1700 من مقاتليها من المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية في شرق البلاد إلى منطقة عفرين خلال هذا الأسبوع.

ويستبعد محللون أن يكون توجه هذا العدد من المقاتلين إلى عفرين، دون التنسيق مع الولايات المتحدة.

وكان المتحدث باسم البنتاغون الكولونيل روب مانينغ قد أقرّ في تصريحات له الاثنين، بأن قسما من المقاتلين الأكراد الذين تدعمهم في شمال سوريا غادروا مواقعهم متجهين إلى عفرين لمؤازرة رفاقهم في صدّ الهجوم الذي تشنّه تركيا على المنطقة ذات الغالبية الكردية.

ويرى مراقبون أن التطوّرات على جبهة عفرين تشي بأن التوتر سيبقى سيّد الموقف بين تركيا والولايات المتحدة، وأن زيارة وزير الخارجية ريكس تيلرسون ووزير الدفاع جميس ماتيس إلى أنقرة الشهر الماضي لم تحدث أي خرق، وهذا المتوقع أيضا بالنسبة لزيارة جاويش أوغلو إلى واشنطن.

2