تغاض أميركي عن تمدد إيران في العراق ينبئ بإعادة السيناريو اللبناني

أضحى جليا أنّ إيران تستغل السياسة الأميركية المتراخية تجاه قضايا الشرق الأوسط لتوسيع نفوذها وتحقيق تقدم فعلي لها على الأراضي العراقية، من خلال تقوية الميليشيات التابعة لها هناك، لغاية “لبننة” العراق. منهج توسعي إيراني بات يقتضي من إدارة أوباما، التي دفعها تقاربها مع طهران إلى المقعد الخلفي في قضايا المنطقة، السير على نهج عقيدة الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، التي طالما اعتبرت أمن الحلفاء الخليجيين من أمن واشنطن، وفق وجهة نظر الباحثين الأميركيين مايكل دوران وماكس بوت.
الثلاثاء 2015/05/12
لبننة العراق تبدأ بتقوية شوكة الميليشيات الموالية لإيران

واشنطن – تم الاحتفال، خلال الأيام القليلة الماضية، على نطاق واسع بطرد تنظيم “داعش” من مدينة تكريت العراقية، مسقط رأس الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. وعلى الرغم من أنّ هذا النصر ساهمت فيه بشكل كبير القوات الجوية الأميركية، فقد كان كذلك بمثابة انتصار لأجندة إيران التوسعية في العراق على حساب الولايات المتحدة. فقد كانت الغالبية العظمى من المقاتلين على الخطوط الأمامية تنتمي إلى المليشيات الشيعية، وتلقى الكثير منهم التدريب والعتاد والاستشارة من قبل الإيرانيين.

ولم يعد خافيا أنّ القائد الفعلي للميليشيات الشيعية التي تقاتل في العراق، هو الجنرال قاسم السليماني، رئيس فرقة قوات القدس التابعة للحرس الثوري المكلفة بتصدير “الثورة الإيرانية”. وقد أصبح السليماني على ما يبدو دائم الحضور في الصفوف الأمامية، بعد أن تمّ إشهار ظهوره عبر حملة إيرانية روّجتها عبر وسائل الإعلام الاجتماعي. كما أضحى جليا وجود أسلحة إيرانية مثل دبابات تي-72 وحتى صواريخ المدفعية الفجر-5 وصواريخ الفتح-110 في العراق.

إيران ومنهج «اللبننة»

يرى عدد من المتابعين للحملة التي استهدفت داعش في مدينة تكريت أنّ عمليات نقل الأسلحة الثقيلة التي عمدت إليها الميليشيات التابعة لإيران إنّما تدلّ على وجود أجندة إيرانية أوسع من المشاركة في دحر التنظيم المتشدد. ويقول المتابعون إنّ طهران تريد تحقيق هدف توسعي على الأراضي العراقية أكثر طموحا، فهي لا تبتغي أقل من “لبننة” العراق وتقطيع أوصاله من خلال ضرب وحدة أراضيه.

وعلى الرغم من أنّ لبنان والعراق مختلفان شديد الاختلاف، إلاّ أنهما يمتلكان نقاط تشابه كثيرة، فكلاهما يحتوي على فسيفساء إثنية متنوعة ومعقدة. وتعيد الممارسات الإيرانية اليوم في العراق إلى الأذهان، ما حصل في لبنان، الذي كان يتخبّط في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، في أتون حرب أهلية، والدور الذي لعبته إيران التي كانت تشهد “ثورة” على نظام الشاه حينها في تعميق أزمة اللبنانيين. فقد استغلت طهران التي كانت تعيش حالة من الفوضى بدورها، في ذلك الوقت، الفوضى التي كانت تعمّ لبنان لتنظيم “حزب الله”، المليشيا الشيعية الخاضعة لإيران، وزرعه في الجسم اللبناني. وعلى الرغم من أنّ “حزب الله” قد صاغ خطابا للاستهلاك المحلي يركز من خلاله على جذوره اللبنانية، مدّعيا أنّه انبثق بشكل عفوي لمقاومة الغزو الإسرائيلي لسنة 1982، إلاّ أنّ ارتباطه بإيران وارتهانه لها يكشف زيف ادعاءاته تلك.

