تغذية حرب الجماعات في سوريا

الأربعاء 2013/08/28

تتصاعد يوميا الممارسات الإجرامية لـ «دولة العراق والشام الإسلامية» التي باتت تعرف بـ»داعش». ممارسات كانت قد بدأت قبل عدة أشهر بمحاولة فرض أيديولوجيا دينية- سياسية على سكان المناطق المحررة. إذ عمد هذا التنظيم إلى قمع المظاهرات السلمية، واعتقال الناشطين، واستبدال علم الثورة بالعلم المقيت أحادي اللون، في إشارة إلى الطبيعة الاستبدادية لهذا التنظيم، والمستقبل الذي يعد به السوريين.

في الأسابيع الأخيرة، دخلت «داعش» بمعارك متفرقة مع الأكراد وكتائب الجيش الحر. وفي حين لم تتمكن من كسر شوكة الكتائب الكردية المتمرسة بالقتال، والمتحصنة في بيئات شعبية حاضنة، استطاعت «داعش» إخضاع بعض كتائب الجيش الحر، في مناطق مختلفة من سوريا، سواء بقوة التهديد والسلاح، أو باتفاق تسوية كان يصب دوماً في مصلحتها ويجعلها تواصل انتشارها كبقعة الزيت في المناطق المحررة. وهو ما كان يمهد لفرض سلطة عاتية يصبح من الصعب وضع حد لممارساتها الإجرامية.

السلطة العاتية تلك، يبدو أنها باتت أمرا واقعا في مدينة الرقة، إذ اشتدت حدة الصراع بين السكان وبعض كتائب الجيش الحر من جهة، و»داعش» من جهة أخرى. ولأن هذه الأخيرة كانت قد وطدت أركانها في مدينة الرقة بغفلة عن الجيش الحر والائتلاف الوطني الذي قضى الأشهر الماضية يشاهد صعود التنظيم الإرهابي ويتزلف له، فقد أصبح بإمكانها أن تمعن في الإجرام والقتل دون أية مساءلة، كأن تفرّق مظاهرة سلمية في مدينة الرقة بقذيفة مضادة للدروع وهو ما حدث بالفعل. فما الذي قد يمنع من يعتقد بتطبيق شرع الله على الأرض، من معاقبة كل من يرفض الطاعة والبيعة للأمير، حتى بقذيفة أو بسيارة مفخخة إن اقتضى الأمر؟

حاولت بعض كتائب الجيش الحر في الرقة التصدي لإجرام «داعش»، فما كان من المقاتلين الإسلاميين إلا أن نفذوا مخططاً لإقصاء الجيش الحر، والسيطرة على المدينة. فشنوا هجوماً على مقرات كتائب أحفاد الرسول في الرقة. بدأ الهجوم بتفجير سيارة مفخخة أمام مقر أحفاد الرسول، تلا ذلك معارك شرسة، سيطرت «داعش» على المقرات.

هكذا، انسحبت «داعش» من جبهات القتال مع النظام، وارتدت نحو الغنيمة الكبرى: «المناطق المحررة»، حيث يمكن قمع الناس وفرض «الإمارة الإسلامية» بقوة السلاح والدعم الإقليمي غير المحدود. بمعنى أن صدام التنظيمات الأصولية بات يتركّز اليوم مع الشعب والجيش الحر، وذلك بعد عام على الخطاب الإعلامي- السياسي السائد، الذي صور صدامها مع النظام ومن أجل إسقاطه. فيما كانت تنشأ وتترعرع في كنف النظام، وربما بعلم أجهزة استخبارات سورية وإيرانية وروسية.

من المرجح أن تتفاعل الحالة الشعبية المعادية لسلوك، ووجود، «داعش»، فبعد ممارساتها الأخيرة، بات من الضروري إقصاؤها من متن الثورة السورية وهوامشها. لذا، يبدو ضرورياً أن يعمل ناشطو المناطق المحررة على إعادة هيكلة المجالس المحلية بما يجعلها خاضعة للسلطة الشعبية، وتشكيل ميليشيات شعبية لإدارة أمن المناطق المحررة.

ولأن الجيش الحر هو ابن شرعي للحالة الشعبية المعادية للنظام، فإن مزاج الشعب لا بد وأن يفرض نفسه على مختلف تشكيلات الجيش الحر التي هي من الشعب ولأجل حمايته والدفاع عن تطلعاته. هكذا يصبح ضرورياً، العمل على توحيده وإعادة هيكلته بما يجعله جيشاً وطنياً، ينهي كل التسميات الدينية والطائفية، ويلتزم بتحقيق أهداف وطنية، تعيد له البيئة الشعبية الحاضنة التي تهشّمت وضمرت خلال العام الفائت.

وإذا كان من الغرابة أن يدافع الائتلاف الوطني وعدد من المثقفين عن «جبهة النصرة»، متجاهلين طائفيتها وعلاقاتها المشبوهة، فإن صمتهم المريب عن استباحة «داعش» لدماء السوريين وحرياتهم، هو انعدام للمسؤولية الوطنية والأخلاقية. وهو مما يثبت مدى تفارق الثورة السورية بحيويتها وقدرتها المذهلة على التجدد، عن قيادتها السياسية ذات العقل الضحل. فبرغم جميع التطورات «السلبية» التي تشهدها الثورة وخصوصاً في المناطق المحررة، تتحرك قوى المعارضة ببلادة قاتلة، دون أن تعلن عجزها وتقاعسها أمام حجم التحديات، تستمر بإلقاء العظات الوطنية على الشعب، فيما تعقد الصفقات مع الدول الغربية والإقليمية. وتنشغل بالتنازع على سلطة الائتلاف، تاركة السلطة في سوريا نهباً للنظام ولجماعات الإجرام الأصولي.

إنه خطر داهم، ذلك الذي يتهدد الثورة السورية، فيحشرها بين فكي الإجرام، «النظام» و»داعش». الطرفان الأكثر تنظيماً وتسليحاً، هما يعملان بمثابرة ودعم إقليمي ودولي، إلى إشاعة أكبر قدر من الفوضى، وعلى تثبيت حرب الجماعات، التي يحارب فيها كل طرف من أجل فكر واحد. في هذا النوع من الحروب، يسود لون الدم، ويستقر الحال على تقسيم مديد لا تعرف له نهاية.

9