تعيين تبون يفرض طابع التكنوقراط على الحكومة الجزائرية الجديدة

الخميس 2017/05/25
مسؤولية بحجم الوطن

الجزائر - ترك الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة، باب التأويلات مفتوحا، أمام تشكيل الحكومة الجديدة، بعدما قرر تعيين رئيس وزراء جديد، دون الكشف عن باقي الوزراء، حيث عين وزير السكن والمدينة عبدالمجيد تبون، خلفا لعبدالمالك سلال، في مبنى قصر الدكتور سعدان، ما يؤشر إلى حسم جزء من الجدل المشتعل في الساحة المحلية، وترك البقية لما ستفرزه التوازنات داخل السلطة.

وأعلن بيان للرئاسة الجزائرية الأربعاء، تعيين تبون، رئيسا للوزراء خلفا لسلال، ودعوة الوزراء الذين شاركوا في الانتخابات التشريعية، للعودة إلى مناصبهم الأصلية في الحكومة، في انتظار الكشف عن هوية الحكومة القادمة نهاية هذا الأسبوع.

وكان اسم تبون، من الأسماء المتداولة في الأوساط السياسية والإعلامية، إلى جانب عدة أسماء أخرى، لكن بحظوظ أقل من احتفاظ عبدالمالك سلال بمنصبه، بالنظر إلى التزكية السياسية التي كان يتلقاها سلال باستمرار من طرف قيادة حزب جبهة التحرير، صاحب الأغلبية في البرلمان الجديد (161 مقعدا).

ورغم انتماء تبون إلى حزب الأغلبية، إلا أنه يميل إلى الجانب التكنوقراطي في شؤون التسيير، حيث لم يلاحظ عليه انخراطه في السجالات السياسية والحزبية، ولم يترشح لخوض غمار الانتخابات التشريعية الأخيرة، حيث ظل بعيدا عن الخوض في المسائل والأضواء السياسية.

وكان تبون، محل ثقة بوتفليقة في تفعيل قطاع السكن والبناء بالنظر إلى مردوده الاجتماعي والخدماتي، بعد التعثرات التي اعترضت مشروع إنجاز مليوني وحدة سكنية في مختلف المخططات الخماسية، حيث عينه على رأس القطاع منذ العام 2013.

ويضفي تعيينه في قصر الدكتور سعدان، البعد التكنوقراطي الذي أراد بوتفليقة إضفاءه على الحكومة القادمة، رغم الخلفية السياسية من أجل مواجهة تحديات المرحلة القادمة، المثقلة بضغط الأزمة الاقتصادية وتداعياتها على الجبهة الاجتماعية.

كما يمكن أن يكون رسالة من بوتفليقة للرأي العام وللطبقة السياسية والشركاء الأجانب، على التخلص من سلال، الذي اقترن اسمه بحالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي التي خيمت على البلاد طيلة السنوات الأخيرة.

وافتقد سلال في الكثير من المحطات إلى شروط التوافق والانسجام بين أعضاء الطاقم الحكومي، حيث فشل في احتواء خلافات حكومته، وفي فرض الانضباط والتحفظ اللازمين في تسيير مختلف القطاعات، إذ كشفت تصريحات أخيرة لوزراء السكن والمالية عن تخبط وحتى تسيب غير مسبوق.

ويعول بوتفليقة، على تفعيل الجهاز التنفيذي عبر تعيين تبون، والدفع بالملفات الحساسة إلى الأمام، لتلافي ضياع المزيد من الوقت، في تحقيق انتقال اقتصادي وكسب التفاف الشارع الجزائري حول الحكومة، في مواجهة التدابير غير الشعبية.

ويرى مراقبون، أن الاستغناء عن خدمات سلال، رغم كل المؤشرات التي كانت ترشحه لخلافة نفسه، جاء في أعقاب السقطات التي ساهمت في حالة الاحتقان الاقتصادي والاجتماعي، ولا سيما إعلانه في ذروة الحملة الانتخابية الأخيرة، عن وقف الحكومة لبرنامج السكن، بسبب شح الموارد المالية.

كما ارتبط تواجد سلال، بظروف اقتصادية غير مواتية منذ العام 2014، وبفشله في إنتاج خطاب رسمي يحتوي تداعيات الأزمة، ويضع الشارع الجزائري أمام الحقائق الجديدة.

ومثلت المقاطعة الشعبية الواسعة للانتخابات التشريعية الأخيرة، التي فاقت 65 بالمئة، والشبهات التي طالت الاستحقاق الانتخابي، فرصة للتخلص من سلال ليكون رسالة طمأنة من السلطة للشارع وللطبقة السياسية.

ويرى ملاحظون أن تعيين رئيس الوزراء الجديد على رأس الحكومة المنتظرة، يوحي بشكل كبير إلى طبيعة المرحلة الاجتماعية والاقتصادية القادمة، قياسا بما أبداه تبون، خلال إشرافه بالنيابة على وزارة التجارة خلفا للراحل بختي بلعايب، من صرامة وجدية في إنفاق رصيد العملة الصعبة، والتحكم في النشاط التجاري.

وكان تبون، فرض قيودا صارمة، على نشاط التجارة الخارجية، وإطلاق آليات محاربة الفساد وتهريب العملة الصعبة عبر بوابة الاستيراد من الخارج، وارتبط اسمه بما بات يعرف بـ”سياسة حصص الاستيراد” التي طالت المواد الكمالية وبعض الأنشطة المنتجة في الداخل.

وذهبت قراءات أولية للاستغناء المفاجئ عن عبدالمالك سلال، رغم الانطباع الذي أوحت به مباشرته لمشاورات سياسية لتشكيل الحكومة الجديدة مع الطبقة السياسية، بأنه سيخلف نفسه في قصر الدكتور سعدان، إلى أن التوازنات والمعطيات داخل السلطة حسمت لغير صالحه.

وشكلت التزكية السياسية لقيادة حزب جبهة التحرير الوطني للرجل، استعجال الجناح المؤيد لسلال داخل السلطة عملية الاستحواذ والتفرد بالمرحلة الجديدة، وهو الأمر الذي كان محل امتعاض رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي أحمد أويحيى.

وكان أويحيى، قد تعامل بمضض مع المشاورات السياسية، وانتقد طريقة وخلفيات إدارتها، وهو ما عبر عنه برفض الانتقال إلى قصر الحكومة لمقابلة سلال لمناقشة المسألة، مما اضطر الأخير للتنقل إلى مكتبه في مبنى رئاسة الجمهورية.

ولا يستبعد مراقبون، أن يكون رحيل سلال، بداية لترحيل وجوه رسمية وسياسية في الحزب الحاكم، بعد استعجال جناحه عملية خلافة بوتفليقة في قصر المرادية، وتوظيفه للانتخابات التشريعية من أجل تثبيت مواقعه تحسبا للاستحقاق الرئاسي.

4