وكان المحللون الغربيون لسنوات كثيرة يميلون إلى تصديق دعاية “حزب الله” بالكامل، لكن اليوم تكشف المشاركة المكثفة للحزب في الحرب السورية أنّه لا يرى مانعا من استخدام أسلحته ضد إخوانه المسلمين لحماية المصالح الإيرانية، إذ كان تدخله في سوريا العامل الرئيس الذي أجّل سقوط نظام بشار الأسد، أكبر حليف لإيران، كما دعم المبادرات الإيرانية في أماكن أخرى من العالم العربي، بما في ذلك العراق.

أوباما حول القوات الجوية الأميركية إلى قوات جوية إيرانية، عبر قصف تكريت، وهو ما يبحث عنه الإيرانيون

ويؤكّد هذا التوجّه الذي يطبع سلوك “حزب الله”، أنّ مهمّته الأساسية تكمن في الإبقاء على لبنان في فلك طهران، وهو يفعل ذلك ليس عبر الحكم المباشر، لكن عبر انتهاج طرق ابتزازية، مُجبرا الزعماء اللبنانيين على منحه كامل حرية الحركة في المجالات الأساسية، وأولها على الإطلاق المجال الأمني.

استنساخ التجربة في العراق

منح الغزو الأميركي للعراق سنة 2003، إيران الفرصة لتصدير نموذج “حزب الله” لجارتها العربية. وبداية من سنة 2003 زودت إيران عدّة مليشيات شيعية في العراق بالأموال والأسلحة والتدريب ومنها جيش المهدي، وكتائب بدر، وأصحاب أهل الحق، وكتائب حزب الله. وكان هدف المليشيات الأساسي المُعلن في البداية يتمثّل في طرد القوات الأميركية التي كانت تقف حجر عثرة في طريقها الذي تسلكه نحو السيطرة على السلطة، وقد تحقق لها ذلك الهدف في سنة 2011، عندما أخفق الرئيس أوباما في التفاوض حول اتفاق وضعية القوات الأميركية في العراق. أمّا اليوم فتعمل تلك المليشيات على تسويق صورة جديدة لها، أساسها الدفاع عن الشيعة العراقيين أمام المدّ الجهادي السني الزاحف، وهو ما يراه مراقبون خطوة أخرى في طريق تنفيذ الأجندة الإيرانية القاضية بالسيطرة على العراق.

ولكن مثلما لم يكن “حزب الله” ببساطة الثقل الموازن المحلّي لإسرائيل، كما كان يدّعي، يجب ألاّ يُنظر إلى المليشيات العراقية على أنها عصابات من الشبان المحليين، تنتظم بشكل عفوي لحماية الشيعة من “داعش”، لأنّ لدى إيران أهداف أوسع، فهي تسعى في المدى القريب إلى تدعيم سيطرتها على العراق، ثم ستستعمل العراق كموطئ قدم ثان لمزيد توسيع نفوذها في العالم العربي.

وقد تحقق تقدم كبير في الجزء الأول من هذا المخطط، إذ انهار الجيش العراقي على إثر سقوط الموصل في يونيو 2014 بسبب “التصرفات الفاسدة” والطائفية للضباط الذين عينهم رئيس الوزراء السابق، المدعوم من إيران، نوري المالكي. وهو ما سمح للمليشيات المدعومة من طهران بأن تشكّل الآن القوة العسكرية الغالبة في العراق. وعلى الرغم من تنحية المالكي عن الحكم في سبتمبر 2014، وتولي حيدر العبادي، الشيعي الذي يعدّ أكثر اعتدالا وأقلّ طائفيّة من سلفه، لرئاسة الوزراء، ومباركة الولايات المتحدة لتلك الخطوة، إلاّ أنّ العبادي مازال بعيدا كل البعد عن أن يكون “الرجل القوي” في العراق، فتلك الصفة تعود في الواقع اليوم إلى الجنرال السليماني، ثم يأتي بعد ذلك كبار أتباعه مثل هادي العامري من تنظيم بدر. وهؤلاء لا يسيطرون فقط على شبكة واسعة من رجال المليشيات، بل يتحكمون بصفة غير مباشرة في قوات الشرطة العراقية، حيث نجد أن وزير الداخلية عضو في تنظيم بدر.

وعوضا عن معارضة المخططات الإيرانية بشكل نشط، يعطي البيت الأبيض اليوم كلّ الإشارات للرضوخ لها انطلاقا من وهم أميركي مفاده أن إيران تعد حليفا قيما في الحرب ضدّ “داعش”، ولأنّ إدراة أوباما، تحديدا، لا تريد أن تعطل إمكانية عقد اتفاق نووي مع إيران. فعبر قصف تكريت، حوّل أوباما القوات الجوية الأميركية إلى قوات جوية إيرانية، وهو نموذج من المحتمل أن يتكرّر في الموصل أيضا، وهو ما يبحث عنه الإيرانيون.

