تعيين رئيس للوزراء استجابة من البشير لخطة إعادة تأهيل السودان

اختيار الرئيس السوداني نائبه الأول بكري حسن صالح لشغل منصب رئيس الحكومة، خطوة تشي برغبة عمر البشير في تكريس الأخير كرقم صعب في معادلة النظام السوداني الذي يعمل بخطى حثيثة للعودة إلى المجتمع الدولي.
الجمعة 2017/03/03
بكري حسن صالح مفتاح تجميل الصورة

الخرطوم - لم يكن تعيين الرئيس السوداني عمر حسن البشير لنائبه الأول بكري حسن صالح رئيسا للوزارء مفاجئا للكثيرين، خاصة وأن الأخير ينتمي إلى الدائرة الضيقة المقربة من البشير.

وأدى حسن صالح، الخميس، اليمين الدستورية في القصر الجمهوري بالخرطوم.

ويعتبر كثيرون أن خطوة تعيين رئيس وزراء تصب في سياق مساعي البشير ترميم ثقة المجمع الدولي به، عبر خلق أطر مؤسساتية جديدة يوحي من خلالها بوجود نفس إصلاحي متدرج في السودان، وما اختيار بكري حسن صالح إلا لثقته العميقة فيه، ولضمان عدم تصادم رؤيتهما بخصوص عمل الحكومة الجديدة، خاصة وأن كليهما ينتميان إلى المدرسة العسكرية.

وقال الرئيس عمر البشير خلال عملية التنصيب “الكعكة صغيرة والأيادي كثيرة، وتركوا لي فرصة تشكيل الحكومة الجديدة وهي مسؤولية كبيرة”، في إقرار منه بأن مرحلة تشكيل الحكومة ستكون الأصعب “نظرًا للأعداد الكبيرة للقوى السياسية والحركات المسلحة التي شاركت في الحوار”.

وشدد على أن عملية تنصيب بكري حسن صالح، ليس “الهدف منه تقسيم الكعكة ولكنه إفراز لمخرجات الحوار الوطني”.

وكان البشير قد عقد العام الماضي حوارا وطنيا، قاطعته قوى المعارضة الرئيسية، تم خلاله التوافق على وثيقة تتضمن إصلاحات سياسية من ضمنها تعديل الدستور وإعادة هيكلة المؤسستين التشريعية والتنفيذية.

وأوضح البشير أن بلاده شرعت في عملية تعديل الدستور، حيث بدأت بتعديل قانون الانتخابات، وأضاف في مؤتمر صحافي “اتفقنا على معايير المشاركة ومواصفات المشاركين في هذه العملية الانتخابية”. وتعيين رئيس للوزراء هو الأول منذ إلغاء هذا المنصب بعيد الانقلاب الذي قادته جبهة الإنقاذ ضد حكومة الصادق المهدي في العام 1989.

وبعد جدل طويل صادق المكتب التنفيذي لحزب المؤتمر الوطني الحاكم، في وقت متأخر من ليل الأربعاء، على تعيين حسن صالح، وتقول مصادر إن تعيينه فرضه البشير، بعد أن تقدم الحزب بقائمة من الترشيحات لم تتضمن اسمه.

وقال حيدر إبراهيم، المفكر والمعارض السوداني المقيم في القاهرة، إن “تشكيل الحكومة السودانية برئاسة النائب الأول للرئيس السوداني، إعادة إنتاج للنظام بصورة جديدة توحي بأنه يسعى إلى تحسين الوضع السياسي والاجتماعي في البلاد، لكن ذلك غير صحيح، لا سيما وأن الحكومة سوف تدار بفكر وسياسة حزب المؤتمر الوطني الحاكم، ولو كان هناك انفتاح حقيقي، لجرى اختيار شخصيات لها مواقف معارضة بشكل جاد، أما من اختارهم فلا علاقة لهم بالمعارضة الحقيقية”.

حيدر إبراهيم: تشكيل الحكومة برئاسة بكري صالح، يوحي بسعي إلى تحسين الوضع في البلاد

وأكد لـ“العرب” أن “نظام عمر البشير يلعب مباراة صفرية ‘يا كل شيء أو لا شيء’، ما يوحي بأنه متمسك بالسلطة بطريقة مطلقة دون تقديم تنازلات، لإدراكه أن التنازل عن جزء من السلطة مقدمة لتنازلات أخرى عديدة”، موضحا أن “المعارضة لن تصمت على ذلك، لأن من اختيروا كمشاركين في الحكومة بزعم أنهم معارضون، هم في الأصل تابعون لأحزاب من صنع النظام بالأساس”.