عقيدة كارتر

جيمي كارتر: إن محاولة أي قوة أجنبية السيطرة على منطقة الخليج العربي ستعتبر تعديا على المصالح الحيوية الأميركية

إن غضّ النظر عن الدور الإيراني المتنامي في العراق يعدّ خطأ في الحسابات الأميركية، بل هو خطأ أفدح مما حصل في لبنان، ذلك البلد الصغير في حجمه والأقل من حيث الأهمية الاستراتيجية، في وقت سابق. حيث يمتلك العراق خامس أكبر الاحتياطات النفطية المؤكّدة، ويحتلّ المرتبة الثانية في منظمة الأوبيك. وبسيطرة إيران الآن على المجال الأمني في العراق تبقى مسألة وقت حتّى تتحكم مباشرة أو بالوكالة في حقول النفط الجنوبية الموجودة في قلب المنطقة الشيعية. وبوجود هذه الاحتياطات النفطية تحت سيطرتها، وبرفع العقوبات النووية المسلطة عليها، ستصبح إيران بين عشية وضحاها اللاعب المهيمن في منظمة الأوبيك، ومن ثم إحدى القوى المهيمنة في أسواق الطاقة العالمية.

وليست حقول النفط وحدها التي يجب أن نقلق حيالها، فلا ننسى أن هيمنة إيران على لبنان مكنت “حزب الله” من استعراض قوته في الداخل والخارج، خاصة في سوريا، وهو ما يمكن أن تقوم به الميليشيات الموالية لإيران في العراق، ويعد تهديدا حقيقيا لأمن دول الجوار العراقي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

وبدلا من منح إيران اليد الطليقة لـ”لبننة” العراق وجيرانها، من الأفضل أن يُنصح أوباما بالرجوع إلى سياسة بديلة بدأها رئيس آخر من الديمقراطيين وهو جيمي كارتر. فعلى إثر الغزو السوفيتي لأفغانستان في سنة 1979 أعلن كارتر قائلا “إن محاولة أي قوة أجنبية السيطرة على منطقة الخليج العربي ستعتبر تعديا على المصالح الحيوية الأميركية، وسيتم درأ مثل هذا الاعتداء بكل الوسائل الضرورية بما في ذلك القوة العسكرية”.

وهكذا أسست عقيدة كارتر تلك “خطا أحمر”، مفاده أنّه لن يُسمح لأيّ قوّة بالهيمنة على الخليج، مثلما اعتمدت بريطانيا على مدى قرون سياسة عدم السماح لأيّ قوة بالهيمنة على القارة الأوروبية. ولو كانت عقيدة كارتر سارية المفعول لحتّمت على إدارة أوباما إعداد خطة استراتيجية للحيلولة دون “لبننة” العراق وتوسع النفوذ الإيراني في سوريا واليمن وبلدان أخرى أيضا.

ويتمثل حجر الزاوية لهذه الخطة، في بذل الولايات المتحدة المزيد من الجهود لدعم حلفائها التقليديين ضد إيران، وهؤلاء الحلفاء لا يقتصرون على دول مثل الأردن والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، لكن كذلك الغالبية السنية في العراق وسوريا المهدّدة بشكل مباشر من المخططات الإيرانية. ويدّعي بعض المحللين أن الولايات المتحدة اتخذت خطوة في هذا الاتجاه عبر تقديم المعلومات الاستخباراتية وغيرها من المساعدات للقوات السعودية التي تقصف الحوثيين في اليمن المدعومين من إيران، لكن السعوديين اتخذوا قرارهم بمفردهم، وحسب الجنرال لويد أوستن، قائد القيادة المركزية، أعطته الرياض تنبيها بساعة فقط قبل الشروع في العملية العسكرية. وهذا يبين بوضوح أنّ السعوديين لم يعودوا يثقون في واشنطن، لذا فإن استعادة ثقة الحلفاء التقليديين يجب أن تكون من أولويات مشاغل الولايات المتحدة. بيد أنّ ذلك يتطلب من إدارة أوباما إعادة التفكير في سياسة مد اليد لإيران التي تركت الولايات المتحدة في المقعد الخلفي في المنطقة تاركة المجال لقاسم سليماني وقوّة القدس.

6