ويرى محللون أن تعيين بكري حسن صالح يحمل أبعادا أعمق، تندرج في سياق تهيئة الرجل لخلافة الرئيس عمر البشير الذي يبلغ 75 عاما.

وأعلن البشير خلال زيارة أداها إلى إقليم دارفور شرق السودان في العام 2016، عن قراره بعدم الترشح للانتخابات الرئاسية في العام 2020.

والبشير القادم من المؤسسة العسكرية وصاحب أطول فترة رئاسية في عمر السودان الحديث بلغت 27 عاما، قد أبدى في السنوات الأخيرة نية في عدم تجديد ولايته في أكثر من مناسبة (2010، و2015)، الأمر الذي فهم منه أنه يفكر جديا في التنحي ولكن بعد ضمان أن يكون خليفته شخصا موثوقا فيه.

ومعلوم أن البشير بحكم خلفيته العسكرية، يرى أن خليفته لابد أن يكون من هذه المؤسسة، التي تشكل العمود الفقري للدولة.

وقد عمل الرئيس السوداني في السنوات الأخيرة على تحجيم تأثير القيادات المدنية في المؤتمر الوطني الحاكم، من خلال استبعاد أبرز القيادات المرشحة لخلافته كنافع علي نافع وعلي عثمان طه الذي خلفه بكري حسن صالح في منصب نائب الرئيس في العام 2013.

ويقول محللون إن بكري حسن صالح رفيق البشير منذ أن كان ضابطا في الجيش، وواحد من قيادات “مجلس الثورة” الذين قادوا انقلاب الإنقاذ في 30 يونيو 1989، يشكل الخيار الأفضل بالنسبة إلى الأخير.

وفي مقابل الرأي الذي يقول إن تعيين حسن صالح رئيسا للوزراء يندرج في إطار تهيئة الأخير لخلافة الرئيس السوداني يرى آخرون أن الأمر ينطوي على بعض المبالغة.

ويشير هؤلاء إلى أن إعلان البشير عن عدم ترشحه لانتخابات 2020 لا يمكن البناء عليه، فسبق وأن أعلن ذلك مرارا لكنه لم يف بتعهده.

وسجل في السنوات الأخيرة تغير في السياسة السودانية، التي بدت أكثر انفتاحا وبراغماتية في التعامل مع المتغيرات الداخلية والخارجية.

فعلى الصعيد الداخلي أبدى الرئيس السوداني الذي يسيطر اليوم على كامل مفاصل الحياة في السودان، مرونة في التعاطي مع المعارضة، وهو ما يعكسه الحوار الذي نتج عنه تعيين رئيس وزراء.

أما خارجيا فهناك استدارة بمئة وثمانين درجة، ترجمت في ابتعاده عن محور إيران الذي كلفه الانتماء إليه غاليا، والاقتراب أكثر من محيطه العربي. ونتيجة لذلك فتحت له الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية آفاقا أوسع له سواء أكان ذلك في علاقته مع المجتمع الدولي، أو في دعمه اقتصاديا.

وجدير بالذكر أن السعودية والإمارات لعبتا دورا محوريا في إقناع واشنطن بتخفيف العقوبات الاقتصادية عنه.

ويتوقع مراقبون أن يتخذ البشير في الفترة المقبلة، خاصة مع اقتراب مهلة توقيع الإدارة الأميركية الجديدة للقرار النهائي برفع العقوبات، المزيد من الإجراءات الإصلاحية بيد أن المعارضة تشكك في مدى جدية النظام في تحقيق إصلاح حقيقي.

واستبعد هاني رسلان، المتخصص في الشأن السوداني في تصريحات لـ“العرب”، “أن تكون هناك ردة فعل مناوئة من جانب المعارضة خلال الفترة المقبلة، لا سيما وأن الحكومة الجديدة جاءت في إطار حوار وطني، والنتيجة العامة أن نظام البشير يعيد إنتاج نفس التسويات التي كان يقوم بها مع الحركات المسلحة، لكن هذه المرة مع القوى السياسية”.

2